كن من متابعين نهر الحب عبر تويتر

اضغط اعجبني ليصلك جديدنا بالفيسبوك
قديم 05-31-2014, 01:42 AM   #1
 
الصورة الرمزية دلع عيني دلع
 
تاريخ التسجيل: Feb 2007
الدولة: حـــ أمـــي ـــضن
المشاركات: 123,750
دلع عيني دلع is on a distinguished road
ايقونه احكام الرضاعه وقوانينها,أحكام الرضاع عند الزواج

Advertising

احكام الرضاعه وقوانينها,أحكام الرضاع عند الزواج

احكام الرضاعه وقوانينها,أحكام الرضاع عند الزواج



قوله: «الرضاع» الرضاع لغة: مص الثدي لاستخراج اللبن منه.

أما في الشرع فهو أعم من هذا، فهو إيصال اللبن إلى الطفل، سواء عن طريق الثدي أو عن طريق الأنبوب، أو عن طريق الإناء العادي، المهم هو وصول اللبن إلى الطفل بأي وسيلة، وهذا من النوادر أن يكون المعنى الشرعي أعم من المعنى اللغوي؛ لأن العادة أن المعنى اللغوي أعم من المعنى الشرعي، ولكن أحياناً يكون المعنى الشرعي أوسع من المعنى اللغوي، فالإيمان ـ مثلاً ـ في اللغة التصديق، لكن في الشرع يشمل التصديق، والقول، والعمل.

والرضاع من رحمة الله عزّ وجل وحكمته، فالطفل في بطن أمه يتغذى بالدم عن طريق السُّرة، ثم إذا انفصل فإنه لا يستطيع أن يأكل ولا يشرب، فجعل الله له وعاءين معلقين في صدر الأم، واختار الله ـ عزّ وجل ـ أن يكون في الصدر؛ لأن ذلك أقرب إلى القلب، ولأنه أقرب إلى كون الأم تحتضن الولد، وترق له وتحن عليه، ثم جعل الله ـ عزّ وجل ـ هذا الوعاء وعاء لا يجتمع فيه اللبن كما يجتمع في القارورة، لكنه يجتمع بين عصب ولحم وشحم متفرقاً؛ ليكون أسهل للأم مما لو كان يرتج كما لو كان في قارورة، ثم من رحمة الله ـ عزّ وجل ـ أنه جعله يخرج من هذه الحلمة، وليس في شق واحد، بل مخرقة عدة خروق؛ لأجل ألاَّ ينزل بسرعة فيشرق الطفل فيموت، وبهذا كله تتبين حكمة الله عزّ وجل، وأنه لا ينبغي العدول عن هذه الحكمة العظيمة بإسقائه لبناً أجنبياً كما يفعل بعض الناس، مع أن الأطباء متفقون على أن لبن الأم خير للطفل من أي لبن آخر، وهذا هو الذي يليق بحكمة الله ـ تعالى ـ الكونية والشرعية، ولهذا ينبغي للمرأة ألا تدع إرضاع ولدها لمدة سنتين، كما قال الله تعالى: {{وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ}} [البقرة: 233] ، فالرضاع يشارك النسب في بعض الأمور، ويفارقه في أكثر الأمور، ومما يشارك النسب فيه ما ذكره المؤلف بقوله:



يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ.

«يَحْرُمُ من الرَّضَاعِ ما يَحْرمُ من النسب» هذه الجملة هي لفظ الحديث الوارد عن النبي صلّى الله عليه وسلّم، فهي إذاً مسألة بدليلها، يعني أن ما حرمه النسب وهو القرابة يحرمه الرضاع، فلننظر بالحد والعد، بالعد اقرأ الآية الكريمة: {{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاَتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ}} [النساء: 23] هذه سبع، فيحرم على الإنسان من الرضاع ما يحرم من النسب، يحرم عليه أمه من الرضاع، وبنته من الرضاع، وأخته من الرضاع، وعمته من الرضاع، وخالته من الرضاع، وبنت أخته من الرضاع، وبنت أخيه من الرضاع، كما في الآية تماماً، وعلى هذا فلا تتعب نفسك، فإذا سألك سائل عن مسألة فيها رضاع، فانظر العلاقة بين الراضع ومن أرضعته، هل هي الأمومة، البنوة، الأخوة، العمومة؛ الخؤولة؟ لأن الحديث محكم والآية محكمة.

أما الحد، فلدينا ثلاثة: أُمٌّ مُرْضِعَةٌ، وصاحب اللبن وهو زوجها أو سيدها، وراضع، كل واحد من الثلاثة له أصول، وفروع، وحواشٍ، فالمرضعة أصولها آباؤها وأمهاتها وإن علوا، وفروعها أبناؤها وبناتها وإن نزلوا، وحواشيها إخوانها وأعمامها وأخوالها، وصاحب اللبن كذلك له أصول، وفروع، وحواشٍ، والراضع كذلك له أصول، وفروع، وحواشٍ، فالرضاع لا يؤثر في حواشي وأصول الراضع، وإنما الذي يتعلق به حكم الرضاع الراضع وفروعه فقط، وبالنسبة للمرضعة يتعلق الرضاع بأصولها، وفروعها، وحواشيها، وبالنسبة لصاحب اللبن يتعلق بأصوله، وفروعه، وحواشيه، فهذا تقسيم حاصر يسهل على الإنسان أن يعرف تأثير الرضاع.

أضرب لهذا مثلاً: زيد رضع من هند، ولها زوج اسمه خالد، فأمهات هند يؤثر فيهن الرضاع، وبنات هند يؤثر فيهن الرضاع، وأخوات هند، وعماتها، وخالاتها يؤثر فيهن الرضاع كذلك، وصاحب اللبن ـ خالد ـ يؤثر الرضاع في أمهاته؛ لأنهن أصوله، ويؤثر في بناته؛ لأنهن فروعه، ويؤثر في إخوانه؛ لأنهم حواشيه، بقي الراضع وهو زيد، فيؤثر الرضاع في ذريته، ولا يؤثر في أصوله ولا حواشيه؛ ولذلك يجوز لأخي الراضع أن يتزوج من أرضعت أخاه؛ لأن الرضاع لا يؤثر في حواشي الراضع، ويجوز لأبي الراضع أن يتزوج من أرضعت ابنه؛ لأن الرضاع لا يؤثر في أصول الراضع، ولا يجوز لابن الراضع أن يتزوج أخت الراضع من المرأة التي أرضعته؛ لأنه من فروع الراضع، وفروع الراضع يؤثر فيهم الرضاع.

مثال ذلك: رضيع رضع من امرأة اسمها هند مع ابنتها عائشة، لكن هنداً لها بنات من قبل، فإنهن يكن أخواتٍ له؛ لأنهن من فروع المرضعة التي هي هند، ويكون أخاً للبنات اللاتي بعده؛ لأنهن من فروع المرضعة.

مثال ثانٍ: رجل رضع من امرأة لها ابن اسمه علي، ولعلي بنت، فهل يجوز للراضع أن يتزوج بنت علي؟ لا يجوز؛ لأنها من فروع المرضعة، والرضاع يؤثر بالنسبة للمرضعة في أصولها، وفروعها، وحواشيها.

مثال ثالث: رجل رضع من امرأة زيد، وكان لزيد امرأة أخرى لها بنات، فلا يجوز أن يتزوجهن؛ لأنهن من فروع صاحب اللبن.

مسألة: هل يحرم من الرضاع ما يحرم بالصهر؟ اختلف في ذلك أهل العلم، فذهب الأئمة الأربعة وجمهور أهل العلم إلى أنه يحرم من الرضاع ما يحرم بالصهر، وعلى هذا فأم زوجتك من الرضاع حرام عليك، كأم زوجتك من النسب؛ لأن أم زوجتك من النسب حرام بالنص والإجماع، كما قال الله تعالى: {{وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ}} وبنت زوجتك من الرضاع، كأن يكون لك زوجة قد أرضعت بنتاً من زوج سابق، فعلى رأي الجمهور تحرم عليك تلك البنت؛ لأنها بنت زوجتك من الرضاع، فهي كبنت زوجتك من النسب، ولو كان لزوج المرأة أب من الرضاع يحرم عليها ـ على رأي الجمهور ـ كأبي زوجها من النسب، ولو كان لزوجها ابن من الرضاع ـ أي: لم يرضع منها، لكن رضع من زوجة أخرى ـ فهو على رأي الجمهور يحرم عليها كابن زوجها من النسب.

ولكن ظواهر الأدلة تدل على خلاف قول الجمهور؛ لأن الله ـ تعالى ـ ذكر المحرمات ثم قال: {{وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ}} فيكون الأصل الحل، وعلى هذا فإذا لم يكن هناك تحريم بيِّن، فإن الأصل الحل، حتى يقوم دليل بيِّن على التحريم، ثم إن الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ يقول: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» [(191)]، ولم يقل: «والمصاهرة» ومعلوم أن أم الزوجة، وبنت الزوجة، وأبا الزوج، وابن الزوج تحريمهم بالمصاهرة لا بالنسب بالإجماع، فيكون الحديث مخرجاً لذلك، وأيضاً فإن الله ـ تعالى ـ يقول: {{وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ}} فخرج به الابن من الرضاع، فزوجته لا تحرم عليه؛ لأنه ليس ابناً لصلبه، ولكن هذه الآية أجاب الجمهور عنها بأنها احتراز من ابن التبني.

والجواب عن هذا أن يقال:

أولاً: ابن التبني ليس ابناً شرعياً حتى يحتاج إلى الاحتراز عنه، فهو ـ أصلاً ـ ما دخل في قوله: {{أَبْنَائِكُمُ}} لأن بنوَّته باطلة.

