كن من متابعين نهر الحب عبر تويتر

اضغط اعجبني ليصلك جديدنا بالفيسبوك
قديم 09-03-2012, 10:13 PM   #1
 
الصورة الرمزية لمستك بحنية
 
تاريخ التسجيل: Jul 2012
الدولة: القاهرة
المشاركات: 2,321
لمستك بحنية is on a distinguished road
uu15 تفسير اول اية من سورة النساء

بسم الله الرحمن الرحيم

تفسير اول اية من سورة النساء

قال الله تعالى: { {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا *}} [النساء: 1] .
هذه السورة هي سورة النساء، وهي مدنية، والمدني عند الجمهور: ما نزل بعد الهجرة، والمكي: ما نزل قبل الهجرة، فالمدني ما نزل بعد الهجرة ولو في غير المدينة، والمكي ما نزل قبل الهجرة ولو في غير مكة، وعلى هذا فالمدار في تعيين المكي والمدني على الزمان لا على المكان، وقد ذكر العلماء ـ رحمهم الله ـ ضوابط ومميزات للمكي والمدني، وهي معروفة في علم أصول التفسير.
ومن ذلك: أن الغالب في الآيات المكية القصر، وقوة الأسلوب، وموضوعها في الغالب التوحيد وما يتعلق به. وأما الآيات المدنية فالغالب عليها السهولة، وطول الآيات، وموضوعها في الأمور الفرعية؛ كالبيوع، وآداب المجالس، وآداب الاستئذان، وغير ذلك.
والغالب أن النداء في المكي يكون لعموم الناس: { {يَاأَيُّهَا النَّاسُ} }؛ لأن أكثر المخاطبين بها ليسوا بمؤمنين، والمدني يكون الخطاب فيه بـ{{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا}} [البقرة: 104] هذا هو الغالب؛ لأن المخاطبين فيها مؤمنون كلهم أو أكثرهم.
وقد سميت هذه السورة بـ(سورة النساء) لذكر النساء فيها، وقد ابتدئت بأصل خلقة بني آدم، من ماذا خلقوا؟ ثم ذكرت الأرحام وما يتصل بها من المواريث وغير ذلك، ثم ذكرت ما يتعلق بالنكاح؛ لأن النكاح صلة بين الناس، كما أن القرابة صلة بين الناس، كما قال تعالى: { {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ المَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا *}} [الفرقان: 54] ، ثم ما يتعلق بمخاطبة اليهود والمنافقين، ثم ما يتعلق بأحوال النزاع بين الزوجين، كما سيمر بنا إن شاء الله تعالى.
وهذه السورة هي السورة الرابعة بعد الفاتحة والبقرة، وآل عمران، وقد ورد في صحيح مسلم من حديث حذيفة رضي الله عنه: «أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قرأ البقرة ثم النساء ثم آل عمران»[(1)]، وهذا الترتيب كان في أول الأمر، ثم رتبت في الأخير هكذا: البقرة، ثم آل عمران، ثم النساء، واستقر على ذلك المصحف الذي جمعه أبو بكر رضي الله عنه ثم عثمان بن عفان رضي الله عنه.
يقول الله عزّ وجل: «بسم الله» ، البسملة آية مستقلة، يؤتى بها في أوائل السور، إلا سورة واحدة وهي سورة براءة، فإنه لم تنزل لها بسملة، ولو نزل لها بسملة لكانت محفوظة موضوعة في مكانها؛ لأن الله تعالى يقول: { {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ *}} [الحجر: 9] ، ولكن الصحابة رضي الله عنهم أشكل عليهم هل هي مستقلة أو من سورة الأنفال؟ فوضعوا فاصلاً بينهما لأجل هذا الإشكال فقط، وليس هناك شك في نزول البسملة أولاً؛ لأن البسملة لو نزلت لحفظت كما تحفظ آيات القرآن الأخرى.
والصحيح أن البسملة ليست من السورة التي قبلها ولا من السورة التي بعدها، ولا تحسب من آياتها؛ لا في الفاتحة، ولا في غيرها، خلافاً لبعض أهل العلم الذين قالوا: إنها آية من الفاتحة لا من غيرها، وعلى هذا جرت طباعة المصاحف، فقد جعلت البسملة في الطباعة آية من الفاتحة دون غيرها.
