كن من متابعين نهر الحب عبر تويتر

اضغط اعجبني ليصلك جديدنا بالفيسبوك
قديم 10-24-2011, 02:32 PM   #1
إـبو سـ ـم ـره
Guest
 
المشاركات: n/a
افتراضي جميع قصص الانبياء في نشر الاسلام

Advertising

 

 

من مواضيع إـبو سـ ـم ـره في المنتدى


التعديل الأخير تم بواسطة إـبو سـ ـم ـره ; 10-24-2011 الساعة 02:51 PM
  رد مع اقتباس
قديم 10-24-2011, 02:35 PM   #2
إـبو سـ ـم ـره
Guest
 
المشاركات: n/a
افتراضي قصة موسى والخضر عليهما السلام

قصة موسى والخضر عليهما السلام


قال الله تعالى : " وإذ قال موسى لفتاه لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضي حقبا * فلما بلغا مجمع بينهما نسيا حوتهما فاتخذ سبيله في البحر سربا * فلما جاوزا قال لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا * قال أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره واتخذ سبيله في البحر عجبا * قال ذلك ما كنا نبغ فارتدا على آثارهما قصصا * فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما * قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا * قال إنك لن تستطيع معي صبرا * وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا * قال ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا * قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا * فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة خرقها قال أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا * قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا * قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا * فانطلقا حتى إذا لقيا غلاما فقتله قال أقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا * قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا * قال إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا * فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه قال لو شئت لاتخذت عليه أجرا * قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا * أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا * وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا * فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما * وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك وما فعلته عن أمري ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا " .

قال بعض أهل الكتاب : إن موسى هذا الذي رحل إلى الخضر هو موسى بن منسا بن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل ، وتابعهم على ذلك بعض من يأخذ من صحفهم وينقل عن كتبهم ، منهم نوف بن فضالة الحميري الشامي البكالي . ويقال إنه دمشقي ، وكانت أمه زوجة كعب الأحبار .

والصحيح الذي دل عليه سياق القرآن ونص الحديث الصحيح الصريح المتفق عليه : أنه موسى بن عمران صاحب بني إسرائيل .

قال البخاري : حدثنا الحميدي ، حدثنا سفيان ، حدثنا عمرو بن دينار ، قال : أخبرني سعيد بن جبير قال : قلت لابن عباس : إن نوفاً البكالي يزعم أن موسى صاحب الخضر ليس هو صاحب بني إسرائيل ، فقال ابن عباس : كذب عدو الله . حدثنا أبي بن كعب أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن موسى قام خطيباً في بني إسرائيل فسئل : أي الناس أعلم ؟ فقال :أنا . فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه ، فأوحى الله إليه ، إن لي عبداً بمجمع البحرين هو أعلم منك . قال موسى : يارب . . فكيف لي به ؟ قال : تأخذ معك حوتاً فتجعله في مكتل فحيثما فقدت الحوت فهو ثم ، فأخذ حوتاً فجعله في مكتل ، ثم انطلق وانطلق معه فتاه يوشع ابن نون ، حتى إذا أتيا الصخرة وضعا رءوسهما فناما . واضطرب الحوت في المكتب ، فخرج منه فسقط في البحر ، واتخذ سبيله في البحر سرباً . وأمسك الله عن الحوت جرية الماء ، فصار عليه مثل الطاق فلما استيقظ نسي صاحبه أن يخبره بالحوت ، فانطلقا بقية يومهما وليلتهما .

حتى إذا كان من الغد قال موسى لفتاه : " آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا " قال ولم يجد موسى النصب حتى جاوز المكان الذي أمره الله به ، فقال له فتاه : " أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره واتخذ سبيله في البحر عجبا " قال : فكان للحوت سرباً ، ولموسى ولفتاه عجباً فقال له موسى : " ذلك ما كنا نبغ فارتدا على آثارهما قصصا " .

قال : فرجعا يقصان آثارهما حتى انتهيا إلى الصخرة ، فإذا رجل مسجى بثوب فسلم عليه موسى ، فقال الخضر ، وأنى بأرضك السلام ؟ قال : أنا موسى . قال : موسى بني إسرائيل ؟ قال : نعم ، أتيتك لتعلمني مما علمت رشداً : " قال إنك لن تستطيع معي صبرا " يا موسى إني على علم من علم الله علمنيه الله لا تعلمه أنت ، وأنت على علم من علم الله علمكه الله لا أعلمه .

فقال موسى : " ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا " .

فقال له الخضر : " فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا * فانطلقا " يمشيان على ساحل البحر ، فمرت بهما سفينة فكلموهم أن يحملوهم ، فعرفوا الخضر فحملوههم بغير نول فلما ركبا في السفينة لم يفجأ إلا والخضر قد قلع لوحاً من ألواح السفينة بالقدوم ، فقال له موسى : قوم حملونا بغير نول ، عمدت إلى سفينتهم فخرقتها " لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا * قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا * قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا " .

قال : وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فكانت الأولى من موسى نسياناً . قال : وجاء عصفور فوقع على حرف السفينة فنقر في البحر نقرة ، فقال له الخضر : ما علمي وعلمك من علم الله إلا مثل ما نقص هذا العصفور بمنقاره من هذا البحر !

ثم خرجا من السفينة ، فبينما هما يمشيان على الساحل إذ أبصر الخضر غلاماً يلعب مع الغلمان ، فأخذ الخضر رأسه بيده فاقتلعه بيده فقتله ، فقال له موسى : " أقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا * قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا " قال : وهذه أشد من الأولى " قال إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا " .

" فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض " قال : مائل . فقام الخضر " فأقامه " بيده ، فقال موسى : قوم أتيناهم فلم يطعمونا ولم يضيفونا " لو شئت لاتخذت عليه أجرا * قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك " إلى قوله : " ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا " فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وددنا أن موسى كان صبر حتى يقص الله علينا من خبرهما " .