ثانياً: على فرض أنه داخل في البنوة، فإن قوله: {{مِنْ أَصْلاَبِكُمْ}} لماذا لا نجعله احترازاً من ابن التبني وابن الرضاع، فيكون مخرجاً للجنسين؟

فإن قلت: إن عموم قوله تعالى: {{وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ}} يشمل أمها من النسب وأمها من الرضاع.

فالجواب: أن الأم عند الإطلاق لا تدخل فيها أم الرضاع، بدليل قوله: {{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَهَاتُكُمْ}} ثم قال بعدها: {{وَأُمَهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ}} ولو كانت الأم عند الإطلاق يدخل فيها أم الرضاع ما ذكرت مرة ثانية.

والحاصل: أن هذا القول هو القول الراجح وإن كان خلاف رأي الجمهور؛ لأنه ما دامت المسألة ليست إجماعاً فلا ضير على الإنسان أن يأخذ بقول يراه أصح، وابن رجب نقل عن شيخ الإسلام أنه يرى هذا الرأي: أن الرضاع لا يؤثر في تحريم المصاهرة، وذكر عنه ابن القيم أنه توقف في ذلك، ولا يمنع أن يكون توقف ثم تبين له بعد ذلك الأمر، كما يوجد في كثير من آرائه رحمه الله، فأحياناً يصرح بأنه رجع عن رأيه أو يتبين واضحاً أنه رجع عن رأيه، وأحياناً يتوقف.

فإذا قال قائل: أنا أتهيب من خلاف الجمهور، وأريد أن أسلك الاحتياط من الوجهين، فأقول: إن أم الزوجة من الرضاع ليست حراماً على الزوج، فلا أحل لها أن تكشف وجهها موافقة لقول شيخ الإسلام، ولا أحل له أن يتزوج بها موافقة للجمهور، فهل لهذا المسلك أصل؟

الجواب: نعم، وذلك في قصة سودة بنت زمعة رضي الله عنها حين تنازع عبد بن زمعة وسعد بن أبي وقاص رضي الله عنهما في وليد، فقال سعد: يا رسول الله إن هذا ولد من أخي عتبة، وأنه عهد به إليَّ، وقال عبد بن زمعة، أخو سودة: يا رسول الله إنه أخي، ولد على فراش أبي من وليدته، فقال له سعد: يا رسول الله انظر إلى شبهه، فلما نظر النبي صلّى الله عليه وسلّم إلى شبهه، رأى شبهاً بيِّناً بعتبة، ولكنه قال: «الولد للفراش وللعاهر الحجر، واحتجبي منه يا سودة» [(192)]، فحكم أن هذا الولد أخ لسودة، وأمر أن تحتجب منه احتياطاً؛ لأنه رأى شبهاً بيناً بعتبة، فهل هذا من باب إعمال الدليلين أو من باب الاحتياط؟ قال بعضهم: إنه من باب إعمال الدليلين، وقال بعضهم: إنه من باب الاحتياط، والأقرب أنه من باب الاحتياط؛ لأن هذين الدليلين أحكامهما متنافية لا يمكن أن تجتمع، فإما هذا وإما هذا، فلو ذهب ذاهب إلى هذا وقال: إن الرضاع لا يؤثر في التحريم بالنسبة للمصاهرة، ولكني آمره ألا يتزوج بهن احتياطاً، لو ذهب ذاهب إلى ذلك لم يكن هذا بعيداً من الصواب.



وَالمُحَرِّمُ خَمْسُ رَضَعَاتٍ ..........................

قوله: «والمُحَرِّمُ خَمْسُ رَضَعَاتٍ» بدأ المؤلف بشروط الرضاع المحرم، فالرضاع المحرم خمس رضعات، ودليل ذلك ما رواه مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات يحرمن، ثم نسخن بخمس معلومات، فتوفي النبي صلّى الله عليه وسلّم وهي فيما يقرأ من القرآن»[(193)]، وعلى هذا فما دون الخمس لا يؤثر.

فإن قال قائل: حديث عائشة رضي الله عنها: «خمس رضعات معلومات يحرمن»، هذا ليس فيه حصر، فلم يقل الرسول صلّى الله عليه وسلّم: لا يحرم إلا خمس، فنحن نقول: تحرم الخمس، وتحرم الأربع، وتحرم الثلاث، وهذا إيراد قوي جداً، فالجواب على ذلك من أربعة وجوه:

الأول : أنه قد روي أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم قال: «لا يحرم إلا خمس رضعات» [(194)]، وهذا حصر طريقهُ النفي والإثبات.

الثاني : روي أن الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ «أمر امرأة أبي حذيفة أن ترضع سالماً مولى أبي حذيفة خمس رضعات»[(195)].

الثالث : أن عائشة رضي الله عنها ذكرت عدداً أعلى وعدداً أدنى، الأعلى العشر والأدنى الخمس، ولو كان هناك عدد أدنى من الخمس لبينته.

الرابع : أن الأصل عدم التحريم، والثلاث والأربع مشكوك فيهما، فالأصل الحل وعدم التحريم حتى يثبت التحريم.

وقالت الظاهرية: لا يشترط شيء، بل مطلق الرضاع ولو كان نقطة يحرم، لقوله تعالى: {{وَأُمَهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ}} [النساء: 23] ولم يذكر عدداً، ولقوله عليه الصلاة والسلام لزوجة أبي حذيفة: أرضعيه تحرمي عليه[(196)]، ولم يقل: خمس رضعات، وبما في الصحيح في قصة الرجل الذي جاءته امرأة فأخبرت أنها أرضعته وزوجتَه، فأمر النبي صلّى الله عليه وسلّم بفراقها، فقال: كيف وقد قيل[(197)]؟! ولم يسأل الرسول صلّى الله عليه وسلّم أو يستفصل كم أرضعته، فهذا يدل على أنه لا يشترط العدد، والجواب عن هذه النصوص أنها مطلقة قيدها منطوق حديث عائشة، ومفهوم حديث: «لا تحرم المصَّة ولا المصَّتان» [(198)].

وقال بعض العلماء: المحرم ثلاث رضعات، واستدلوا بقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لا تحرم المصَّة ولا المصَّتان»، وقوله صلّى الله عليه وسلّم: «لا تحرم الإملاجة ولا الإملاجتان» [(199)]، قالوا: فمنطوق الحديث أن الثِّنْتَيْنِ لا تؤثر، ومفهوم العدد أن ما زاد عليهما محرِّم، ونحن نرى أن الشارع اعتبر العدد الثلاث في مواضع كثيرة مثل الطلاق، والوضوء ثلاث، وصيام ثلاث من كل شهر، والاستئذان، وغيره، بخلاف الخمس فليس لها أصل.

ولكن الجواب عن هذا أن يقال: دلالة تأثير الثلاث بالمفهوم، ودلالة أن لا يؤثر إلا الخمس بالمنطوق، ودلالة المنطوق مقدمة على دلالة المفهوم، ويتبين بالمثال، إذا قلنا: لا تحرم المصة ولا المصتان، فصحيح، حتى إذا قلنا بخمس رضعات فالثنتان لا تؤثر، وإذا قلنا: الثلاث تؤثر، بقي عندنا معارضة حديث الخمس، وحينئذٍ لا يمكن العمل إلا بحديث عائشة أنه لا بد من خمس رضعات.

والجواب على قولهم إن الخمس ليس لها أصل معتبر في الشرع، أن يقال: إن الخمس لها أصل معتبر، فالصلوات خمس، والأوسق خمسة، وأركان الإسلام خمسة.

ولكن يبقى النظر ما هي خمس الرضعات؟ أهي خمس مصات؟ أو خمسة أنفاس؟ أو خمس وجبات؟

بعضهم قال: خمس مصات لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «لا تحرم المصَّة ولا المصَّتان» ، فعلق الحكم بالمص، وعلى هذا يمكن أن يثبت الرضاع في خلال ثلاث دقائق؛ لأنه إذا مص ثم بلع، ثم مص ثم بلع، ثم مص خمس مرات ثبت الرضاع.

وبعضهم يقول: بل خمسة أنفاس لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «لا تحرم الإملاجة ولا الإملاجتان» والإملاج إدخال الثدي في فم الصبي، فما دام الثدي في فمه فلو مص مائة مرة فهو واحدة، وعلى هذا إذا مص ثم بلع ثم مص ثم بلع ثم مص ثم بلع في نفس واحد ثم أطلق الثدي ثم عاد، تكون الثانية هي الرضعة الثانية.

وبعضهم يقول: خمس وجبات، كما يقول: خمس أكلات، فلا بد من زمن يقطع اتصال الثانية بالأولى، أما ما دام في حجر المرأة فإنها رضعة واحدة، كما تقول: هذه أكلة، هذا غداء، هذا عشاء، وما أشبه ذلك، فالعشاء ليس كل لقمة ترفعها إلى فمك، بل مجموع اللقم، وكذلك الغداء فليس كل تمرة تبلعها تكون غداء، إنما الغداء، مجموع الأكل، وعليه فالمراد بالرضعة الفعلة من الرضاع التي تنفصل عن الأخرى، وأما مجرد فصل الثدي فهذا لا يعتبر رضعة في الحقيقة، فمثلاً لو أرضعته أول النهار الساعة الثامنة، ثم الساعة التاسعة، ثم الساعة العاشرة، ثم الحادية عشرة، ثم الثانية عشرة، فهذه خمس رضعات، فلو أرضعته في مكان واحد، وامتص الثدي ثم أطلقه يتنفس، ثم عاد ورضع، ثم أطلقه ليتنفس، ثم عاد خمس مرات لكنها في جلسة واحدة فلا يؤثر على هذا القول.

فإذا قال قائل: أيهما أرجح؟ قلنا: الأصل عدم التأثير، ولا نتيقن التأثير إلا بخمس وجبات؛ لأن الأصل أنه لا يؤثر، فنأخذ بالاحتياط، والاحتياط ألا يؤثر إلا خمس وجبات، لا خمس مصات، ولا خمسة أنفاس، وهذا اختيار شيخنا عبد الرحمن بن سعدي رحمه الله، وهو ظاهر اختيار ابن القيم.