والصحيح أن البسملة ليست آية من الفاتحة ولا من غيرها من السور، ودليل ذلك: ما ثبت في الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فإذا قال: { {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ *}} قال الله: حمدني عبدي...»[(2)] إلخ الحديث، ولم يذكر البسملة.
ويدل لذلك أيضاً: أنه إذا كانت الفاتحة بين الله وبين العبد نصفين، فإنه لا يستقيم أن تكون البسملة منها؛ لأننا إذا عددنا الآيات وجدناها كما يلي: { {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ *}} [الفاتحة] آية { {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}} [الفاتحة] آية { {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ *}} [الفاتحة] آية، فهذه ثلاث آيات.. { {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ *}} [الفاتحة] آية، وهذه هي الرابعة، وهي الوسط، وهي التي بين الله وبين العبد، { {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ *}} [الفاتحة] آية { {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ}} { {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ}} [الفاتحة] آية، فتكون الآيات متناسقة، ويكون حق الخالق عزّ وجل ثلاث آيات مستقلة، وهي الأولى، وحق العبد ثلاث آيات مستقلة، وهي الآيات الأخيرة، والسابعة بينهما، وبهذا يعرف أن البسملة ليست من الفاتحة.
وأما الجار والمجرور فإنه متعلق بمحذوف، وهذا المحذوف فعل مؤخر يقدر بحسب المسمى عليه، فإذا كنت تريد أن تقرأ فالتقدير: باسم الله أقرأ، وإذا كنت تريد أن تذبح فالتقدير: باسم الله أذبح، وإذا كنت تريد أن تتوضأ فالتقدير: باسم الله أتوضأ، وهلم جرا.
وإنما اختير أن يكون الفعل متأخراً تيمناً بالبداءة باسم الله من وجه، ولإفادة الحصر من وجه آخر؛ لأن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر، فكأنك تقول: لا أقرأ إلا باسم الله، وإنما اختير أن يكون فعلاً لا اسماً ـ أي: لا يقدر باسم الله قراءتي، أو باسم الله ابتدائي ـ ؛ لأن الأصل في العمل الأفعال دون الأسماء، ولذلك لا يوجد اسم عامل إلا بشروط، بخلاف الأفعال. وإنما قدر مناسباً لما يسمى عليه؛ لأنه أنسب، ولأن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «ومن لم يذبح فليذبح باسم الله»[(3)]، فقدر فعلاً خاصاً وهو الذبح.
أما لفظ الجلالة فهو علم خاص بالله عزّ وجل وحده، لا يسمى به غيره بالإجماع، وكذلك { {الرَّحْمَنِ}} علم خاص بالله، لا يسمى به غيره.
وأما الرحيم فهو اسم من أسماء الله عزّ وجل، فهو علم عليه، لكن يوصف به غيره، كما قال الله تعالى في النبي صلّى الله عليه وسلّم: { {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ *}} [التوبة: 128] .
ويفسر أهل السنة { {الرَّحْمَنِ}} بأنه ذو الرحمة، وهي صفة لازمة تتعلق بذات الله عزّ وجل، ومن آثارها: الإنعام والإحسان، ويفسرها أهل التعطيل بالإحسان فيقولون: الرحمن: المحسن، أو المنعم، أو بإرادة الإحسان أو الإنعام؛ أي: المريد للإحسان، والمريد للإنعام؛ لأنهم لا يصفون الله بصفة الرحمة، وكذلك يقال في الرحيم.
فإن قال قائل: هل الرحمن والرحيم مترادفان؟