قال سعيد بن جبير : فكان ابن عباس يقرأ : وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة غصباً وكان يقرأ : وأما الغلام فكان كافراً وكان أبواه مؤمنين .

ثم رواه البخاري أيضاً عن قتيبة عن سفيان بن عيينة بإسناده نحوه ، وفيه : فخرج موسى ومعه فتاه يوشع بن نون ومعهما الحوت حتى انتهيا إلى الصخرة فنزلا عندها ، قال ؟ فوضع موسى رأسه فنام .

قال سفيان : وفي حديث غير عمرو قال : وفي أصل الصخرة عين يقال لها الحياة ، لا يصيب من مائها شيء إلا حيى ، فأصاب الحوت من ماء تلك العين ، قال : فتحرك وانسل من المكتل فدخل البحر ، فلما استيقظ قال موسى لفتاه : " آتنا غداءنا لقد لقينا " الآية وساق الحديث .

وقال : ووقع عصفور على حرف السفينة فغمس منقاره في البحر ، فقال الخضر لموسى : ما علمي وعلمك وعلم الخلائق في علم الله إلا مقدار ما غمس هذا العصفور منقاره . . وذكر تمام الحديث .

* * *

وقال البخاري : حدثنا إبراهيم بن موسى ، حدثنا هشام بن يوسف : أن ابن جريج أخبرهم ، قال : أخبرني يعلى بن مسلم وعمرو بن دينار ، عن سعيد بن جبير ، يزيد أحدهما على صاحبه وغيرهما قد سمعته يحدثه عن سعيد بن جبير قال : إنا لعند ابن عباس في بيته إذ قال : سلوني ، فقلت : أي أبا عباس - جعلني الله فداك - بالكوفة رجل قاص يقال له نوف ، يزعم أنه ليس بموسى بني إسرائيل . أما عمرو فقال لي ، فقال : قد كذب عدو الله . وأما يعلى فقال لي : قال ابن عباس : حدثني أبي بن كعب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : موسى رسول الله قال : ذكر الناس يوماً حتى إذا فاضت العيون ، ورقت القلوب ولى ، فأدركه رجل فقال : أي رسول الله ! هل في الأرض أحد أعلم منك ؟ قال : لا . فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إلى الله ، وقيل : بلى . قال : أي رب فأين ؟ قال : بمجمع البحرين ، قال : أي رب اجعل لي علماً أعلم ذلك به . قال لي عمرو : قال : حيث يفارقك الحوت ، وقال لي يعلى : قال : خذ نوناً ميتاً حيت ينفخ فيه الروح .

فأخد حوتاً فجعله في مكتل ، فقال لفتاه : لا أكلفك إلا أن تخبني بحيث يفارقك الحوت ، قال : ما كلفت كثيراً ، فذلك قوله جل ذكره : " وإذ قال موسى لفتاه " يوشع بن نون ، ليست عن سعيد بن جبير ، قال بينما هو في ظل صخرة في مكان ثريان إذ تضرب الحوت وموسى نائم ، فقال فتاه لا أوقظه ، حتى إذا استيقظ نسى أن يخبره ، وتضرب الحوت حتى دخل البحر فأمسك الله عنه جرية البحر حتى كان أثره في حجر ، قال لي عمرو : هكذا ، كان أثره في حجر وحلق بين إبهاميه واللتين تليانهما .

" لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا " قال : قد قطع الله عنك النصب ليست هذه عن سعيد . أخبره فرجعا فوجدا خضراً - قال لي عثمان بن أبي سلمان - عن طنفسة خضراء على كبد البحر ، قال سعيد بن جبير مسجى بثوبه ، قد جعل طرفه تحت رجليه ، وطرفه تحت رأسه ، فسلم عليه موسى فكشف عن وجهه ، وقال : هل بأرضي من سلام ؟ من أنت ؟ فقال : أنا موسى . قال : موسى بني إسرائيل ؟ قال : نعم . قال : فما شأنك ؟ قال : جئتك لتعلمني مما علمت رشداً ، قال : أما يكفيك أن التوراة بيديك ، وأن الوحي يأتيك ؟ يا موسى . . إن لي علماً لا ينبغي لك أن تعلمه ، وإن لك علماً لا ينبغي لي أن أعلمه . فأخذ طائر بمنقاره من البحر ، فقال : والله ماعلمي وعلمك في جنب علم الله كما أخذ هذا الطائر بمنقاره من البحر .

" حتى إذا ركبا في السفينة " وجد معابر صغاراً تحمل أهل هذا الساحر إلي أهل هذا الساحل الآخر ، عرفوه فقالوا : عبد الله الصالح . قال : فقلنا لسعيد : خضر ؟ قال : نعم . لا نحمله بأجر ، فخرقها ووتد فيها وتداً " قال " موسى : " أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا " قال مجاهد : منكراً ؟ " قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا " كانت الأولى نسياناً . والوسطى شرطاً ، والثالثة عمداً " قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا * فانطلقا حتى إذا لقيا غلاما فقتله " قال يعلى قال سعيد : وجد غلماناً يلعبون فأخذ غلاماً كافراً ظريفاً فأضجعه . ثم ذبحه بالسكين " قال أقتلت نفسا زكية بغير نفس " لم تعلم

بالخبيث . وكان ابن عباس قرأها : زكية زاكية مسلمة . كقولك : غلاماً زكياً .

فانطلقا " فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه " قال سعيد بيده هكذا ، ورفع يده فاستقام . قال يعلى : حسبت أن سعيداً قال : فمسح بيده فاستقام : " قال لو شئت لاتخذت عليه أجرا " قال سعيد ، أجراً نأكله .