فإذا قال قائل: لماذا لا نجعل المصَّات هي الأحوط؟ قلنا: هذا مشكل؛ لأننا إذا احتطنا من جهة، أهملنا من جهة أخرى، فمثلاً هذه طفلة رضعت خمس مصات، فإذا احتطنا، وقلنا: إن بنت المرضعة تكون أختاً للراضع يحرم عليه نكاحها، أتانا أمر آخر ضد هذا الاحتياط، وهي أننا إذا قلنا: إنها أخته لزم من ذلك أن يخلو بها، ويسافر بها، وتكشف وجهها له، والاحتياط ألا تفعل، وهي لا تفعل هذا إلا إذا قلنا: إن الرضاع غير مؤثر، فلذلك لا تحتاط من جهة إلا أهملت من جهة أخرى، فنرجع إلى الأصل وهو عدم التأثير، ولذلك كان هذا القول هو المتمشي على القواعد والأصول.



فِي الْحَوْلَيْنِ، ..............

قوله: «في الحولين» هذا شرط آخر، يعني أن تكون الرضعات الخمس كلها في الحولين من ولادة الطفل، فإذا ولد في الواحد من محرم عام عشرين، فينتهي وقت الرضاع في الواحد من محرم عام اثنين وعشرين، فما دام في الحولين فالرضاع مؤثر، وإذا انتهت الحولان فالرضاع غير مؤثر، والدليل قول الله تبارك وتعالى: {{وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ}} [البقرة: 233] فقالوا: تمام الرضاعة في حولين، وما زاد فهو خارج، وما دونهما ناقص عن تمام الرضاعة؛ ولأن الحولين حدٌّ فاصل بيِّن قاطع، فكان أولى بالاعتبار من سواه.

وظاهر كلام المؤلف: أن الرضاع في الحولين مؤثر، سواء فطم الصبي أم لم يفطم، حتى لو فرض أنه فطم في سنة، وفي السنة الثانية كان يأكل الخبز والجبن وكل شيء ورضع فالرضاع يؤثر، ولو كان لا يتغذى باللبن، فإنه ما دام في الحولين فرضاعه مؤثر.

واختار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن العبرة بالفطام، فما كان قبل الفطام فهو مؤثر ولو كان بعد الحولين، وما كان بعد الفطام فليس بمؤثر ولو في الحولين، واستدل رحمه الله بالأثر والنظر، أما الأثر فالحديث المعروف: «لا رضاع إلا ما أنشز العظم وكان قبل الفطام»[(200)]، ولم يقل: «وكان قبل الحولين»، وأما النظر فلأنه إذا كان يتغذى بغير اللبن ـ يعني بالطعام المعروف ـ فأي فرق بين من كان في الحولين ومن بعد الحولين؟! فكلا الطفلين لا يحتاج إلى اللبن، ولو رضع أربع مرات إلى صباح ثلاثين من ذي الحجة من السنة الثانية، ولما هلَّ محرم رضع الخامسة، فهل يؤثر أو لا يؤثر على قول من يرى أن العبرة بالحولين؟ لا يؤثر، فأي فرق بين هذه وبين قبل ساعة؟! ثم أي فرق بين طفل فطم للحول الأول، وصار يأكل الطعام وآخر يأكل الطعام في السنة الثالثة؟! لا فرق.

فالقول الراجح أن العبرة بالفطام، سواء كان قبل الحولين أو بعد الحولين، فلو فرض أن هذا الطفل نموه ضعيف، وصار يتغذى باللبن حتى تم له ثلاث سنوات، ففي السنة الثالثة رضاعه مؤثر على القول الراجح، وأما على قول من قال: العبرة بالحولين فرضاعه غير مؤثر، ولو فرضنا أن طفلاً فطم لأول سنة، وصار يأكل الطعام وأرضعناه في السنة الثانية، فهل الرضاع محرِّم أو غير محرم؟ على القول بأنه لا يؤثر إلا في الحولين فهو مؤثر، وعلى القول الثاني الذي رجحناه غير مؤثر، المهم يشترط في الرضاع المحرم أن يكون في وقت معين، إما في الحولين على ما مشى عليه المؤلف، وإما قبل الفطام على القول الراجح.

والقول الثاني : أن الرضاع محرم ولو كان الإنسان له ستون سنة، حتى لو كان الراضع أكبر من المرضعة، فهذا شيخ كبير له ستون سنة رضع من امرأة شابة لها عشرون سنة مرة واحدة، يكون ولداً لها، وهذا رأي الظاهرية؛ لأنهم لا يرون سناً ولا عدداً فمتى حصل الرضاع فهو مؤثر، ودليلهم الإطلاق في قوله: {{وَأُمَهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ}}، ولقصة سالم مولى أبي حذيفة، وكان أبو حذيفة قد تبناه قبل أن يبطل التبني، يعني اتخذه ابناً له، وصار كابنه تماماً، يدخل البيت وزوجة أبي حذيفة لا تحتجب عنه، فلما أبطل الله التبني صار سالم أجنبياً من المرأة، فجاءت سهلة تشتكي إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم وتقول: إن سالماً كان أبو حذيفة قد تبناه، يدخل علينا ونكلمه، وقد بطل التبني فقال لها النبي صلّى الله عليه وسلّم: «أرضعيه تحرمي عليه» [(201)]، وهو كبير يقضي الحوائج، فقالوا: وهذا رضع وهو كبير، وقد حكم النبي صلّى الله عليه وسلّم بأنه مؤثر، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وعلى هذا فإذا كانت امرأة وأحبت أن تكشف لهذا الرجل، تقول له: تعال أنا أرغب أن أكشف لك، وأن تخلو بي، وأن أسافر معك، ارضع!

ويبقى إشكال كيف يرضع من ثديها وهو ليس محرماً لها؟! فلو جعل يرضع من الثدي وله عشرون سنة ستحصل فتنة بلا شك، فنقول: الحمد لله يوجد مخرج، كل يوم تجمع له قلة حليب من ثديها لمدة خمسة أيام، ويشربه، فيكون ولداً لها، وهذا القول كما ترى فيه شبهة؛ ولكن نقول: حديث سالم يعارض منطوق حديث: «لا رضاع إلا ما أنشز العظم وكان قبل الفطام» [(202)]، فاختلفوا في الجواب عنه، فقال بعضهم: إنه منسوخ، وقال بعضهم: إنه خاص بسالم مولى أبي حذيفة، ثم اختلف القائلون بأنه خاص، هل هي خصوصية وصف، أو هي خصوصية عين؟ والفرق بينهما: إذا قلنا: إنها خصوصية عين، فمعنى ذلك أنها خاصة بعين سالم فقط لا تتعداه إلى غيره، وإذا قلنا: إنها خصوصية وصف صارت متعدية إلى غيره، ممن تشبه حالُه حالَ سالم، وقد مر علينا كثيراً أن الشرع كله ليس فيه خصوصية عين، حتى خصائص النبي صلّى الله عليه وسلّم لم يخص بها؛ لأنه محمد بن عبد الله، لكن لأنه رسول الله، والرسالة ما يشاركه فيها أحد، فالتخصيص بالعين لا نراه والأصل عدمه، ثم لو كان هذا من باب الخصوصية العينية لكان الرسول صلّى الله عليه وسلّم يبين ذلك، كما بيّن لأبي بردة رضي الله عنه حين قال: «إنها لن تجزئ عن أحد بعدك» [(203)].

أما خصوصية وصف فالأمر فيها قريب، وقد اختار ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وقال: إنه إذا كان المقصود بالإرضاع التغذية فإنه لا يكون إلا في زمن الرضاع، وإذا كان المقصود بالرضاع دفع الحاجة جاز ولو للكبير، وعندي أن هذا ـ أيضاً ـ ضعيف، وأن رضاع الكبير لا يؤثر مطلقاً، إلا إذا وجدنا حالاً تشبه حال أبي حذيفة من كل وجه.

ويرى بعض العلماء أن مطلق الحاجة تبيح رضاع الكبير، وأن المرأة متى احتاجت إلى أن ترضع هذا الإنسان وهو كبير أرضعته وصار ابناً لها، ولكننا إذا أردنا أن نحقق قلنا: ليس مطلق الحاجة، بل الحاجة الموازية لقصة سالم، والحاجة الموازية لقصة سالم غير ممكنة؛ لأن التبني أُبطل، فلما انتفت الحال انتفى الحكم، ويدل لهذا التوجيه أن النبي صلّى الله عليه وسلّم لما قال: «إياكم والدخول على النساء» قالوا: يا رسول الله، أرأيت الحمو ـ وهو قريب الزوج كأخيه مثلاً ـ قال: «الحمو الموت» [(204)]، والحمو في حاجة أن يدخل بيت أخيه إذا كان البيت واحداً، ولم يقل عليه الصلاة والسلام: الحمو ترضعه زوجة أخيه، مع أن الحاجة ذكرت له، فدل هذا على أن مطلق الحاجة لا يبيح رضاع الكبير؛ لأننا لو قلنا بهذا لكان فيه مفسدة عظيمة، وكانت المرأة تأتي كل يوم لزوجها بحليب من ثديها، وإذا صار اليوم الخامس صار ولداً لها، وهذه مشكلة، فالقول بهذا ضعيف أثراً ونظراً، ولا يصح.

أما دعوى النسخ فإنها لا تصح؛ لأن من شرط النسخ أن نعلم التاريخ وهنا لا نعلم، ولو ادعينا النسخ لكان خصومنا ـ أيضاً ـ يدعون علينا النسخ، ويقولون: إن الأحاديث التي تدل على أنه لا رضاع إلا في الحولين منسوخة بحديث سالم، فليست دعوانا عليهم بأقوى من دعواهم علينا.

