كن من متابعين نهر الحب عبر تويتر

اضغط اعجبني ليصلك جديدنا بالفيسبوك
قديم 06-08-2013, 06:03 AM   #1

عضوة مميزة

 
الصورة الرمزية ارتعاشة ناي
 
تاريخ التسجيل: Jan 2008
المشاركات: 1,710
ارتعاشة ناي is on a distinguished road
افتراضي ولطالما.. روّى الهوى شفتيَّ من شفتيها..!

ولطالما.. روّى الهوى شفتيَّ من شفتيها..!
أحمد بن راشد
صيد الفوائد
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
حدَّث سهم بن كنانة قال :
ثارت عليَّ أشجاني، وعناني منها ما عناني، فقررت الخروج من الديارْ، وزيارة الرسوم والآثارْ، فلما أشرفتُ على طللْ، تولى عني المللْ، وطفقتُ أتفكرُ في مصائر الأممْ، وكيف جرى بهلاكها القلمْ، كم من مصرٍّ على ذنبه، مات ولم يتبْ إلى ربه، وكم من دولةٍ انهارتْ، وامبراطورية توراتْ، وكم من شديدٍ كَلْ، ومن عزيزٍ ذلْ، ومن مستبدٍّ هوى، ومن عاشقٍ برّح به النوى، وكم من ناظمٍ قصائدَ الغزلْ، في بدرٍ غاب أو نجمٍ أفلْ.
قال سهم بن كنانة: وبينا أنا سارحٌ بأفكاري، مستشرفاً ما سيرى الناس من آثاري، إذ أقبل عليَّ رجلٌ مهيبُ الخلقة، ذو ملامحَ طلْقة، كأنه شيخٌ في حلْقة، فوقف إلى جانبي وأخذ يحدّق ببصره، فدفعني الفضول إلى استقصاء خبره، وقد هالني ما هو عليه من حسن السمْتْ، وطول الصمتْ، لا ترى فيه من عوجٍ ولا أمْتْ. ولم يطل انتظاري، إذ أخرج من جيبه لفافة تبغ، فدهسها بقدميه وهو يقول: ذلك ما كنا نبغ! فسألته عن القصة، فقال: بل هي الغصة، ولكنها مليئة بالعبرْ، والعقبى والله لمن صبرْ. قلت: قد أسلمتك قيادي، وأصغى إليك فؤادي، والسعيد من تدارك الغفلة، واتعظ بمن قبله.
قال سهم بن كنانة: وتنهد الرجل تنهد الثكلى، وقال: هذه الدنيا من دون التدخين أحلى، لو تعلم كيف امتُحنتُ به في شبابي، فأتلف مالي وثيابي، بل مزق عقلي وإهابي، حتى عافني أهلي وأصحابي .قلت: كيف أفسدتْ بالك، سيجارةٌ لا أبا لك؟ قال: ابتُليتُ بقومٍ ذوي جهلْ، قاطعين للرحم والأهلْ، لا يعرفون للدين حدودا، ولا للمودة عهودا، يقضون اليوم في اللهو، ويحيون الليل باللغو، ويتعاطون أثناء ذلك مئات «السجائرْ»، ويقدمونها لكل زائرْ، حتى إذا بقيَ ثُلُثُ الليل الآخرْ، وورمت الشفاهُ والمناخر، نادوا بـ «الشيَشِ» والمباخرْ، وهم بين ضاحكٍ وساخرْ، وأمسوا يعبّون دخانَها، وينفثون أنتانَها، ولو أنك اطلعتَ عليهم في ذلك المكانْ، الذي أثَّرتْ فيه سُحُبُ الدخانْ، وشممتَ تلك الرائحة، وأبصرت تلك الوجوهَ الكالحة، لرأيتَ منظراً تَحاُر فيه العينْ، ويطربُ له غرابُ البينْ .قلت: كيف استوحلتَ في هذا الوحلْ، واستعضتَ عن الشهدِ بإبَرِ النحلْ؟
قال: الرفقة يابن أخي..الرفقة. لقد كنت أعجب من أهل السجائرْ، وأراهم عُميَ البصائرْ، حتى أغراني قوم بالسيجارة الأولى، فأصبحت بحبِّ الدخانِ مشغولا، وكنتُ كلما جادلتُهم في أمرِه، ساعياً إلى كشفِ سترِه، صاحوا بي: إنه سمْتُ العباقرة، ودأبُ الأباطرة، وبريدُ الإنجازْ، ودليلُ الإعجازْ، وكلما حدثتُهم عن أسقامِه، مؤكداً أسباب اتهامِه، هتفوا بي: بل هو سُّر الرشاقة، وسحرُ الأناقة، وإكسيرُ الرجولة، ووَقودُ الفحولة، وهكذا غدت السيجارة خير جليسْ، والفضل في ذلك لجنود إبليسْ.