" وكان وراءهم " كان أمامهم ، قرأها ابن عباس : أمامهم ملك يزعمون عن غير سعيد أنه هدد بن بدد والغلام المقتول اسمه يزعمون جيسور " ملك يأخذ كل سفينة غصبا " فأردت إذا هي مرت به أن يدعها لعيبها ، فإذا جاوزوا أصلحوها فانتفعوا بها ، ومنهم من يقول : سدوها بقارورة ، ومنهم من يقول بالقار .

" فكان أبواه مؤمنين " وكان كافراً " فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا " أي يحملهما حبه على أن يتابعاه على دينه " فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة " لقوله : " أقتلت نفسا زكية " " وأقرب رحما " هما به أرحم منهما بالأول الذي قتل الخضر .

وزعم غير سعيد بن جبير أنهم أبدلا جارية ، وأما داود ابن أبي عاصم فقال غير واحد :إنها جارية .

وقد رواه عبد الرزاق ، عن معمر ، عن أبي إسحاق ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : خطب موسى بني إسرائيل ، فقال : ما أحد أعلم بالله وبأمره مني ، فأمر أن يلقى هذا الرجل ، فذكر نحو ما تقدم .

وهكذا رواه محمد بن إسحاق عن الحسن بن عمارة ، عن الحكم ابن عيينة ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، عن أبي بن كعب ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كنحو ما تقدم أيضاً .

ورواه العوفي عنه موقوفاً . وقال الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن ابن عباس : أنه تمارى هو والحر بن قيس بن حصن الفزاري في صاحب موسى ، فقال ابن عباس : هو خضر فمر بهم أبي بن كعب فدعاه ابن عباس ، فقال : إني تماريت أنا وصاحبي هذا في صاحب موسى الذي سأل السبيل إلى لقياه ، فهل سمعت من رسول الله فيه شيئاً ؟ قال : نعم ، وذكر الحديث .

وقد تقصينا طرق هذا الحديث وألفاظه في تفسير سورة الكهف ولله الحمد .

وقوله : " وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة " قال السهيلى : وهما أصرم وصريم ابنا كاشح " وكان تحته كنز لهما " قيل كان ذهباً ، قاله عكرمة . وقيل علماً ، قاله ابن عباس ، والأشبه أنه كان لوحاً من ذهب مكتوباً في علم . قال البزار : حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري ، حدثنا بشر بن المنذر ، حدثنا الحارث بن عبد الله اليحصبي ، عن عياش بن عباس الغساني ، عن ابن حجيرة ، عن أبي ذر رفعه قال : " إن الكنز الذي ذكره الله في كتابه لوح من الذهب مصمت مكتوب فيه : عجبت لمن أيقن بالقدر كيف نصب ؟ وعجبت لمن ذكر النار لم ضحك ؟ وعجبت لمن ذكر الموت كيف غفل ؟ لا إله إلا الله محمد رسول الله " .

وهكذا روى عن الحسن البصري وعمر مولى غفرة وجعفر الصادق نحو هذا .

وقوله : " وكان أبوهما صالحا " قيل إنه كان الأب السابع وقيل العاشر ، وعلى كل تقدير : فيه دلالة على أن الرجل الصالح يحفظ في ذريته . . والله المستعان .

وقوله : " رحمة من ربك " دليل على أنه كان نبياً ، وأنه ما فعل شيئاً من تلقاء نفسه بل بأمر ربه فهو نبي ، وقيل رسول ، وقيل ولي ، وأغرب من هذا من قال إنه كان ملكاً . قلت وقد أغرب جداً من قال هو ابن فرعون ، وقيل إنه ابن ضحاك الذي ملك الدنيا ألف سنة .

قال ابن جرير : والذي عليه جمهور أهل الكتاب أنه كان في زمن أفريدون ويقال إنه كان على مقدمة ذي القرنين ، الذي قيل إنه كان أفريدون ، وذو الفرس هو الذي كان في زمن الخليل ، وزعموا أنه شرب من ماء الحياة فخلد وهو باق إلى الآن .

وقيل إنه من ولد بعض من آمن بإبراهيم ، وهاجر معه من أرض بابل . وقيل اسمه ملكان وقيل أرميا بن حلقيا وقيل كان نبياً في زمن سباسب بن بهراسب .

قال ابن جرير : وقد كان بين أفريدون وبين سباسب دهور طويلة لا يجهلها أحد من أهل العلم بالأنساب ، قال ابن جرير والصحيح أنه كان في زمن أفريدون ، واستمر حياً إلى أن أدركه موسى عليه السلام . وكانت نبوة موسى في زمن منو شهر الذي هو من ولد أبرج بن أفريدون أحد ملوك الفرس ، وكان إليه الملك بعد جده أفريدون لعهده وكان عدلاً . وهو أول من خندق الخنادق . وأول من جعل في كل قرية دهقاناً وكانت مدة ملكه قريباً من مائة وخمسين سنة . ويقال إنه كان من سلالة إسحاق بن إبراهيم .

وقد ذكر عنه من الخطب الحسان والكلم البليغ النافع الفصيح ما يبهر العقل ، ويحير السامع ، وهذا يدل على أنه من سلالة الخليل . . والله أعلم .

وقد قال الله تعالى : " وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين " .

فأخذ الله ميثاق كل نبي على أن يؤمن بمن يجيء بعده من الأنبياء وينصره واستلزم ذلك الإيمان وأخذ الميثاق لمحمد صلى الله عليه وسلم لأنه خاتم الأنبياء فحق على كل نبي أدركه أن يؤمن به وينصره فلو كان الخضر حياً في زمانه ، لما وسعه إلا اتباعه والإجتماع به والقيام بنصره ، ولكان من جملة من تحت لوائه يوم بدر ، كما كان تحتها جبريل وسادات من الملائكة .