والخلاصة أنه بعد انتهاء التبني نقول: لا يجوز إرضاع الكبير، ولا يؤثر إرضاع الكبير، بل لا بد إما أن يكون في الحولين، وإما أن يكون قبل الفطام، وهو الراجح.



وَالسَّعُوطُ، وَالْوَجُورُ، وَلَبَنُ الْمَيْتَةِ، وَالمَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةٍ، أَوْ بِعَقْدٍ فَاسِد، أَوْ بَاطِلٍ، أَوْ بِزِناً مُحَرِّمٌ، ......

قوله: «والسَّعوط والوجور ولبن الميتة والموطوءة بشبهة أو بعقد فاسد أو باطل أو بزنا مُحرِّم» «محرِّمٌ» خبر المبتدأ في قوله: «والسَّعوط» وما عطف عليه، أي: السعوط وما عطف عليه محرِّم، والسعوط بفتح السين وضمها، وكذلك الوجور، ويختلف المعنى، فبالضم الفعل، وبالفتح ما يسعط به، أو يوجر به، مثل السَّحور والسُّحور، فالسُّحور الفعل، والسَّحور ما يؤكل، والوَضوء والوُضوء، فالوَضوء الماء، والوُضوء الفعل، ومثل الطَّهور والطُّهور، فالطَّهور الماء، والطُّهور الفعل، وهلم جرّاً، فالسَّعوط: ما يكون في الأنف، والوَجورُ: ما يكون في الفم، في أحد شقيه، إما اليمين وإما اليسار، والسعوط يؤتى باللبن من المرأة، ويحقن في أنف الصبي، والآن في المستشفى يضعون أنبوبة في الأنف وتغذي الشخص، والدليل على ذلك حديث لقيط بن صبرة رضي الله عنه: «بالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً» [(205)]، لأن الماء ينزل إلى معدته، عن طريق الأنف؛ لأنه منفذ يصل إلى المعدة.

بقي حقن اللبن من الدبر، فالمذهب أنه لا يؤثر ولا يكون رضاعاً ولا في معنى الرضاع، مع أنهم يقولون: إنه يفطر الصائم، وهذا شبه تناقض؛ لأنه إن كان يغذي فلا فرق بين ما يكون للصائم، وما يكون للطفل، وإن كان لا يغذي فلا يفطر الصائم، ولهذا قال شيخ الإسلام: الحقنة لا تفطر الصائم، لأنها ليست أكلاً، ولا بمعنى الأكل والشرب.

وقوله: «ولبن الميتة» أي: محرِّم، ما دمنا نقول: إن الرضاع لا بد أن يكون خمس رضعات فكيف يكون من الميتة؟ يكون إذا كانت المرأة الميتة أرضعته قبل ذلك أربع مرات، وبقي رضعة واحدة، فلما ماتت إذا ثديها مملوء لبناً، فسُلِّط الصبي عليه فمصه وشربه، نقول: هذا مُحرِّم كما لو كانت حية.

بقي أن يقال: هل هذا الحليب طاهر أو نجس؟ الجواب: هل هذه الميتة طاهرة أم نجسة؟ الجواب: طاهرة، إذاً حليبها طاهر.

وقال بعض أهل العلم: إن لبن الميتة ليس بمحرِّم؛ لأن هذا شيء نادر، والله ـ عزّ وجل ـ يقول: {{وَأُمَهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ}} والميتة لا ترضع، فالآية تدل على فعل واقع من المرضعة، وهذا أقرب إلى الصواب.

وقوله: «والموطوءة بِشُبْهَةٍ» الشبهة إما شبهة عقد، وإما شبهة اعتقاد، شبهة العقد أن يتزوجها بعقد ليس بصحيح لكنه يظنه صحيحاً، كما لو تزوجها بولي هو أخوها من الأم، فظن أن الأخ من الأم ولي، وهو ليس بولي، وتزوجها الرجل ودخل عليها وجامعها.

وشبهة الاعتقاد رجل دخل بيته ووجد على فراشه امرأة تشبه زوجته تماماً، وكان في إشفاق للجماع فجامعها بدون أن يتأنى ويتروى؛ لأن ظاهر الحال أنها زوجته.

فإذا حملت الموطوءة بشبهة وأتت بولد وأرضعت بهذا اللبن فلبنها محرِّم لا شك؛ لأن الرجل الذي جامع يعتقد أنها زوجته، وأن هذا الجماع في محله فيكون ما ترتب عليه حلالاً، فلبن الموطوءة بشبهة كلبن المتزوجة بنكاح لا شبهة فيه.

وقوله: «أَوْ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ» الموطوءة بعقد فاسد لبنها كالموطوءة بعقد صحيح، كأن يتزوج الإنسان امرأة بنكاح فيه خلاف، لم يجمع العلماء على بطلانه فيطؤها فتحمل، وتأتي بولد ويكون فيها لبن وترضع به، فنقول: إن لبنها كلبن الموطوءة بعقد صحيح.

وقوله: «أو باطل» وهو العقد الذي أجمع العلماء على فساده، كأن يتزوج بنت امرأته إذا كان قد دخل بالأم، أو تزوج أم زوجته بعد أن ماتت زوجته فالنكاح باطل؛ لأن أمها محرمة على التأبيد، فيكون الرضاع مؤثراً، لكن تثبت الأمومة دون الأبوة.

وقوله: «بزنا» أي: موطوءة بزنا، كامرأة زنت ـ والعياذ بالله ـ وأتت بولد ثم أرضعت بلبنها طفلاً، فهل يكون الرّضاع مُحرِّماً؟ الجواب: نعم يكون محرماً، بمعنى أن تكون هي أماً له؛ لأنها أرضعته بلبنها، وإذا كان ولدها من بطنها ولداً لها، فولدها من لبنها يكون ولداً لها، ولكن لا يكون له أب؛ لأن ولد الزنا لا ينسب للزاني، فإذا كان ابنه الذي خلق من مائه لا ينسب إليه، فالذي رضع من لبن موطوءته لا ينسب إليه، وعليه فيكون لهذا الولد أم ولا أب له، كما أن ولد الزنا له أم وليس له أب.



وَعَكْسُهُ الْبَهِيمَةُ، وَغَيْرُ حُبْلَى، وَلاَ مَوْطُوءَةٍ، فَمَتَى أَرْضَعَتِ امْرَأَةٌ طِفْلاً صَارَ وَلَدَهَا فِي النِّكَاحِ، وَالنَّظَرِ، وَالْخَلْوَةِ، وَالْمَحْرَمِيَّةِ،............

قوله: «وعكسُه البهيمةُ» يعني أن لبن البهيمة غير محرم، فلو فرضنا أن طفلين ارتضعا من بهيمة، كل واحد رضع خمس مرات، هل يكونان أخوين من الرضاع؟! لا، وإلا لأصبح أهل البيت إذا كانوا يشربون من لبن بقرة واحدة إخوة.

فنستفيد من هذا أنه يشترط أن يكون اللبن من آدمية، وكلمة «من آدمية» يخرج بها الحيوان الآخر كالبهائم، ويخرج به ـ أيضاً ـ الرجل، فلو ارتضع طفلان من رجل لم يصيرا أخوين، وقد ذكر العلماء أنه يتصور، فلا يكونون أولاداً له؛ لأن الله قال: {{وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ}} وهذا ليس بوالدة.

قوله: «وغَيْرُ حُبْلَى» يعني لو أن امرأة أرضعت طفلاً بدون حمل، وهذا يقع كثيراً فإن بعض الصبيان يبكي، فتأتي امرأة ليس فيها لبن ولم تتزوج فتلقمه ثديها تريد أن تسكته، ومع المص تدر عليه، ويكون فيها لبن، ويرضع خمس مرات أو أكثر، فهل يكون ولداً لها؟ يقول المؤلف: لا؛ لأنه حصل من غير حمل، وهذا التعليل لا يكفي في عدم إثبات هذا الحكم المهم، والصواب الذي عليه الأئمة الثلاثة أنه محرِّم، وأن الطفل إذا شرب من امرأة خمس مرات فإنه يكون ولداً لها، سواء كانت بكراً، أم آيسة، أم ذات زوج، فهو محرم بالدليل والتعليل.

فالدليل: عموم قول الله تبارك وتعالى: {{وَأُمَهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ}} وليس في الكتاب ولا في السنة اشتراط أن يكون اللبن ناتجاً عن حمل فتبقى النصوص على عمومها.

والتعليل: أن الحكمة من كون اللبن محرماً هو تغذي الطفل به، فإذا تغذى به الطفل حصل المقصود، أما الآية: {{وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ}} إنما سيقت لبيان ما يجب على الأم من إتمام الرضاعة، فالصواب إذاً أن لبن المرأة محرم سواء صار ناتجاً عن حمل أو عن غير حمل، فلبن البكر محرم، ولبن العجوز التي ليس لها زوج وأيست محرم.

قوله: «ولا مَوْطُوءَةٍ» ظاهر كلامه أن الموطوءة إذا حصل منها لبن فإن لبنها محرم، ولكن هذا يخالف قوله: «غير حبلى» لأننا ما دمنا اشترطنا أن تكون حبلى، فالحبل لا يكون إلا من وطء، ولهذا فعبارة: «ولا موطوءة» ليست موجودة في الكتب المعتمدة في المذهب، فالمعتمد في المذهب أنه لا بد أن يكون ناتجاً عن حمل.

قوله: «فَمَتَى أَرْضَعَتِ امْرَأَةٌ طِفْلاً» يعني بالشروط التي ذكرناها.