فالجواب: إن ذكر أحدهما منفرداً عن الآخر فهو متضمن له، وإن ذكرا جميعاً؛ فالرحمن باعتبار الوصف، والرحيم باعتبار الفعل؛ لأن الرحمن على وزن فَعْلان، وهو يدل على الوصف؛ كغضبان وسكران ونشوان وما أشبهها، والرحيم يدل على الفعل، فيكون الرحمن باعتبار وصف الله عزّ وجل بالرحمة، والرحيم باعتبار فعله؛ أي: باعتبار رحمته لمن رحم، قال الله تعالى: { {يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ}} [العنكبوت: 21] .
قال الله تعالى: { {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ}} هذه جملة ندائية مصدَّرة بيا، والمنادى: أي، وهو مبني على الضم في محل نصب، والهاء للتنبيه، والناس: نعت لـ«أي»، أو عطف بيان، فهي مبنية على الضم في محل نصب.
{ {يَاأَيُّهَا النَّاسُ} } وجّه الله الخطاب للناس، مع أن السورة مدنية؛ وذلك لبيان أن رسالة النبي صلّى الله عليه وسلّم عامة لجميع الناس، و{ {النَّاسُ} } قيل: إن أصلها أناس، وقد حذفت الهمزة لكثرة الاستعمال تخفيفاً، كما حذفت الهمزة من «شر» و«خير»، وأصلها: أشر وأخير، تقول: هذا خير من هذا؛ أي: أخير منه، وهذا شر من هذا؛ أي: أشر منه، لكن حذفت الهمزة تخفيفاً لكثرة الاستعمال.
وهو مشتق من الأُنس؛ لأن البشر كما يقال عنهم: مدنيون بالطبع، يحتاجون إلى أن يأنس بعضهم ببعض، ولهذا لا يوجد أحد تحبب إليه الخلوة إلا لسبب خارج عما جبل الله عليه الناس.
{ {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ} } التقوى مأخوذة من الوقاية، وهي أن يتخذ الإنسان وقاية من عذاب الله، بفعل أوامره واجتناب نواهيه، والرب في قوله: { {رَبَّكُمُ} } هو الخالق المالك المدبر، فهو متضمن لهذه المعاني الثلاثة: خالق؛ أي: موجد من العدم، ومالك؛ أي: لا يشركه أحد في ملكه، ومدبر؛ أي: للأمور على ما تقتضيه حكمته.
{ {الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ} } الذي: صفة للرب، ولكنها صفة كاشفة، ومعنى قولنا: (كاشفة)؛ أي: موضحة لهذه الربوبية أو لبعض معانيها، واحترزنا بكلمة (كاشفة) عن كونها مقيدة؛ لأننا لو جعلناها مقيدة، لكان هناك ربان: رب خلقنا من نفس واحدة، ورب لم يخلقنا من نفس واحدة، وليس الأمر كذلك، بل الذي خلقنا من نفس واحدة رب واحد، فتكون الصفة هنا صفة كاشفة.
وقوله: { {خَلَقَكُمْ} } أي: أوجدكم { {مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا} } هذه النفس هل يراد بها نفس بعينها، أو المراد بالنفس الجنس؟
الظاهر الأول، وهو أن المراد بالنفس نفس بعينها، وهو آدم عليه الصلاة والسلام الذي هو أبو البشر، فقد خلقه الله تعالى من طين بيده الكريمة، وعلمه أسماء كل شيء يحتاج إليه؛ لأنه خلق من غير أن يكون هناك أحد يتعلم منه اللغة، فعلمه الله تعالى اللغات التي يحتاج إليها، فيكون معنى قوله تعالى: { {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا}} [البقرة: 31] أي: مما يحتاج إليه.
وقوله: { {وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا} } أي: خلق من هذه النفس زوجها، وقد جاء في الآثار أنها خلقت من ضلَعه الأيمن ـ والله أعلم ـ لكن ثبت في السنة أن المرأة خلقت من ضلَع.
وقوله: { {وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا} } ولم يقل: زوجته؛ لأن اللغة الفصحى أن الزوج يطلق على الرجل والمرأة، وأصله ضد الوتر؛ لأن الزوجة إذا انضمت إلى زوجها صارت شافعة له بعد أن كان منفرداً، ولهذا يقال: الزوجة شريكة زوجها في الحياة؛ لأن بعضهما انضم إلى بعض. والمراد بها هنا حواء.