وقصارى الخضر عليه السلام أن يكون نبياً ، وهو الحق . أو رسولاً كما قيل ، أو ملكاً فيها ذكر ، وأياً ما كان فجبريل رئيس الملائكة ، وموسى أشرف من الخضر ، ولو كان حياً لوجب عليه الإيمان بمحمد ونصرته ، فكيف إن كان الخضر ولياً كما يقوله طوائف كثيرون ؟ فأولى أن يدخل في عموم البعثة وأحرى ، ولم ينقل في حديث حسن بل ولا ضعيف يعتمد أنه جاء يوماً واحداً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا اجتمع به وما ذكر من حديث التعزية فيه ، وإن كان الحاكم قد رواه ، فإسناده ضعيف . . والله أعلم ، وسنفرد لخضر ترجمة على حدة بعد هذا .

ذكر الحديث الملقب بحديث الفتون المتضمن قصة موسى من أولها إلى آخرها

قال الإمام أبو عبد الرحمن النسائي في كتاب التفسير من سننه ، عند قوله تعالى في سورة طه : " وقتلت نفسا فنجيناك من الغم وفتناك فتونا " : حديث الفتون .

حدثنا عبد الله بن محمد ، حدثنا يزيد بن هارون ، حدثنا أصبغ بن زيد ، حدثنا القاسم ابن أبي أيوب ، أخبرني سعيد بن جبير قال : سألت عبد الله بن عباس عن قول الله تعالى لموسى : " وفتناك فتونا " فسألته عن الفتون ما هي ؟ فقال : استأنف النهار يا ابن جبير فإن لها حديثاً طويلاً .

فلما أصبحت غدوت إلى ابن عباس لأتنجز منه ما وعدني من حديث الفتون ، فقال : تذكر فرعون وجلساؤه ما كان الله وعد إبراهيم عليه السلام أن يجعل في ذريته أنبياء وملوكاً ، فقال بعضهم : إن بني إسرائيل ينتظرون ذلك ما يشكون فيه ، وكانوا يظنون أنه يوسف بن يعقوب ، فلما هلك قالوا : ليس هكذا كان وعد إبراهيم ، فقال فرعون : فكيف ترون ؟ فأتمروا وأجمعوا أمرهم على أن يبعث رجالاً معهم الشفار ، يطوفون في بني إسرائيل ، فلا يجدون مولوداً ذكراً إلا ذبحوه ففعلوا ذلك .

فلما رأوا أن الكبار من بني إسرائيل يموتون بآجالهم ، والصغار يذبحون قالوا : توشكون أن تفنوا بني إسرائيل فتصيروا إلى أن تباشروا من الأعمال والخدمة التي كانوا يكفونهم ، فاقتلوا عاماً كل مولود ذكر واتركوا بناتهم ، ودعوا عاماً فلا تقتلوا منهم أحداً ، فيشب الصغار مكان من يموت من الكبار ، فإنهم لن يكثروا بمن تستحيون منهم ، فتخافوا مكاثركم إياكم ، ولن يفنوا بمن تقتلون وتحتاجون إليهم .

فأجمعوا أمرهم على ذلك ، فحملت أم موسى بهارون في العام الذي لا يقتل فيه الغلمان ، فولدته علانية آمنة .

فلما كان من قابل حملت بموسى عليه السلام ، فوقع قي قلبها الهم والحزن ، وذلك من الفتون ، يا ابن جبير . . ما دخل عليه في بطن أمه مما يراد به . فأوحى الله إليها : " لا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين " فأمرها إذا ولدت أن تجعله في تابوت وتلقيه في اليم .

فلما ولدت فعلت ذلك ، فلما توارى عنها ابنها أتاها الشيطان ، فقالت في نفسها : ما فعلت بابني ؟ لو ذبح عندي فواريته وكفنته كان أحب إلي من أن ألقيه إلى دواب البحر وحيتانه .

فانتهى الماء به حتى أوفي عند فرضة تستقي منها جواري امرأة فرعون ، فلما رأينه أخذنه ، فهممن أن يفتحن التابوت ، فقال بعضهن : إن في هذا مالاً ، وإنا إن فتحناه لم تصدقنا امرأة الملك بما وجدنا فيه ، فحملنه كهيئته لم يخرجن منه شيئاً حتى دفعنه إليها . فلما فتحته رأت فيه غلاماً ، فألقي الله عليه منها محبة لم يلق منها على أحد قط " وأصبح فؤاد أم موسى فارغا " من ذكر كل شيء إلا من ذكر موسى فلما سمع الذباحون بأمره أقبلوا بشفارهم إلى امرأة فرعون ليذبحوه . وذلك من الفتون يا ابن جبير !

فقالت لهم : أقروه فإنه هذا الواحد لا يزيد في بني إسرائيل . حتى آتى فرعون فأستوهبه منه ، فإن وهبه منى كنتم قد أحسنتم وأجملتم ، وإن أمر بذبحه لم ألمكم . فأتت فرعون فقالت : " قرة عين لي ولك " فقال فرعون : يكون لك ، فأما لي فلا حاجة لي فيه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " والذي يحلف به لو أقر فرعون لأن يكون قرة عين له ، كما أقرت امرأته لهداه الله كما هداها ، ولكن حرمه ذلك " .

فأرسلت إلى من حولها إلى كل امرأة لها لأن تختار له ظئراً ، فجعل كلما أخذته امرأة منهن لترضعه لم يقبل على ثديها ، حتى أشفقت امرأة فرعون أن يمتنع من اللبن فيموت ، فأحزنها ذلك . فأمرت به فأخرج إلى السوق وجمع الناس ترجو أن تجد له ظئراً تأخذه منها ، فلم يقبل . وأصبحت أم موسى ولها ، فقالت لأخته : قص أثره واطلبيه ، هل تسمعين له ذكراً ؟ أحي ابني أم قد أكلته الدواب ؟ ونسيت ما كان الله وعدها فيه .