قوله: «صَارَ وَلَدَهَا في النِّكَاحِ، والنَّظَرِ، والخَلْوَةِ، والمَحْرمِيَّةِ» الرضاع يشارك النسب في هذه الأمور الأربعة فقط، في النكاح، فكما تحرم البنت من النسب تحرم البنت من الرضاع، والنظر فكما يجوز للإنسان أن ينظر إلى ابنته من النسب يجوز أن ينظر إلى ابنته من الرضاع، والخلوة فكما يجوز أن يخلو بابنته من النسب، يجوز أن يخلو بابنته من الرضاع، والمحرمية فكما يكون مَحْرَماً لابنته من النسب يسافر بها يميناً وشمالاً، يكون مَحْرماً لابنته من الرضاع، فهذه أربعة أحكام من النسب تثبت بالرضاع، ولكن هل هذه الأحكام الثابتة في النسب هل تساويها الأحكام الثابتة بالرضاع؟ الحقيقة أنها لا تساويها من كل وجه، فليس تعلق الإنسان بابنته من الرضاع، أو أخته، أو بنت أخته من الرضاع، كتعلقه بمن كانت كذلك من النسب، فهو لا يهاب ابنته من الرضاع كما يهاب ابنته من النسب، ولا يهاب ابنة أخته من الرضاع كما يهاب ابنة أخته من النسب، بل ربما إذا كانت جميلة شابة ربما يحصل منه خطر، فلا تظن أن العلماء ـ رحمهم الله ـ لما قالوا: إن الرضاع يشارك النسب في هذه الأحكام أنها تساويه؛ لأننا قد نمنع الرجل من أن يخلو بابنته من الرضاع، أو أن يخلو ببنت أخته أو بنت أخيه من الرضاع؛ لأن الهيبة التي في قلبه بالنسبة للنسب أعظم، فلا يمكن أن يجرؤ على أن يقبل ابنته لشهوة، لكن يمكن أن يجرؤ على أن يقبل ابنته من الرضاع بشهوة.

فهذه أربعة أحكام من النسب تثبت بالرضاع، وغير هذه من الأحكام لا يثبت، فالنفقة لا تثبت، فلا يجب أن ينفق الإنسان على بنته من الرضاع كما ينفق على بنته من النسب، والميراث لا يثبت فابنته من الرضاع لا ترث منه شيئاً، وتحمُّلُ الدية في قتل الخطأ وشبهه لا يثبت بالرضاع، ووجوب صلة الأرحام لا يثبت بالرضاع، فكل أحكام النسب لا يثبت منها إلا أربعة أحكام فقط، وهي النكاح، والنظر، والخلوة، والمحرمية.



وَوَلَدَ مَنْ نُسِبَ لَبَنُهَا إِلَيْهِ بِحَمْلٍ، أَوْ وَطْءٍ، .............................

قوله: «وَوَلدَ مَنْ نُسِبَ لَبَنُها إِلَيْهِ» أي: صار الرضيع ولد من نسب لبنها إليه، ويسمى لبن الفحل، فهذا الزوج إذا تزوج امرأة وحملت وأتت بلبن، فاللبن من الزوج ينسب إليه، ومن وطئ أمته فحملت وأتت بولد وصار فيها لبن فاللبن ينسب إلى السيد، فلو أن رجلاً له زوجتان فأرضعت إحداهما ولداً رضاعاً كاملاً، صار هذا الولد ولداً له، وأخاً لأولاده من هذه المرأة التي أرضعته، وأخاً لأولاده من غيرها عند جمهور أهل العلم؛ لأن لبن الفحل مؤثر، وأولاده من غير هذه المرأة اشتركوا مع الرضيع في أب واحد.

والقول الثاني: أن لبن الفحل لا يؤثر، ولكن القول الصحيح بلا شك أنه مؤثر.

قوله: «بِحَمْلٍ» أي: من نسب لبنها إليه بسبب حمل، يعني جامعها وحملت ووضعت وصار فيها لبن.

قوله: «أَوْ وَطْءٍ» هذا يمكن أن يكون فيما لو تزوج امرأة، ومع الجماع درَّت وصار فيها لبن بدون حمل، فظاهر كلام المؤلف أن هذا اللبن محرم؛ لأنه نتج عن وطء، وقد سبق لنا أن القول الراجح أنه متى وجد اللبن ناشئاً عن حمل، أو وطء، أو لعب بالثدي حتى درَّ أو غير ذلك، فإنها تكون أماً له، لكن من ليس لها سيد ولا زوج تثبت الأمومة دون الأبوة.

مسألة : إذا طلق رجل زوجته أو مات عنها وفيها لبن، ثم انقطع اللبن ثم عاد، فأرضعت به طفلاً صار ولداً لها إذا تمت شروط الرضاع، ولكن هل يكون ولداً لزوجها الذي فارقها أو لا؟

في هذه المسألة ثلاثة أقوال لأهل العلم:

القول الأول : أنه يكون ولداً له ولو بعد عشر سنوات؛ لأن هذا اللبن نشأ من الزوج الذي فارقها، فينسب إليه، وهو المشهور من المذهب، ولو كان قد مات الزوج، ولو كانت قد بانت منه، وهو قول للشافعية.

القول الثاني : أنه لا ينسب إلى زوجها؛ لأنه لما انقطع وعاد فكيف ينسب إليه؟! وولدها لو ولدت بعد البينونة لا ينسب إليه؛ لأن الولد للفراش، وهي الآن ليست فراشاً، فإذا كان لا يثبت النسب فلا يثبت فرعه وهو الرضاع، وهو ظاهر مذهب مالك.

القول الثالث : إن عاد قبل تمام أربع سنوات فهو للزوج، وإن عاد بعد أربع سنوات فلا ينسب للزوج؛ لأن أكثر مدة الحمل أربع سنوات، فإذا تجاوز مدة الحمل فلا ينسب للزوج، كما لو كان فيها ولد لم ينسب إلى الزوج، وهو قول في مذهب الشافعية.

وأقرب الأقوال: أنه إذا انقطع اللبن ثم عاد بعد البينونة أنه لا ينسب إلى الزوج الأول؛ لأنها بانت منه فلم تعد فراشاً، وإذا كان الولد من النسب لا يلحق بزوجها الذي بانت منه فإنه لا يلحق به هذا اللبن؛ لأن الرضاع مبني على النسب لقول الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» [(206)] هذا إذا لم تتزوج.

فإذا تزوجت بعد الزوج الأول، وفيها لبن من الزوج الأول، فهذه لها خمس حالات:

الحال الأول : أن تكون ولدت من الزوج الثاني، فاللبن للزوج الثاني على القول الصحيح، ولا ينسب إلى الأول؛ لأن الظاهر أن هذا اللبن هو لبن هذا الحمل، وهو لبن الثاني.

وقال بعض أهل العلم ـ وهو المذهب ـ: إنه إن زاد بعد الوضع فهو للثاني، وإن لم يزد فهو للرجلين جميعاً، وعلى هذا فإذا أرضعت بهذا اللبن طفلاً صار له أبوان.

الحال الثانية : ألا تحمل من الزوج الثاني فاللبن يكون للزوج الأول، حتى لو وطئها الزوج الثاني، ولو زاد اللبن.

الحال الثالثة : أن تحمل ويزيد اللبن، لكن ما ولدت، إنما زاد بالحمل فهو بينهما، والمذهب أنه للأول ولو زاد، إلا إذا كانت الزيادة في أوانها، أي: في الوقت الذي يزداد به اللبن من الحمل فيكون بينهما، وهذا هو القول الصحيح.

الحال الرابعة : أن تحمل من الزوج الثاني ولا يزيد اللبن فهو للأول؛ لأنه لما لم يزد وبقي بحاله علم أنه لا تأثير للحمل من الثاني.

الحال الخامسة : أن ينقطع اللبن ثم يعود بعد أن تتزوج بالثاني، فعلى ما اخترناه في المسألة الأولى إذا انقطع بعد البينونة ثم عاد فإنه لا ينسب إلى زوجها الذي بانت منه، فعلى هذا القول يكون للثاني بكل حال، وهذه المسألة الأخيرة فيها ثلاثة آراء لأهل العلم: رأي أنه للأول، ورأي أنه للثاني، ورأي أنه بينهما، والذي يتعين على ما اخترناه أنه يكون للثاني؛ لأنها فراشه، وإذا كان ولده يلحقها فإن الرضيع الذي ارتضع وهي عنده يكون ولداً له وحده.

هذه المسائل ليست مسائل نظرية، بل مسائل عملية؛ لأنه قد تقع كثيراً، فقد تتزوج امرأة وفيها لبن فلا بد أن نطبقها على هذه الأحوال، وكذلك تكون امرأة قد طلقها زوجها، أو مات عنها، ثم بعد مدة تدر على أحد أبنائها، أو أبناء بناتها وترضع، فلمن يكون اللبن؟ ينبني على هذا الخلاف الذي ذكرناه.



وَمَحَارِمُهُ مَحَارِمَهُ، وَمَحارِمُها مَحَارِمَهُ، دُونَ أَبَوَيْهِ، وَأُصُولِهِمَا، وَفُرُوعِهِمَا، فَتُبَاحُ المُرْضِعَةُ لأَبِي المُرْتَضِعِ وَأَخِيهِ مِنَ النَّسَبِ، وَأُمُّهُ وَأُخْتُهُ مِنَ النَّسَبِ لأَبِيهِ وَأَخِيهِ، وَمَنْ حَرُمَتْ عَلَيْهِ بِنْتُهَا فَأَرْضَعَتْ طِفْلَةً حَرَّمَتْهَا عَلَيْهِ ...................................

قوله: «ومحارمُهُ مَحَارِمَهُ ومَحَارِمُها مَحَارِمَه» أي: صار محارم من نسب لبنها إليه محارمَ للراضع، ومحارمُ المرضعة محارمَ للراضع، فهذا رجل رضع من امرأة اسمها عائشة، وعائشة لها محارم، فمحارم عائشة محارم له، فبنتها، وعمتها، وخالتها تَكُنَّ محارم له، كذلك محارم صاحب اللبن يكونون محارم له، ابنه، أبوه، أخوه، عمه، خاله، محارم وهكذا، فالمحارم في الموضعين هم الأصول، والفروع، والحواشي، وهذا بالنسبة للمرضعة ولصاحب اللبن، أما بالنسبة للرضيع فقال المؤلف:

«دُونَ أَبَويْهِ» أي: أبوي الرضيع.