وقوله: { {وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً} } بث بمعنى: نشر وأخرج { {مِنْهُمَا} } أي: من النفس وزوجها { {رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً} } وهذان القسمان لا يخرج عنهما بنو آدم، وما جاء في الخنثى فإن الخنثى: إما ذكر وإما أنثى، أو مركب منهما، لكنه لا يخرج عن الذكورة والأنوثة.
وقوله تعالى: { {رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً} } ولم يقل: نساءً كثيرات؛ لأن الكثرة في الرجال عز، بخلاف الكثرة في الإناث، وإن كان الواقع أن النساء من بني آدم أكثر من الرجال، كما استنبط ذلك شيخ الإسلام رحمه الله من قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إنكن أكثر أهل النار»[(4)]، «وإن أهل النار من بني آدم تسعمائة وتسعة وتسعون» فإذا كن أكثر أهل النار، وأهل النار من بني آدم تسعمائة وتسعة وتسعون؛ لزم من هذا أن يكن أكثر من الرجال، وهذا هو الواقع، لكن الكثرة في الرجال عز وفخر يفتخر الناس به، بخلاف النساء، فإن الكثرة منهن عالة وتعب وعناء.
ثم قال تعالى: { {وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ} }، كرر الأمر بتقواه عزّ وجل لما لها من الأهمية؛ لأن الإنسان إذا وفق لتقوى الله صلحت أموره الدينية والدنيوية.
وقوله: { {تَسَاءَلُونَ} } فيها قراءتان: الأولى «تَسَاءلون» كما في المصحف، والثانية: «تسَّاءلون»، وأصل «تسَّاءلون» تتساءلون، وقوله: { {تَسَاءَلُونَ بِهِ} } أي: يسأل بعضكم بعضاً به للحماية، فيقول: أسألك بالله أن تنقذني، أسألك بالله أن لا تؤذيني، وغير ذلك مما يسأل، فالله تعالى هو الذي يتساءل به الناس.
وقوله: { {وَالأَرْحَامَ} } فيها قراءتان: بالجر، وبالفتح، فإذا كانت بالفتح فهي معطوفة على قوله: «الله»، فيكون المعنى: واتقوا الأرحام فلا تضيعوها، ولا تفرطوا في حقها، والأرحام: جمع رحم، وهم القرابة، فيكون في الآية أمر بصلة الأرحام والقيام بحقهم، وأما على قراءة الجر: «والأرحامِ» فهي معطوفة على الضمير في قوله: { {بِهِ} } أي: تساءلون به وبالأرحام، والتساؤل بالأرحام مما جرت العادة به عند العرب أن يقال: أسألك بالله وبالرحم، أو يقال: أسألك بالرحم التي بيني وبينك، فهم لعصبيتهم يقدرون الرحم تقديراً بالغاً ويحترمونها، ويرون حمايتها؛ ولهذا ذكَّرهم الله تعالى بها فقال: { {وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ} }.
فإذا قال قائل: هل بين القراءتين منافاة؟
فالجواب : لا، والقراءتان في الحقيقة تصيِّر الكلمة كلمتين، فإما أن تكون كل قراءة تبياناً للأخرى، وإما أن تكون القراءة الثانية جاءت بمعنى جديد، وهنا القراءتان كل واحدة جاءت بمعنى جديد، فقراءة النصب فيها الأمر باتقاء الأرحام؛ أي: اتقاء التفريط في حقهم، والقراءة الثانية فيها التذكير بأن الناس يتساءلون بالأرحام، ولم يتساءلوا بها إلا لعظم حقها بينهم.
وهنا إشكال على قراءة الجر من حيث القواعد النحوية؛ لأن النحويين يقولون: إذا عطفت على ضمير متصل فأت بالضمير المنفصل، أو أعد حرف الجر، فقل: تساءلون به وبالأرحام.