" فبصرت به " أخته " عن جنب وهم لا يشعرون " والجنب : أن يسمو بصر الإنسان إلى شيء بعيد وهو إلى جنبه لا يشعر به . فقالت من الفرح حين أعياهم الظئرات : أنا " أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون " فأخذوها فقالوا : ما يدريك ما نصحهم له ؟ هل تعرفينه ؟ حتى شكوا في ذلك ، وذلك من الفتون يا ابن جبير ! فقالت : نصحهم له وشفقتهم عليه رغبتهم في صهر الملك ورجاء منفعة الملك . فأرسلوها فانطلقت إلى أمها فأخبرتها الخبر ، فجاءت أمه ، فلما وضعته في حجرها نزا إلى ثديها فمصه حتى امتلأ جنباه ريا ، وانطلق البشير إلى امرأة فرعون يبشرها أن قد وجدنا لابنك ظئراً ، فأرسلت إليها فأتت بها وبه .

فلما رأت ما يصنع بها قالت : امكثي ترضعي ابني هذا ، فإني لم أحب شيئاً حبه قط ، قالت أم موسى : لا أستطيع أن أترك بيتى وولدي فيضيع ، فإن طابت نفسك أن تعطينيه ، فأذهب به إلى بيتي ، فيكون معى . لا آلوه خيراً ، فعلت ، فإني غير تاركة بيتي وولدي ، وذكرت أم موسى ما كان الله وعدها ، فتعاسرت على امرأة فرعون . وأيقنت أن الله منجز موعوده ، فرجعت إلى بيتها من يومها ، وأنبته الله نباتاً حسناً ، وحفظه لما قد قضي فيه . فلم يزل بنو إسرائيل وهم في ناحية القرية ، ممتنعين من السخرة والظلم ما كان فيهم .

فلما ترعرع قالت امرأة فرعون لأم موسى : أزيريني ابني ، فوعدتها يوماً تزيرها إياه فيه ، وقالت امرأة فرعون لخزانها وظئورها وقهارمتها : لا يبقين أحد منكم إلا استقبل ابني اليوم بهدية وكرامة ، لأرى ذلك فيه وأنا باعثة أميناً يحصى كل ما يصنع كل إنسان منكم ، فلم تزل الهدايا والكرامة والنحل تستقبله من حين خرج من بيت أمه إلى أن دخل على امرأة فرعون . فلما دخل عليها نحلته وأكرمته وفرحت به ، وأنحلت أمه لحسن أثرها عليها . ثم قالت : لآتين به فرعون فلينحلنه وليكرمنه .

فلما دخلت به عليه جعله في حجره ، فتناول موسى لحية فرعون فمدها إلى الأرض ، فقال الغواة من أعداء الله لفرعون : ألا ترى ما وعد الله إبراهيم نبيه ؟ إنه زعم أنه يرثك ويعلوك ويصرعك ! فأرسل إلى الذباحين ليذبحوه ، وذلك من الفتون يا ابن جبير بعد كل بلاء أبتلي به وأريد به .

فجاءت امرأة فرعون تسعى إلى فرعون ، فقالت : ما بدا لك في هذا الغلام الذي وهبته لي ؟ فقال : ألا ترينه يزعم أن يصرعني ويعلوني ؟ فقالت : اجعل بيني وبينك أمراً تعرف فيه الحق ، ائت بجمرتين ولؤلؤتين فقربهن إليه ! فإن بطش بالؤلؤتين واجتنب الجمرتين عرفت أنه يعقل ، وإن تناول الجمرتين ولم يرد اللؤلؤتين ، علمت أن أحداً لا يؤثر الجمرتين على اللؤلؤتين وهو عاقل . فقرب إليه الجمرتين واللؤلؤتين فتناول الجمرتين ، فانتزعهما منه مخافة أن تحرقا يده ، فقالت المرأة : ألا ترى ؟ فصرفه الله عنه بعد ما كان هم به ، وكان الله بالغاً فيه أمره .

فلما بلغ أشده وكان من الرجال ، لم يكن أحد من آل فرعون يخلص إلى أحد من بني إسرائيل معه بظلم ولا سخرة ، حتى امتنعوا كل الإمتناع . فبينما موسى عليه السلام يمشي في ناحية المدينة ، إذا هو برجلين يقتتلان أحدهما فرعوني والآخر إسرائيلي . فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني ، فغضب موسى غضباً شديداً ، لأنه تناوله وهو يعلم منزلته من بني إسرائيل وحفظه لهم لا يعلم الناس إلا أنه من الرضاع إلا أم موسى ، إلا أن يكون الله أطلع موسى من ذلك على ما لم يطلع عليه غيره . فوكز موسى الفرعوني فقتله ، وليس يراهما أحد إلا الله عز وجل والإسرائيلي ، فقال موسى حين قتل الرجل : " هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين " ثم قال : " رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم * قال رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين * فأصبح في المدينة خائفا يترقب " الأخبار .

فأيما فرعون فقيل له : إن بني إسرائيل قتلوا رجلاً من آل فرعون فخذ لنا بحقنا ولا ترخص لهم ، فقال : ابغوني قاتله ومن يشهد عليه ، فإن الملك وإن كان صفوة من قومه ، لا ينبغي له أن يقتل بغير بينة ولا ثبت ، فاطلبوا لي علم ذلك آخذ لكم بحقكم .

فبينما هم يطوفون لا يجدون بينة ، إذا بموسى من الغد قد رأى ذلك الإسرائيلي يقاتل رجل من آل فرعون آخر ، فإستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني ، فصادف موسى وقد ندم على ما كان منه وكره الذي رأى ، فغضب الإسرائيلي وهو يريد أن يبطش بالفرعوني ، فقال للإسرائيلي لما فعل بالأمس واليوم : " إنك لغوي مبين " فنظر الإسرائيلي إلى موسى بعد ما قال له ما قال ، فإذا هو غضبان كغضبه بالأمس الذي قتل فيه الفرعوني ، فخاف أن يكون بعد ما قاله له : " إنك لغوي مبين " أن يكون إياه أراد ولم يكن أراده ، إنما أردا الفرعوني ، فخاف الإسرائيلي وقال : " يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس " ؟ وإنما قال له مخافة أن يكون إياه أراد موسى ليقتله فتتاركا .