قال سهم بن كنانة: وشعرت أن الرجلَ صالحُ النشأة، لكنه انغمس في تلك الحمأة، ورُبَّ صالحٍ زلَّتْ به القدمْ، ومذنبٍ بادر إلى التوبةِ والندمْ، فقلت له: ألم تحاول إنقاذ نفسِك، والتحرر من قيودِ حبسِك؟ قال: لو فعلتُ لأصبحتُ بين أصدقائي كالغريبْ، ونظروا إليَّ نظر المستريبْ، وربما سمَّوني «المطوّعَ» و»الأديبْ»، فعاد أمري إلى الذلة، وطواني كهفُ العزلة، لقد نالني من أذى القومْ، فصرت أدخن أربعين سيجارة في اليومْ، تنقص ولا تزيدْ، وتشتعلُ حتى تبيدْ، وكنت كلما نابني خطبْ، أو مسَّني كربْ، فزعتُ إلى السيجارة، ولثمتها بحرارة، ثم عصرت في صدري تبغها «العريقْ»، وأنا أنتفض انتفاض الغريقْ، فإذا فرغت من التمتع برحيقها، والتلذذ بحريقها، اطفأتها أو دهستها، ولسان حالي يردد قول ديك الجن :
روّيتُ من دمِها الثرى ولطالما.. روّى الهوى شفتيَّ من شفتيها!
تباً لي! كيف استمرأت ذلك العبثْ، واستسغت ذلك الخَبَثْ، لقد كنت أعجب من عبادة الأصنامْ، والانقياد للخزعبلاتِ والأوهامْ، حتى رأيت صاحبَ الدخانْ، يقدسُ لفافة أنتانْ، يالله وللنهى، وسبحان من له المنتهى، كيف يُهلك المرء نفسَه، ويحفر بيديه رَمْسَه، كيف يتهافت على البوارْ، تهافتَ الفراشِ على النارْ، كيف يدمي رئتيه، ويشوي شفتيه، ويلوث أسنانه، وينفّر أقرانه، فيصبح كنافخ الكيرْ، لا حامل المسك والعبيرْ؟ أما نظرت إلى إهابه، ومراتب سيارته وثيابه، أتت عليها الخروقْ، وانتشرت فيها الحروقْ، أما نظرت إلى حيائه كيف قلْ، ووقاره كيف اختلْ، وهو يرمي أعقاب السجائر أينما حلْ؟ لقد استبدت بي الغفلة، فكنت كمن فقد عقله، أنفق في التدخين حُرَّ مالي، وأمثل أسوأ قدوةٍ لعيالي، ووصل بي الإدمان إلى انتفاض يدَيْ، واصطكاك ساقَيْ، وضمور وجنتَيْ، وكان بعض الفضلاء يفرُّ مني، أو تؤذيه رائحتي فيصد عني، وشعرتُ أني في ضياعْ، وصرت كالبضاعة التي لا تباعْ، بل تحولت إلى حرف امتناعْ، وضعفت قدرتي على الجماعْ، وكدت أختفي من نحولْ، ولم يبق مني إلا طلولْ .
قال سهم بن كنانة: فلما بلغ صاحبي هذا الحد، لم أتمالك نفسي فهتفت: آمنت إيماناً لا تخامره الظنون، وأيقنت كما أيقن العارفون، أن من يشرح للدخان صدرَه، فقد سلم للشيطان أمرَه، بل هو فسلٌ لا يساوي بعرة، ثم تنبهت إلى سوء عبارتي فاستدركت قائلاً: رحم الله والديكْ، لا يصدق هذا الوصف عليكْ .صاح الرجل :لله أبوكْ، بل الصوابُ ما نطق به فوكْ، لكن الله سلمني من هذه الورطة، التي لا تنقذ منها دولة ولا شرطة، وعدت إلى الحياة بعد احتمال الهلكة، كما عادت إلى ماء البحر السمكة. قلت: كيف؟ قال: حاولت ترك الدخان فما استطعتْ، واجتهدت في تقليل تعاطيه فأخفقتْ، فنمت ليلة فرأيت شيخاً سيء الريحْ، ذا منظرٍ قبيحْ، لحيتُه كثة، وملابسُه رثة، لا يبدو عليه الوقارْ، وله أنيابٌ وأظفارْ، فكأنه من أهل النارْ، وإذا به يباغتني كالإعصارْ، ويمطرني بوابل من أحجارْ، فحاولت الفرارْ، لكنه تبعني بإصرارْ، ورشق أولادي الصغارْ، وبدا لي أنه غولٌ يريد قتلي، والتهامَ أبنائي وأهلي، وكنت ضعيفاً أمام بأسه، كعصفور يترنح في حبسه، واستيقظت من النوم فزعاً وأنا أغمغم :هو التدخين لا غيرْ، ومتى ظفر المدخنُ بخيرْ؟