فهل نقول: إن في القرآن ما خرج عن القواعد؟
الجواب : لا، بل إن القرآن حاكم وليس محكوماً عليه، وكون النحويين يقولون: هذا شاذ، نقول: الشذوذ منكم، فليس في القرآن ما هو شاذ أبداً، والقرآن نزل بلسان عربي مبين، وإذا كان يقل استعمال هذا عند العرب، فإنه بنزول القرآن به يكون كثيراً، يقرؤه الناس في كل وقت وفي كل حين؛ ولهذا أنكر الرازي ومحمد رشيد رضا وغيرهم من العلماء على النحويين إنكاراً بالغاً في هذا، وقالوا: كيف يقولون: إن في القرآن ما هو شاذ؟ فإن القرآن يَحْكم ولا يُحكم عليه، بل إذا جاء في القرآن تركيب لم يُعهد في اللغة العربية؛ فإن الفضل للقرآن بإحياء هذا التركيب.
وقد ذكر ابن مالك رحمه الله أنه ليس بلازم أن يُعاد حرف الجر، فقال:
وليس عندي لازماً إذ قد أتى
في النظم والنثر الصحيح مثبتا
وهذا هو الصحيح، وعلى هذا فنقول في كل آية زعم النحاة أنها شاذة: إنه ليس في القرآن شيء شاذ، بل كل ما في القرآن فهو على اللغة الفصحى بلسان عربي مبين، ويجب أن تؤخذ القواعد من القرآن ليحكم بها وعليها، لا أن تؤخذ القواعد مؤصلة باصطلاحات حادثة ثم يقال: إن القرآن شاذ.
قال تعالى: { {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} }، لما أمر بتقواه عزّ وجل مرتين في الآية قال: { {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} } أي: يراقبكم في جميع أحوالكم.. هل اتقيتم الله أم لم تتقوه؟ هل اتقيتم الأرحام وقمتم بواجبها أم لم تتقوها؟
وختمُ الآية بهذه الجملة يراد به التهديد من المخالفة، كما لو قلت لأحد أبنائك: افعل كذا فأنا رقيب عليك، فهذا يعني: أنك تهدده بأن لا يخالف، وأنه إن خالف فسيجد عقوبته.
من فوائد الآية الكريمة:
1 ـ وجوب تقوى الله تعالى على جميع الناس، تؤخذ من قوله تعالى: { {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ}}، حيث وجه الخطاب لجميع الناس.
2 ـ بيان أن الناس أُوجدوا من العدم، تؤخذ من قوله تعالى: { {الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ} }.
3 ـ الرد على الفكرة الملحدة أن الناس تطوروا من القرود إلى البشرية، فنحن لا نعرف النفس إلا آدم الذين نحن من نسله، ولكن من ادعى أن أصل بني آدم قرد، قلنا له: إقرارك على نفسك مقبول، وعلى غيرك غير مقبول.
4 ـ التذكير بنعمة الله عزّ وجل بما خلق لنا من الأزواج، لقوله تعالى: { {وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا} }، و(من) هنا للتبعيض، ويجوز أن تكون بيانية للجنس؛ أي: من جنسها، وهذا من النعم الكبيرة، فلو كانت أزواجنا من غير جنسنا فلا يمكن أن نركن إليها أبداً؛ لأنه لا يركن الإنسان إلا إلى من كان من جنسه، فلو كانت من جنس غير آدمي، فلن يركن إليها الإنسان أبداً، بل ينفر منها نفوراً شديداً.
5 ـ أن أصل هذه البشرية ـ التي لا يحصيها إلا الله ـ واحد، وإن شئت فقل: أصلها اثنان، زوج وزوج، خلق منهما هؤلاء الرجال الكثير والنساء، بشر لا يحصيهم إلا الله عزّ وجل؛ لقوله: { {وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً} }.