وانطلق الفرعوني فأخبرهم بما سمع من الإسرائيلي من الخبر حين يقول : " أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس " فأرسل فرعون الذباحين ليقتلوا موسى ، فأخذ رسل فرعون في الطريق الأعظم يمشون على هينتهم ، يطلبون موسى وهم لا يخافون أن يفوتهم ، فجاء رجل من شيعة موسى من أقصا المدينة ، فاختصر طريقاً حتى سبقهم إلى موسى فأخبره . وذلك من الفتون يا ابن جبير !

فخرج موسى متوجهاً نحو مدين لم يلق بلاء قبل ذلك وليس له بالطريق علم إلا حسن ظنه بربه عز وجل ، فإنه قال : " عسى ربي أن يهديني سواء السبيل * ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان " يعني بذلك حابستين غنمهما ، فقال لهما : " ما خطبكما " معتزلين الناس . قالتا : ليس لنا قوة تزاحم القوم وإنما ننتظر فضول حياضهم . فسقى لهما فجعل يغترف من الدلو ماء كثيراً حتى كان أول الرعاء وانصرفتا بغنمهما إلى أبيهما ، وانصرف موسى فاستظل بشجرة ، وقال : " رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير " .

واستنكر أبوهما سرعة صدورهما بغنمهما حفلاً بطاناً فقال : إن لكما اليوم لشأناً ، فأخبرتاه بما صنع موسى ، فأمر إحداهما أن تدعوه ، فأتت موسى فدعته . فلما كلمه : " قال لا تخف نجوت من القوم الظالمين " ليس لفرعون ولا لقومه علينا من سلطان ولسنا في مملكته ، فقالت إحداهما : " يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين " فاحتملته الغيرة على أن قال لها : ما يدريك ما قوته وما أمانته ؟ فقالت : أما قوته فما رأيت منه في الدلو حين سقى لنا لم أر رجلاً قط أقوى في ذلك السقي منه ، وأما الأمانة فإنه نظر إلى حين أقبلت إليه وشخصت له ، فلما علم أني امرأة صوب رأسه فلم يرفعه حتى بلغته رسالته . ثم قال لي : امشي خلفي وانعتى لي الطريق ، فلم يفعل هذا إلا وهو أمين . فسرى عن أبيها وصدقها ، وظن به الذي قالت .

فقال له : هل لك " أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشرا فمن عندك وما أريد أن أشق عليك ستجدني إن شاء الله من الصالحين " ففعل فكانت على نبي الله مسوى ثماني سنين واجبة ، وكانت السنتان عدة منه ، فقضي الله عنه عدته فأتمها عشراً .

قال سعيد - وهو ابن جبير - لقيني رجل من أهل النصرانية من علمائهم ، فقال : هل تدرى أي الأجلين قضي موسى ؟ قلت : لا ، وأنا يومئذ لا أدري . فلقيت ابن عباس فذكرت ذلك له ، فقال : أما علمت أن ثمانية كانت على نبي الله واجبة ، لم يكن نبي الله لينقص منها شيئاً ؟ وتعلم أن الله كان قاضياً عن موسى عدته التي وعده ، فإنه قضى عشر سنين . فلقيت النصراني فأخبرته ذلك ، فقال : الذي سألته فأخبرك أعلم منك بذلك ، قلت : أجل وأولي .

فلما سار موسى بأهله كان من أمر الناس والعصا ويده ، ما قص الله عليك في القرآن .

فشكا إلى الله تعالى مايتخوف من آل فرعون في القتيل ، وعقدة لسانه ، فإنه كان في لسانه عقدة تمنعه من كثير من الكلام ، وسأل ربه أن يعينه بأخيه هارون ، يكون له ردءاً ، يتكلم عنه بكثير مما لا يفصح به لسانه ، فأتاه الله عز وجل سؤله وحل عقدة من لسانه ، وأوحى الله إلى هارون فأمره أن يلقاه .

فاندفع موسى بعصاه حتى لقى هارون ، فانطلقا جميعاً إلى فرعون ، فأقاما على بابه حيناً لا يؤذن لهما . ثم أذن لهما بعد حجاب شديد فقالا : " إنا رسولا ربك " قال : " فمن ربكما " فأخبره بالذي قص الله عليك في القرآن . قال : فما تريدان ؟ وذكره القتيل فاعتذر بما قد سمعت ، قال أريد أن تؤمن بالله وترسل معى بني إسرائيل ، فأبي عليه وقال : " جئت بآية فأت بها إن كنت من الصادقين * فألقى عصاه فإذا هي " حية عظيمة فاغرة فاها مسرعة إلى فرعون ، فلما رآها فرعون قاصدة إليه خافها فاقتحم عن سريره وإستغاث بموسى أن يكفها عنه ففعل .

ثم أحرج يده من جيبه فرآها بيضاء من غير سوء ، يعنى من غير برص ، ثم ردها فعادت إلى لونها الأول .

فاستشار الملأ من حوله فيما رأى فقالوا له : " إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى " يعني ملكهم الذي هم فيه والعيش ، وأبوا على موسى أن يعطوه شيئاً مما طلب ، وقالوا له : اجمع السحرة فإنهم بأرضك كثير ، حتى تغلب بسحرك سحرهما .