قوله: «وأصولهما» وهما الجد والجدة.

قوله: «وفروعهما» وهما الإخوة والأعمام، هذه مسائل فردية فنرجع للضابط، وهو أن التحريم بالنسبة للرضيع ينتشر إلى فروعه فقط، دون أصوله وحواشيه، ثم فرع المؤلف عليه مسائل فقال:

«فتُبَاحُ المُرضِعَةُ لأبي المرتضع وأخيه من النسب» المرضعة التي أرضعت الطفل يجوز لأبي الطفل أن يتزوجها، فلو أن فاطمة أرضعت طفلاً اسمه علي، فإنه يجوز لأبي علي أن يتزوج فاطمة، ويجوز لأخي علي أن يتزوج فاطمة؛ لأنهما ليسا من فروع الرضيع.

قوله: «وأمُّه وأختُه من النسب لأبيه وأخيه» أي: يجوز لأبي الطفل أو أخيه من الرضاع أن يتزوج أخت الطفل من النسب أو أمَّه؛ لأن حواشي وأصول المرتضع لا علاقة لهم في الرضاع.

قوله: «ومن حَرُمَتْ عليه بنتها فأرضعت طفلةً حَرَّمَتْهَا عليه» فكل امرأة تحرم عليك بنتها فإنه يحرم عليك كلُّ من أرضعت، فلو أرضعت أختُه طفلةً صارت حراماً عليه؛ لأن بنتها تحرم عليه، وهذه القاعدة التي فيها نوع من التعقيد يكفي عنها قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» [(207)]، فمعلوم أن أختك التي هي بنت أمك حرام عليك، فإذا أرضعت أمك طفلة صارت الطفلة أختاً لك من الرضاع، فعليك بالأصول، وليت المؤلف لم يأتِ بهذا الضابط؛ لأنه يشوش، ومعلوم أن من حرمت عليه بنتها حرمت عليه من أرضعت.



وَفَسَخَتْ نِكَاحَهَا مِنْهُ إِنْ كَانَتْ زَوْجَةً، وَكُلُّ امْرَأَةٍ أَفْسدتْ نِكاحَ نَفْسِها بِرَضَاعٍ قَبْلَ الدُّخُولِ فَلاَ مَهْرَ لَهَا، وَكَذَا إِنْ كَانَتْ طِفْلَةً فَدَبَّتْ فَرَضَعَتْ مِنْ نَائِمَةٍ، ....................................

قوله: «وفَسَخَتْ نكاحَها منه إن كانت زوجة» مثاله: إنسان وُلدت له طفلة فرآها رجل فقال: زوِّجنيها، فزوَّجه وعقد له النكاح على هذه الطفلة التي ترضع، فجاءت أخت الرجل الذي تزوج الطفلة فأرضعت الطفلة، فصارت الطفلة الآن بنت أخته فهو خالها، فينفسخ النكاح، فأفسدت أختُه عليه النكاح؛ لأن بنت أخته تحرم عليه، ويلزم الزوج نصف المهر؛ لأنه انفسخ النكاح بغير سبب من الزوجة، لكن يأخذه من أخته التي أفسدت النكاح، فيقول: أنت التي جنيت عليَّ وفسختِ النكاح فعليك نصف المهر.

قوله: «وكُلُّ امرأة أَفْسَدَتْ نِكَاحَ نَفْسِهَا بِرَضَاعٍ قَبْلَ الدُّخُولِ فَلا مَهْرَ لَهَا» هذا ـ أيضاً ـ ضابط، فكل امرأة أفسدت نكاح نفسها برضاع قبل الدخول فليس لها مهر.

مثال ذلك: رجل له زوجة كبيرة فيها لبن من غيره وتزوج طفلة صغيرة، فصار عنده زوجتان كبيرة تُرضِع، وصغيرة تَرضَع، فقامت الكبيرة وأرضعت الصغيرة، فأفسدت الكبيرة نكاحها؛ لأنها صارت أم زوجة، وأم الزوجة حرام على الزوج، والمسألة الآن قبل الدخول، وقد عين لها مهراً قيمته أربعون ألف ريال مثلاً، فإن هذا المهر يسقط؛ لأن المرأة هي التي أفسدت نكاح نفسها، وبالنسبة للطفلة يبقى نكاحها؛ لأنه ما دخل على أمها، وبنت الزوجة لا تحرم إلا إذا دخل بأمها؛ وعلى هذا فيبقى نكاح الطفلة وينفسخ نكاح المرضعة، وأما المهر الذي سمي للزوجة التي أرضعت فلا يكون لها؛ لأن كل فرقة من قبل الزوجة قبل الدخول تسقط المهر، وهذا على القول بأن تحريم المصاهرة يثبت بالرضاع، أما إذا قلنا: إن تحريم المصاهرة لا يثبت بالرضاع، فإن الكبيرة تكون أم زوجته من الرضاع، وأم الزوجة من الرضاع ـ على القول الصحيح ـ لا تحرم، لكن تبقى مسألة الجمع بينها وبين البنت، فهذا لا يجوز كما سبق.

قوله: «وكذا إن كانت طفلة فدبَّت فرضعت من نائمة» أي: الزوجة طفلة صغيرة في المهد، وكانت أخت الزوج نائمة، فقامت الطفلة تدب حتى التقمت ثدي أخت الزوج ورضعت، فيفسد النكاح؛ لأنها لما رضعت من أخته صار هو خالها، فالذي أفسد النكاح نفس الزوجة، ومهرها عشرون ألفاً تسقط عن الزوج؛ لأن الفرقة من قبل الزوجة.

فإن قال قائل: الزوجة صغيرة ما لها رأي، نقول: إن الإتلافات يستوي فيها العاقل وغير العاقل، فالإتلاف سبب، والسبب لا يشترط فيه التكليف كما قال الأصوليون، ولذلك لو أن المجنون أفسد مال إنسان ضَمِّنَّاه، فيسقط مهرها بفعلها؛ لأنها هي التي أفسدت نكاح نفسها.

وكلام الفقهاء في مثل هذه الأمور، وإن كان لا يقع، أو لا يقع إلا قليلاً يقصدون به تمرين الطالب على إدراك المسائل، فمن يتصور أن إنساناً يتزوج طفلة لها سنة ترضع؟ ثم تأتي المقادير وتدب هذه الطفلة، وتجد ثدي أخته مفتوحاً! فالغالب أن المرأة إذا نامت لا تكشف الثدي، لكن مع ذلك جاء أمر الله وهذه الطفلة وجدت الثوب مفتوحاً، أو هي عبثت بالثوب حتى انفتح ورضعت، ثم الرضاع يحتاج إلى خمس رضعات، فيقال: هذه الطفلة كل صباح يوم تدب وترضع لمدة خمسة أيام حتى تم النصاب!!



وَبَعْدَ الدُّخُولِ مَهْرُهَا بِحَالِهِ، وَإِنْ أَفْسَدَهُ غَيْرُهَا فَلَهَا عَلَى الزَّوْجِ نِصْفُ الْمُسَمَّى قَبْلَهُ، وَجَميعُهُ بَعْدَهُ، وَيَرْجِعُ الزَّوْجُ بِهِ على المُفْسِدِ، وَمَنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ أُخْتِي لِرَضَاعٍ بَطَلَ النِّكَاحُ، ........

قوله: «وبعد الدخول مهرها بحاله» أي: إذا أفسدت المرأة نكاحها بالرضاع بعد الدخول فلها المهر؛ لأنه استقر بالدخول لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لها المهر بما استحل من فرجها» [(208)].

وقال شيخ الإسلام: إذا أفسدته بعد الدخول فإنه لا مهر لها، لا لأنه لم يستقر، ولكن من أجل الضمان؛ لأنها لما فوَّتت نفسها على زوجها ضمنته بالمهر، وهذا القول لا شك أنه قوي، فيقول الزوج ـ مثلاً ـ: أنت أفسدت النكاح، وقيمتك هو المهر، فأعطيني القيمة.

قوله: «وَإنْ أَفْسَدَهُ غَيْرُهَا فَلَهَا على الزَّوْجِ نصْفُ المُسَمَّى قَبْله وجميعُهُ بَعْدَه وَيَرْجعُ الزَّوْجُ بِهِ عَلَى المُفْسِدِ» إن أفسد النكاح غير الزوجة، فإن كان قبل الدخول فللزوجة النصف، وإن كان بعد الدخول فللزوجة الجميع، ولكن الزوج يرجع بما غَرِمه للزوجة على من أفسده.

مثال ذلك: امرأة أرضعت زوجة أخيها، بأن تزوج طفلة صغيرة، فجاءت أخته فأرضعتها فالذي أفسد النكاح الأخت، فللزوجة نصف المهر؛ ويرجع به على الأخت؛ لأنها هي التي أفسدته وكان قبل الدخول، وإما إذا كان ذلك بعد الدخول فللزوجة المهر كاملاً ويرجع به على أخته؛ لأنها هي التي أفسدته.

فالمذهب يفرقون بعد الدخول بين ما إذا كان المفسد الزوجة أو المفسد غيرها، والفرق أنه إذا كان المفسد الزوجة فلها المهر كاملاً، تعطى إياه، ولا يرجع الزوج على أحد، وهذه المسألة قال صاحب المغني: إنه لا نزاع فيها بين الأصحاب.