6 ـ أن كثرة الرجال أهم من كثرة النساء؛ لقوله: { {رِجَالاً كَثِيرًا} }، فإن التنصيص على كثرة الرجال يدل على أهمية هذه الكثرة.
7 ـ أهمية التقوى، ولهذا كرر الله الأمر بها مرتين.
8 ـ الإشارة إلى أن التقوى واجبة بمقتضى الربوبية وبمقتضى الألوهية.
9 ـ أن التساؤل بالله أمر واقع معروف عند العرب؛ لقوله: { {تَسَاءَلُونَ بِهِ} }، ولكن هل يجوز للإنسان أن يسأل غيره بالله؟
نقول: إن كان المقصود بذلك التذكير فلا حرج، وإن كان المقصود بذلك الإلزام ففيه نظر، فإذا قال: أسألك بالله؛ أي: أذكرك به حتى تراعي عظمة الله وحقه، فهذا لا بأس به، أما إذا كان القصد الإلزام، فهذا إحراج، ومن ذلك ما يقع أحياناً من بعض الذين يقدمون أسئلتهم في المحاضرات فيقول بعضهم: أسألك بالله إلا رددت علي، أو يقول لمقدم السؤال: أسألك بالله إلا قدمته، فهذا فيه إحراج؛ لأنه قد يرى المجيب أو المقدم أن من المصلحة أن لا يقدم هذا السؤال، أو أن لا يجاب عليه.
وإذا سأل بالله فهل تجب إجابته؟
نقول: إن سأل بالله شيئاً محرماً فلا كرامة له، ولا تجوز إجابته، كما لو قال: أسألك بالله أن تدخل بستان فلان وتأتي لنا منه ببرتقال وتفاح، فهذا لا يجوز، ولا كرامة، وإذا سأل بالله شيئاً يضر كأن يقول: أسألك بالله أن تعطيني نصف مالك، فهذا لا تجب إجابته؛ لأن فيه ضرراً، وإذا قال: أسألك بالله أن تعطيني حقي الواجب عليك، فهنا تجب إجابته من وجهين: الأول: أنه حق واجب، والثاني: أنه سأل بالله.
وقد قال بعض أهل العلم: إن معنى قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من سألكم بالله» أي: من سألكم حقاً أوجبه الله على المسئول، فكأن معنى قوله: «من سألكم بالله» أي: من سألكم بشرع الله، أو: من سألكم سؤالاً يقتضي الشرع إجابته، فأجيبوه، وليس المعنى: من قال: «أسألك بالله»؛ لأن من قال: أسألك بالله، فقد يراد بها معنى لا يصح إطلاقاً، كأن يريد بذلك أن يجعل الله شفيعاً إلى هذا المسئول، فإن هذا حرام؛ لأنه لا يجوز أن يستشفع بالله على خلقه، فإن مقام الله أعظم من أن يكون واسطة بينك وبين الخلق.
10 ـ وجوب احترام الأرحام؛ لقوله تعالى: { {وَالأَرْحَامَ} } على قراءة النصب، وكذلك الإشارة إلى احترام الأرحام على قراءة الجر، والمعنى: كما أنكم تحترمونها وتسألون بها، فعظموها وآتوها حقها.
11 ـ التحذير من مخالفة الله عزّ وجل، وتؤخذ من قوله تعالى: { {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} }، ومن آمن بأن الله رقيب عليه فسوف يحذر من مخالفة الله عزّ وجل.
ويؤخذ من هذه الآية: إثبات اسم الرقيب لله عزّ وجل.
ولا يراد بهذه الآية معناها الزمني؛ لأنه لو أريد بها المعنى الزمني؛ لكانت الرقابة قد مضت، ولكنه يراد بها تحقيق اتصاف الموصوف بالصفة التي كانت خبراً في هذه الجملة، فالمراد هنا تحقيق أن الله رقيب علينا، وكذلك قوله تعالى: {{وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا}} [النساء: 96] ، ليس المراد أنه كان فزال، بل المراد تحقيق اتصافه بالمغفرة والرحمة.
* * *