فأرسل إلى المدائن فحشر له كل ساحر متعلم ، فلما أتوا فرعون قالوا : بم يعمل هذا الساحر ؟ قالوا : يعمل بالحيات . قالوا : فلا والله ما أحد في الأرض يعمل السحر بالحيات والحبال والعصي الذي نعمل ، فما أجرنا إن نحن غلبنا ؟ قال لم : أنتم أقاربي وخاصتي ، وأنا صانع إليكم كل شيء أحببتم ، فتواعدوا : " يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى " .

قال سعيد : فحدثني ابن عباس أن يوم الزينة ، اليوم الذي أظهر الله فيه موسى على فرعون والسحرة ، هو يوم عاشوراء .

فلما اجتمعوا في صعيد قال الناس بعضهم لبعض : انطلقوا فلنحضر هذا الأمر " لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين " يعنون موسى وهارون استهزاء بهما ، فقالوا يا موسى ، بعد تريثهم بسحرهم : " إما أن تلقي وإما أن نكون نحن الملقين " قال بل ألقوا ، " فألقوا حبالهم وعصيهم وقالوا بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون " فرأى موسى من سحرهم ما أوجس في نفسه خيفة ، فأوحي الله إليه : " أن ألق عصاك " فلما ألقاها صارت ثعباناً عظيمة فأغرة فاها ، فجعلت العصا تلتبس بالحبال ، حتى صارت حرزاً للثعابين تدخل فيه حتى ما أبقت عصاً ولا حباً إلا ابتلعته .

فلما عرف السحرة ذلك ، قالوا لو كان هذا سحراً لم يبلغ من سحرنا كل هذا ، ولكنه أمر من الله تعالى ، آمنا بالله وبما جاء به موسى ، ونتوب إلى الله مما كنا عليه .

فكسر الله ظهر فرعون في ذلك الموطن وأشياعه وظهر الحق " وبطل ما كانوا يعملون * فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين " .

وامرأة فرعون بارزة مبتذلة تدعو الله بالنصر لموسى على فرعون وأشياعه ، فمن رآها من آل فرعون ظن أنها ابتذلت للشفقة على فرعون وأشياعه ، وإنما كان حزنها وهمها لموسى .

* * *

فلما طال مكث موسى بمواعيد فرعون الكاذبة ، كلما جاء بآية وعده عندها أن يرسل معه بني إسرائيل ، فإذا مضت أخلف موعده وقال هل يستطيع ربك أن يصنع غير هذا ؟ أرسل الله على قومه الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات . كل كذلك يشكو إلى موسى ويطلب إليه أن يكفها عنه ، ليوافقه علي أن يرسل معه بني إسرائيل ، فإذا كف ذلك عنه أخلف بوعده ونكث عهده ، حتى أمر الله موسى بالخروج بقومه ، فخرج بهم ليلاً .

فلما أصبح فرعون ورأى أنهم قد مضوا أرسل في المدائن حاشرين فتتبعه بجنود عظيمة كثيرة وأوحى الله إلى البحر : إذا ضربك موسى عبدي بعصاه فانفلق اثنتي عشرة فرقة ، حتى يجوز موسى ومن معه ، ثم التق على من بقى بعد من فرعون وأشياعه .

فنسى موسى أن يضرب البحر بالعصا وانتهى إلى البحر وله قصيف مخافة أن يضربه موسى بعصاه وهو غافل فيصير عاصياً لله عز وجل !

فلما تراءى الجمعان وتقاربا " قال أصحاب موسى إنا لمدركون " افعل ما أمرك به ربك ، فإنه لم يكذب ولم تكذب ، قال : وعدني ربي إذا أتيت البحر انفرق اثنتي عشرة فرقة حتى أجاوزه ، ثم ذكر بعد ذلك العصا فضرب البحر بعصاه حين دنا أوائل جند فرعون من أواخر جند موسى . فانفرق البحر كما أمره ربه وكما وعد موسى فلما أن جاوز موسى وأصحابه كهم البحر ، ودخل فرعون وأصحابه ، التقي عليهم البحر كما أمر فلما جاوز موسى البحر قال أصحابه : إنا نخاف ألا يكون فرعون غرق ولا نؤمن بهلاكه ، فدعا ربه فأخرجه له ببدنه حتى استيقنوا بهلاكه .

* * *

ثم مروا بعد ذلك على قوم يعكفون على أصنام لهم : " قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون * إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون " قد رأيتم من العبر وسمعتم ما يكفيكم .

ومضى فأنزلهم موسى منزلاً وقال : أطيعوا هارون فإن الله قد استخلفه عليكم ، فإني ذاهب إلى ربي . وأجلهم ثلاثين يوماً أن يرجع إليهم فيها .

فلما أتي ربه عز وجل وأراد أن يكلمه في ثلاثين يوماً ، وقد صامهن ليلهن ونهارهن ، كره أن يكلم ربه وريح فيه ريح فم الصائم ، فتناول موسى شيئاً من نبات الأرض فمضغه ، فقال له ربه حين أتاه لم أفطرت ؟ - وهو أعلم بالذي كان - قال : يارب . . إني كرهت أن أكلمك إلا وفمي طيب الريح . قال : أوما علمت يا موسى أن ريح فم الصائم أطيب عندي من ريح المسك ! ارجع فصم عشراً ثم ائتني ، ففعل موسى ما أمره به ربه .

فلما رأى قوم موسى أنه لم يرجع إليهم في الأجل ساءهم ذلك ، وكان هارون قد خطبهم فقال : إنكم خرجتم من مصر ولقوم فرعون عندكم عواري وودائع ، ولكم فيها مثل ذلك وأنا أرى أن تحتسبوا ما لكم عندهم ، ولا أحل لكم وديعة استودعتموها ولا عارية ، ولسنا برادين إليهم شيئاً من ذلك ولا ممسكيه لأنفسنا . فحفر حفيراً وأمر كل قوم عندهم من ذلك متاع أو حلية أن يقذفوه في ذلك الحفير ، ثم أوعد عليه النار فأحرقه ، فقال : لا يكون لنا ولا لهم .