وأنه إذا كان المفسد غيرها فإن مهرها سيبقى لها، والزوج يرجع على الذي أفسده، وسبق اختيار شيخ الإسلام أن المرأة إذا أفسدت نكاح نفسها بعد الدخول فإنه لا مهر لها، وقال: لأنكم قلتم فيما إذا أفسده غيرها: يرجع على المفسد، فإذا أفسدته هي يرجع عليها هي ولا فرق، فنقول: الفرق أن المهر ثبت لها بما استحل من فرجها، ولا نخالف الحديث، وكلام شيخ الإسلام أقرب إلى القياس من المذهب، وإذا تأملت وجدت أن الظلم حاصل للزوج، سواء من فعلها، أو من فعل أي إنسان آخر.

قوله: «وَمَنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ أُخْتِي لرضَاعٍ بَطَلَ النِّكَاحُ» مؤاخذة له بإقراره؛ لأنه أقر على نفسه بأنها أخته، وأخته لا يجوز أن يتزوجها، فيفرق بينهما، لكن لو قال ذلك مزحاً، فهل يؤاخذ أو لا يؤاخذ؟ نقول: إن علمنا بالقرائن أنه يمزح لم يؤاخذ؛ لأنه لا يمكن أن نبطل نكاحاً قائماً إلا بدليل بيِّن، وإن لم نعلم فإنه يؤاخذ بإقراره؛ لأن الأصل في الإقرار أنه صحيح.



فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ وَصَدَّقَتْهُ فَلاَ مَهْرَ، وَإِنْ كَذَّبَتْهُ فَلَهَا نِصْفُهُ، وَيَجِبُ كُلُّهُ بَعْدَهُ، وَإِنْ قَالَتْ هِيَ ذلِكَ وَأَكْذَبَهَا فَهِيَ زَوْجَتُهُ حُكْماً، وَإِذَا شُكَّ فِي الرَّضَاعِ أَوْ كَمَالِهِ أَوْ شَكَّتِ الْمُرْضِعَةُ وَلاَ بَيِّنَةَ فَلاَ تَحْرِيمَ.

قوله: «فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ وَصَدَّقَتْهُ فَلاَ مَهْرَ» إن كان قوله لها: إنها أخته من الرضاع قبل أن يدخل عليها، وصدقته فلا مهر؛ لأنه اتفق الطرفان على أن النكاح باطل، والنكاح الباطل لا أثر له.

قوله: «وَإِنْ كَذَّبَتْهُ فَلَهَا نِصْفُهُ» يعني قالت: إنه كاذب فلها نصف المهر، كرجل بعد أن عقد على امرأة قال: إنها أختي من الرضاع، فبالنسبة له النكاح باطل، وبالنسبة لها إن صَدَّقَتْ فالنكاح باطل، وإن كَذَّبَتْ فلها نصف المهر؛ لأن الفرقة جاءت من قبل الزوج، وكل فُرقة جاءت من قبل الزوج قبل الدخول فإن عليه نصف المهر.

قوله: «ويجب كُلُّهُ بَعْدَهُ» يعني لو قال بعد الدخول: أنت أختي للرضاع، وجب المهر كاملاً؛ لأنه استقر بالدخول، وهذا سواء صدقته أو لم تصدقه، لكن يبقى النكاح، هل يبطل أو لا يبطل؟ إن صَدَّقَتْهُ بطل بلا شك؛ لأن الطرفين اتفقا على أنه نكاح باطل، وإن كَذَّبَتْهُ بطل النكاح في حقه، ولم يبطل في حقها، وحينئذٍ يلزم الزوج بأن يطلق، فإذا قال: كيف أطلق وأنا أعتقد أنها ليست بزوجة؟ نقول: لكن هي تعتقد أنها زوجة، وبناء على اعتقادها لا يحل لها أن تتزوج أحداً؛ لأنها تعتقد أنها مع زوجها، فلا يمكن أن تنفك منك إلا بطلاق، وحينئذٍ يجبر على أن يطلق، فإن أبى أن يطلق طلق عليه القاضي؛ لئلا تبقى المرأة محبوسة.

قوله: «وَإِنْ قَالَتْ هِيَ ذلِكَ وَأَكْذَبَهَا فَهِيَ زَوْجَتُهُ حُكْماً» أي: أن المرأة قالت: إنها أخت زوجها من الرضاع، فهل ينفسخ النكاح أو لا؟ إن صدق الزوج تبين بطلانه، وليس لها مهر، سواء قبل الدخول أو بعده؛ لأنها أقرت بأن النكاح باطل، إلا إذا كان لم يتبين لها إلا بعد الدخول فلها المهر كاملاً؛ لأن الوطء حينئذٍ كان بشبهة فتستحق المهر؛ وإن كَذَّبَ فهي زوجته حكماً، أي: ظاهراً، لكن كيف تكون زوجته وهي تعتقد أنها حرام عليه؟ نقول: لكن هو لا يعتقد ذلك، وفي مثل هذه الحال يجب عليها أن تفتدي من زوجها بكل ما تستطيع، فتعطيه دراهم ليطلقها؛ لأنه لا يحل لها أن تمكنه من نفسها، وهي تعتقد أنه ليس بزوج، وماذا يصنع الزوج؟ فنقول: هي حينئذٍ في حكم الناشز، ليس لها نفقة ولا قسم إن كان معه زوجة، وفي هذه الحال يتدخل القضاء، فيلزم الزوج بأن يطلق، ولكن يعطى مهره، كما فعل النبي صلّى الله عليه وسلّم مع امرأة ثابت بن قيس رضي الله عنه التي قالت: أنا لا أطيقه، فقال: أتردين عليه حديقته؟ قالت: نعم، قال: «اقبل الحديقة وطلقها»[(209)].

وقوله: «فهي زوجته حكماً» أي: لا حقيقة؛ لأنها تعتقد أنها أخته من الرضاع، لكن القاضي يحكم بأنها زوجته؛ لأن الأصل بقاء النكاح، ودعوى الرضاع دعوى إبطال النكاح، والأصل الصحة حتى يقوم الدليل على الفساد، هذا من جهة.

ومن جهة أخرى أننا لو قبلنا قولها لأسقطنا حق زوجها، ولا يمكن لأحد أن يقبل قوله في إسقاط حق غيره إلا ببينة.

والجهة الثالثة: أننا لو قبلنا قول كل امرأة قالت لزوجها: أنت أخي للرضاع لحصل شر كثير، فكل امرأة لا تريد زوجها تقول: هو أخي من الرضاع.

أما في الباطن فإن كانت أخته من الرضاع فالنكاح باطل، وإن لم تكن أخته فهو صحيح ظاهراً وباطناً.

أما بالنسبة للزوج فإن كان الرجل يعرف أن هذه الزوجة صالحة، وأمينة، وأنها تحبه، لكن تبين لها أنها أخته من الرضاع فالواجب عليه أن يصدقها، وإذا كان لا يدري عنها، أو يشك، أو يغلب على ظنه أنها كاذبة فإنه لا يلزمه أن يصدقها.

قوله: «وَإِذَا شُكَّ في الرَّضَاعِ أَوْ كَمَالِهِ أَوْ شَكَّتِ المُرْضِعَةُ وَلاَ بَيِّنَةَ فَلاَ تَحْرِيمَ» هذه مسائل مهمة جداً، إذا شُك في الرضاع، يعني أن أهل الطفل شَكُّوا هل رضع من هذه المرأة أم لا؟ فلا تحريم؛ لأن الأصل عدم الرضاع، وإذا شُك في كماله، بأن قالوا: نعم الطفل رضع من هذه المرأة عدة مرات، لكن لا ندري أرضع خمساً أم دون ذلك؟ فلا تحريم؛ لأن الأصل الحل، وهنا لم نتيقن إلا ما دون الخمس، وهذا من أكثر ما يقع، فدائماً الذين يسألون عن هذا الرضاع، نقول: كم رضع؟ فيقولون: ما ندري، فالجواب: لا تحريم، والولد ليس ولداً لها حتى نتيقن أنه رضع خمس مرات.

وقوله: «أو شكت المرضعة» يعني شكت في الرضاع، أو في كماله، والشك هنا ليس من أهل الطفل بل من المرضعة، قالت: أنا ما أدري هل أرضعته أو لا؟ هذه صورة، والصورة الثانية: قالت: نعم أنا أرضعته، لكن لا أدري أرضعته خمساً أم أقل؟ في كلتا الصورتين لا تحريم، يعني لا يكون الولد ولداً لها.

وقوله: «ولا بينة» فإن وجدت بينة فالحكم لها، يعني مثلاً شككنا هل رضع هذا الطفل أم لا؟ فجاءنا شاهد فقال: أشهد أن هذا الطفل رضع من هذه المرأة خمس مرات، فيثبت التحريم؛ لأنه وجدت البينة، أو شككنا هل رضع خمساً أو أقل؟ فقال: أشهد أنه رضع خمساً، فيثبت التحريم.

ولكن ما هي البينة هنا؟ المشهور عند الحنابلة ـ رحمهم الله ـ أن البينة امرأة ثقة، سواء شهدت على فعلها أو على فعل غيرها، فإذا وجدت امرأة موثوقة في دينها، وفي حفظها ثبت التحريم، ودليل ذلك: أن رجلاً استفتى النبي صلّى الله عليه وسلّم في زوجته حينما قالت امرأة: إنها أرضعتهما ـ أي: الزوج والزوجة ـ فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «كيف وقد قيل» [(210)]؟! بمعنى كيف تبقيها وقد قيل: إنها رضعت معك، وهذا دليل على أن البينة امرأة واحدة ثقة، وأيضاً استدلوا بأن هذا مما لا يطلع عليه إلا النساء غالباً فيكتفى فيه بشهادة امرأة واحدة، فإن شهد رجل فمن باب أولى؛ لأن الرجل أثبت شهادة من المرأة، فإذا كانت السنة النبوية أثبتت الرضاع بشهادة امرأة واحدة، فإثباته بشهادة رجل واحد من باب أولى.