قلت: وماذا بعد؟ قال: عدت إلى النوم، فرأيت أني في يوم عيدْ، والاحتفالات تملأ الحضر والبيدْ، وكنت لابساً ثوباً جديدا، ومعتمراً شماغاً فريدا، ولما حمدت الله على اللباسْ، وهممت بالخروج إلى الناسْ، شعرت أن في جيبي ورقة، كأنها لصِغَرِها علقة، ففتحتها فإذا مسطورٌ فيها هذه الأبيات :
هيَ يا صاحبي ضياعُ الأمانِ --- واستعارُ الجوى وموتُ الأماني
واصفرارُ الذبول يغشى المحيّا --- واختلاطُ الأشباهِ والألوانِ
تقتلُ الطيبَ: طيبَ علمٍ وفضلٍ --- ثم طيبَ الشذى ورَوْحَ الجِنانِ
هيَ يا صاحبي المصائبُ تترى --- من بلاءٍ ولوعةٍ وافتتانِ
ثم تبقى مكبلاً وحسيراً --- وأسيراً لحزمة من دخان
لا تجيدُ الحديثَ إلا سعالاً --- يتهادى على رفاتِ البيان
يا صديقي فلتسمعِ اليوم نصحي --- أو ستردى في هوّةِ الإدمان
ارمِها تائباً وأطفِ لظاها --- وأبدْها لفائفَ الشيطان
استعنْ بالدعاءِ ما ضلَّ ساعٍ --- مخبتٌ في عبادةِ الرحمن
أنت بالله أمةٌ من عطاءٍ --- أنت بالله واحةٌ من أمان
انتفضْ يا أخي بعزمة حرٍّ --- هيَ أو أنت في غمارِ الطعان
قلت: وماذا حدث بعد ذلك؟ قال: تركت هذا البلاء، بلا تدرج ولا دواء، واشتغلت بالصلاة والذكر، ورياضة البدن والفكر، وصاحبت ثلة من ذوي الألباب، والكرم اللباب، والدعاء المستجاب، فنالني منهم عبير الورد، وأريج الند، واكتشفت كذب «العراقة»، وزيف الدعاوى البراقة، وعادت إليّ «الطاقة»، وعوفيت من الحماقة، وكنت «مُعسِرَ بن مسحوقْ»، فأصبحت «مُوسِرَ بن مرزوقْ»، وعزمت على مناصحة المبتلى بهذه السموم، فإن ارعوى وإلا هجرته هجر المجذوم.
قال سهم بن كنانة: هلا أخبرتني من تكونْ، فإنني بك اليوم مفتونْ، قال: أنسيت من صحبك صغيرا، وحفظ ودك كبيرا؟ قلت: العزاز أبو نصرْ؟ فصاح: نعم والذي فلق العصر، فاستلمت عمامته، وطفقت أقبل هامته، ثم شكرت فضل ربي، وأنا أردد قول المتنبي:
على قدرِ أهلِ العزمِ تأتي العزائمُ .. وتأتي على قدرِ الكرامِ المكارمُ..
وتعظُمُ في عينِ الصغيرِ صغارُها .. وتصغُرُ في عينِ العظيمِ العظائمُ.

 

 

من مواضيع ارتعاشة ناي في المنتدى

__________________



التعديل الأخير تم بواسطة ارتعاشة ناي ; 06-08-2013 الساعة 06:06 AM
ارتعاشة ناي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس

قديم 06-08-2013, 12:48 PM   #2
آخشآكـ يآ قدريـ
 
الصورة الرمزية mesoo
 
تاريخ التسجيل: Aug 2010
الدولة: فلسطين
المشاركات: 6,559
mesoo is on a distinguished road
افتراضي

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
جزاك الله خيرا
موضوع قيم جميل جدا..بارك الله جهودك
وسددبالخيروالعطاءدربك
احسنت الاختيار..سلمت يمينك
تحياتي واحترامي

 

 

من مواضيع mesoo في المنتدى

mesoo غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس

إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

جديد قسم منتدى نهر الاسلامي

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are معطلة
Pingbacks are معطلة
Refbacks are معطلة



الساعة الآن 11:42 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.8
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO 3.6.1
:: جميع الحقوق محفوظة لمنتديات نهر الحب ::

Security team

 

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92 93 94 95 96 97 98 99 100 101 102 103 104 105 106 107 108 109 110 111 112 113 114 115 116 117 118 119 120 121 122 123 124 125 126 127 128 129 130 131 132 133 134 135 136 137 138 139 140 141 142 143 144 145 146 147 148 149 150 151 152 153 154 155 156 157 158 159 160 161 162 163 164 165 166 167 168 169 170 171 172 173 174 175 176 177 178 179 180 181 182 183 184 185 186 187 188 189 190 191 192 193 194 195 196 197 198 199 200 201 202 203 204 205 206 207 208 209 210 211 212 213 214 215 216 217 218 219 220 221 222 223 224 225 226 227 228 229 230 231 232 233 234 235 236 237 238 239 240 241 242 243 244 245 246 247 248 249 250 251 252 253 254 255 256 257 258 259 260 261 262 263 264 265 266 267 268 269 270 271 272 273 274 275 276 277 278 279 280 281 282 283 284 285 286 287 288 289