 

 

من مواضيع لمستك بحنية في المنتدى

__________________





التعديل الأخير تم بواسطة mesoo ; 09-04-2012 الساعة 05:39 PM سبب آخر: تعديل الكلمات
لمستك بحنية غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس

قديم 09-04-2012, 03:07 PM   #3
 
الصورة الرمزية لمستك بحنية
 
تاريخ التسجيل: Jul 2012
الدولة: القاهرة
المشاركات: 2,321
لمستك بحنية is on a distinguished road
افتراضي

يسلموو اميرة شرفنى مرورك

 

 

من مواضيع لمستك بحنية في المنتدى

__________________




لمستك بحنية غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس

قديم 09-04-2012, 04:18 PM   #4
آخشآكـ يآ قدريـ
 
الصورة الرمزية mesoo
 
تاريخ التسجيل: Aug 2010
الدولة: فلسطين
المشاركات: 6,559
mesoo is on a distinguished road
افتراضي

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بآرك آلله فيكـ ونفع بكـ
اسأل الله العظيم
أن يرزقك الفردوس الأعلى من الجنان.
وأن يثيبك البارئ على ما طرحت خير الثواب .
في انتظار جديدك المميز
دمت بسعآده مدى الحياة


 

 

من مواضيع mesoo في المنتدى

mesoo غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس

قديم 09-04-2012, 04:28 PM   #5
 
الصورة الرمزية لمستك بحنية
 
تاريخ التسجيل: Jul 2012
الدولة: القاهرة
المشاركات: 2,321
لمستك بحنية is on a distinguished road
افتراضي

يسلموو ميسووو شرفنى مرورك

 

 

من مواضيع لمستك بحنية في المنتدى

__________________




لمستك بحنية غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس

قديم 09-06-2012, 10:40 AM   #6

عضوة مميزة

 
الصورة الرمزية شموخي بكبريائي
 
تاريخ التسجيل: Mar 2011
المشاركات: 14,986
شموخي بكبريائي will become famous soon enough
افتراضي


تفسير اول اية من سورة النساء

بارك الله فيك وجزاك خيرا اخي
على هذا الطرح القيم والمفيد
جعله في موازين حسناتك ان شاء الله
تقبل مروري المتواضع
احترامي

 

 

من مواضيع شموخي بكبريائي في المنتدى

__________________





mesoo اسمك وعلم بلدك منور توقيعي ياغالية
لــــــــــــــــن .. ولـــــــــــــــن آعـــــــــــــود

شموخي بكبريائي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس

قديم 09-06-2012, 06:01 PM   #7
 
الصورة الرمزية لمستك بحنية
 
تاريخ التسجيل: Jul 2012
الدولة: القاهرة
المشاركات: 2,321
لمستك بحنية is on a distinguished road
افتراضي

يسلموو شمووخى يشرفنى مرورك

 

 

من مواضيع لمستك بحنية في المنتدى

__________________




لمستك بحنية غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس

إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
الآيه, النساء, تفسير, سورة

جديد قسم نهر القرأن الكريم

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are معطلة
Pingbacks are معطلة
Refbacks are معطلة



الساعة الآن 03:13 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.8
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO 3.6.1
:: جميع الحقوق محفوظة لمنتديات نهر الحب ::

Security team

 

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92 93 94 95 96 97 98 99 100 101 102 103 104 105 106 107 108 109 110 111 112 113 114 115 116 117 118 119 120 121 122 123 124 125 126 127 128 129 130 131 132 133 134 135 136 137 138 139 140 141 142 143 144 145 146 147 148 149 150 151 152 153 154 155 156 157 158 159 160 161 162 163 164 165 166 167 168 169 170 171 172 173 174 175 176 177 178 179 180 181 182 183 184 185 186 187 188 189 190 191 192 193 194 195 196 197 198 199 200 201 202 203 204 205 206 207 208 209 210 211 212 213 214 215 216 217 218 219 220 221 222 223 224 225 226 227 228 229 230 231 232 233 234 235 236 237 238 239 240 241 242 243 244 245 246 247 248 249 250 251 252 253 254 255 256 257 258 259 260 261 262 263 264 265 266 267 268 269 270 271 272 273 274 275 276 277 278 279 280 281 282 283 284 285 286