وقال بعض أهل العلم: يفرق بين أن تكون المرأة شاهدة على فعلها، أو على فعل غيرها، فإن كانت شاهدة على فعلها، قبلت؛ لأنها أمينة على ذلك، ولأن هذا قد يجر إليها ضرراً، فإذا شهدت به على نفسها تقبل، وهذا الذي ورد به الحديث، وإن كانت شاهدة على فعل غيرها لم تقبل، بل لا بد من أربع نساء أو رجل وامرأتين، وجعلوها كالأموال.



منتدى نهر الاسلامي

 

 

من مواضيع دلع عيني دلع في المنتدى

دلع عيني دلع غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
أحكام الرضاع عند الزواج, احكام الرضاعه وقوانينها

جديد قسم منتدى نهر الاسلامي

إعلانات عشوائية



أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are معطلة
Pingbacks are معطلة
Refbacks are معطلة



الساعة الآن 07:11 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.8
Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO 3.6.1
:: جميع الحقوق محفوظة لمنتديات نهر الحب ::

Security team

 

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92 93 94 95 96 97 98 99 100 101 102 103 104 105 106 107 108 109 110 111 112 113 114 115 116 117 118 119 120 121 122 123 124 125 126 127 128 129 130 131 132 133 134 135 136 137 138 139 140 141 142 143 144 145 146 147 148 149 150 151 152 153 154 155 156 157 158 159 160 161 162 163 164 165 166 167 168 169 170 171 172 173 174 175 176 177 178 179 180 181 182 183 184 185 186 187 188 189 190 191 192 193 194 195 196 197 198 199 200 201 202 203 204 205 206 207 208 209 210 211 212 213 214 215 216 217 218 219 220 221 222 223 224 225 226 227 228 229 230 231 232 233 234 235 236 237 238 239 240 241 242 243 244 245 246 247 248 249 250 251 252 253 254 255 256 257 258 259 260 261 262 263 264 265 266 267 268 269 270 271 272 273 274 275 276 277 278 279 280 281 282 283 284 285 286 287 288 289 290 291 292 293 294 295 296 297 298 299 300 301 302 303 304 305 306 307 308 309 310 311 312 313 314 315 316 317 318 319 320 321 322 323 324 325 326 327 328 329 330 331 332 333 334 335 336 337 338 339 340 341 342 343 344 345 346 347 348 349 350 351 352 353 354 355 356 357 358 359 360 361 362 363 364 365 366 367 368 369 370 371 372 373 374 375 376 377 378 379 380 381 382 383 384 385 386 387 388 389 390 391 392 393 394 395 396 397 398 399 400 401 402 403 404 405 406 407 408 409 410 411 412 413 414 415 416 417 418 419 420 421 422 423 424 425 426 427 428 429 430 431 432 433 434 435 436 437 438 439 440 441 442 443 444 445 446 447 448 449 450 451 452 453 454 455 456 457 458 459 460 461 462 463 464 465 466 467 468 469 470 471 472 473 474 475 476 477 478 479 480 481 482 483 484 485 486 487 488 489 490 491 492 493 494 495 496 497 498 499 500 501 502 503 504 505 506 507 508 509 510 511 512 513 514 515 516 517 518 519 520 521 522 523 524 525 526 527 528 529 530 531 532 533 534 535 536 537 538 539 540 541 542 543 544 545 546 547 548 549 550 551 552 553 554 555 556 557 558 559 560 561 562 563 564 565 566 567 568 569 570 571 572 573 574 575 576 577 578 579 580 581 582 583 584 585 586 587 588 589 590 591 592 593 594 595 596 597 598 599 600 601 602 603 604 605 606 607 608 609 610 611 612 613 614 615 616 617 618 619 620 621 622 623 624 625 626 627 628 629 630 631 632 633 634 635 636 637 638 639 640 641 642 643 644 645 646 647 648 649 650 651 652 653 654 655 656 657 658 659 660 661 662 663 664 665 666 667 668 669 670 671 672 673 674 675 676 677 678 679 680 681 682 683 684 685 686 687 688 689 690 691 692 693 694 695 696 697 698 699 700 701 702 703 704 705 706 707 708 709 710 711 712 713 714 715 716 717 718 719 720 721 722 723 724 725 726 727 728 729 730 731 732 733 734 735 736 737 738 739 740 741 742 743 744 745 746 747 748 749 750 751 752 753 754 755 756 757 758 759 760 761 762 763 764 765 766 767 768 769 770 771 772 773 774 775 776 777 778 779 780 781 782 783 784 785 786 787 788 789 790 791 792 793 794 795 796 797 798 799 800 801 802 803 804 805 806 807 808 809 810 811 812 813 814 815 816 817 818 819 820 821 822 823 824 825 826 827 828 829 830 831 832 833 834 835 836 837 838 839 840 841 842 843 844 845 846 847 848 849 850 851 852 853 854 855 856 857 858 859 860 861 862 863 864 865 866 867 868 869 870 871 872 873 874 875 876 877 878 879 880 881 882 883 884 885 886 887 888 889 890 891 892 893 894 895 896 897 898 899 900 901 902 903 904 905 906 907 908 909 910 911 912 913 914 915 916 917 918 919 920 921 922 923 924 925 926 927 928 929 930 931 932 933 934 935 936 937 938 939 940 941 942 943 944 945 946 947 948 949 950 951 952 953 954 955 956 957 958 959 960 961 962 963 964 965 966 967 968 969 970 971 972 973 974 975 976 977 978 979 980 981 982 983 984 985 986 987 988 989 990 991 992 993 994 995 996 997 998 999 1000 1001 1002 1003 1004 1005 1006 1007 1008 1009 1010 1011 1012 1013 1014 1015 1016 1017 1018 1019 1020 1021 1022 1023 1024 1025 1026 1027 1028 1029 1030 1031 1032 1033 1034 1035 1036 1037 1038 1039 1040 1041 1042 1043 1044 1045 1046 1047 1048 1049 1050 1051 1052 1053 1054 1055 1056 1057 1058 1059 1060 1061 1062 1063 1064 1065 1066 1067 1068 1069 1070 1071 1072 1073 1074 1075 1076 1077 1078 1079 1080 1081 1082 1083 1084 1085 1086 1087 1088 1089 1090 1091 1092 1093 1094 1095 1096 1097 1098 1099 1100 1101 1102 1103 1104 1105 1106 1107 1108 1109 1110 1111 1112 1113 1114 1115 1116 1117 1118 1119 1120 1121 1122 1123 1124 1125 1126 1127 1128 1129 1130 1131 1132 1133 1134 1135 1136 1137 1138 1139 1140 1141 1142 1143 1144 1145 1146 1147 1148 1149 1150 1151 1152 1153 1154 1155 1156 1157 1158 1159 1160 1161 1162 1163 1164 1165 1166 1167 1168 1169 1170 1171 1172 1173 1174 1175 1176 1177 1178 1179 1180 1181 1182 1183 1184 1185 1186 1187 1188 1189 1190 1191 1192 1193 1194 1195 1196 1197 1198 1199 1200 1201 1202 1203 1204 1205 1206 1207 1208 1209 1210 1211 1212 1213 1214 1215 1216 1217 1218 1219 1220 1221 1222 1223 1224 1225 1226 1227 1228 1229 1230 1231 1232 1233 1234 1235 1236 1237 1238 1239 1240 1241 1242 1243 1244 1245 1246 1247 1248 1249 1250 1251 1252 1253 1254 1255 1256 1257 1258 1259 1260 1261 1262 1263 1264 1265 1266 1267 1268 1269 1270 1271 1272 1273 1274 1275 1276 1277 1278 1279 1280 1281 1282 1283 1284 1285 1286 1287 1288 1289 1290 1291 1292 1293 1294 1295 1296 1297 1298 1299 1300 1301 1302 1303 1304 1305 1306 1307 1308 1309 1310 1311 1312 1313 1314 1315 1316 1317 1318 1319 1320 1321 1322 1323 1324 1325 1326 1327 1328 1329 1330 1331 1332 1333 1334 1335 1336 1337 1338 1339 1340 1341 1342 1343 1344 1345 1346 1347 1348 1349 1350 1351 1352 1353 1354 1355 1356 1357 1358 1359 1360 1361 1362 1363 1364 1365 1366 1367 1368 1369 1370 1371 1372 1373 1374 1375 1376 1377 1378 1379 1380 1381 1382 1383 1384 1385 1386 1387 1388 1389 1390 1391 1392 1393 1394 1395 1396 1397 1398 1399 1400 1401 1402 1403 1404 1405 1406 1407 1408 1409 1410 1411 1412 1413 1414 1415 1416 1417 1418 1419 1420 1421 1422 1423 1424 1425 1426 1427 1428 1429 1430 1431 1432 1433 1434 1435 1436 1437 1438 1439 1440 1441 1442 1443 1444 1445 1446 1447 1448 1449 1450 1451 1452 1453 1454 1455 1456 1457 1458 1459 1460 1461 1462 1463 1464 1465 1466 1467 1468 1469 1470 1471 1472 1473 1474 1475 1476 1477 1478 1479 1480 1481 1482 1483 1484 1485 1486 1487 1488 1489 1490 1491 1492 1493 1494 1495 1496 1497 1498 1499 1500 1501 1502 1503 1504 1505 1506 1507 1508 1509 1510 1511 1512 1513 1514 1515 1516 1517 1518 1519 1520 1521 1522 1523 1524 1525 1526 1527 1528 1529 1530 1531 1532 1533 1534 1535 1536 1537 1538 1539 1540 1541 1542 1543 1544 1545 1546 1547 1548 1549 1550 1551 1552 1553 1554 1555 1556 1557 1558 1559 1560 1561 1562 1563 1564 1565 1566 1567 1568 1569 1570 1571 1572 1573 1574 1575 1576 1577 1578 1579 1580 1581 1582 1583 1584 1585 1586 1587 1588 1589 1590 1591 1592