وكان السامري من قوم يعبدون البقر ، جيران لبني إسرائيل ، ولم يكن من بني إسرائيل ، فاحتمل مع موسى وبني إسرائيل حين احتملوا فقضي له أن رأى أثراً فقبض منه قبضة فمر بهارون فقال له هارون : يا سامري . . ألا تلقي ما في يديك ؟ وهو قابض عليه لا يراه أحد طوال ذلك ، فقال : هذه قبضة من أثر الرسول الذي جاوز بكم البحر ، ولا ألقيها لشيء ، إلا أن تدعو الله إذا ألقيتها أن يكون ما أريد ، فألقاها ودعا له هارون . فقال : أريد أن تكون عجلاً ، فاجتمع ما كان في الحفرة من متاع أو حلية أو نحاس أو حديد ، فصار عجلاً أجوف ، ليس فيه روح وله خوار .

قال ابن عباس : لا والله ما كان فيه صوت قط ، إنما كانت الريح تدخل من دبره وتخرج من فيه ، فكان ذلك الصوت من ذلك .

فتفرق بنو إسرائيل فرقاً ، فقالت فرقة : يا سامري . . ما هذا وأنت أعلم له ؟ قال : هذا ربكم ، ولكن موسى أضل الطريق !

وقالت فرقة : لا نكذب بهذا حتى يرجع إلينا موسى ، فإن كان ربنا لم نكن ضيعناه وعكفنا عليه حين رأيناه ، وإن لم يكن ربنا فإنا نتبع قول موسى .

وقالت فرقة : هذا من عمل الشيطان وليس بربنا ولا نؤمن به ولا نصدق ، وأشرب فرقة في قلوبهم الصدق بما قال السامري في العجل وأعلنوا عدم التكذيب به .

فقال لهم هارون عليه السلام : " يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن " ليس هذا .

قالوا : فما بال موسى وعدنا ثلاثين يوماً ثم أخلفنا ؟ هذه أربعون يوماً قد مضت . وقال سفهاؤهم : أخطأ ربه فهو يطلبه ويبتغيه .

فلما كلم الله موسى وقال له ما قال ، أخبره بما لقي قومه من بعده : " فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفا " فقال لهم ما سمعتم مما في القرآن " وأخذ برأس أخيه يجره إليه " وألقى الألواح من الغضب . ثم إنه عذر أخاه بعذره واستغفر له ، وانصرف إلى السامري فقال له : ما حملك على ما صنعت ؟ قال : قبضت قبضة من أثر الرسول وفطنت لها وعميت عليكم " فنبذتها وكذلك سولت لي نفسي * قال فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس وإن لك موعدا لن تخلفه وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم نسفا " ولو كان إلهاً لم يخلص إلى ذلك منه .

فاستيقن بنو إسرائيل بالفتنة ، واغتبط الذين كان رأيهم فيه مثل رأى هارون ، فقالوا لجماعتهم : يا موسى . . سل لنا ربك أن يفتح لنا باب توبة نصنعها فتكفر عنا ما عملنا . فاختار موسى من قومه سبعين رجلاً لذلك ، لا يألوا الخير من خيار بني إسرائيل ومن لم يشرك في الحق ، فانطلق بهم يسأل لهم التوبة فرجفت بهم الأرض .

فاستحيا نبي الله عليه السلام من قومه ومن وفده حين فعل بهم ما فعل فقال : " رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا " وفيهم من كان الله اطلع منه على ما أشرب قلبه من حب العجل وإيمانه به ، لذلك رجفت بهم الأرض فقال : " ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون * الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل " .

فقال : يارب . . سألتك التوبة لقومي ، فقلت : إن رحمتي كتبتها لقوم غير قومي ، فليتك أخرتني حتى تخرجني في أمة ذلك الرجل المرحوم . فقال له : إن توبتهم أن يقتل كل رجل منهم من لقي من والد وولد ، فيقتله السيف ولا يبالي من قتل في ذلك الموطن .

وتاب أولئك الذين كان خفي على موسى وهارون أمرهم ، واطلع الله من ذنوبهم فاعترفوا بها ، وفعلوا ما أمروا وغفر الله للقاتل والمقتول .

ثم سار بهم موسى عليه السلام متوجهاً نحو الأرض المقدسة ، وأخذ الألواح بعد ما سكت عنه الغضب فأمرهم بالذي أمر به من الوظائف فثقل ذلك عليهم وأبوا أن يقروا بها ، فنتق الله عليهم الجبل كأنه ظلة ، ودنا منهم حتى خافوا أن يقع عليهم ، فأخذوا الكتاب بأيمانهم وهم مصغون ينظرون إلى الجبل ، والكتاب بأيديهم وهم من وراء الجبل مخافة أن يقع عليهم . ثم مضوا حتى أتوا الأرض المقدسة ، فوجدوا مدينة فيها قوم جبارون ، خلقهم خلق منكر ، وذكروا من ثمارهم أمراً عجباً من عظمها . فقالوا : " يا موسى إن فيها قوما جبارين " لا طاقة لنا بهم ، ولا ندخلها ما داموا فيها ، " فإن يخرجوا منها فإنا داخلون " .

" قال رجلان من الذين يخافون " قيل ليزيد : هكذا قرأه ؟ قال : نعم ، من الجبارين ، آمنا بموسى وخرجا إليه ، فقالوا : نحن أعلم بقومنا إن كنتم إنما تخافون ما رأيتم من أجسامهم وعددهم فإنهم لا قلوب لهم ولا منعة عندهم ، فادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون . ويقول أناس : إنهم من قوم موسى .

فقال الذين يخافون من بني إسرائيل : " يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون " فأغضبوا موسى ، فدعا عليهم وسماهم فاسقين ، ولم يدع عليهم قبل ذلك لما رأى منهم من المعصية وإساءتهم ، حتى كان يومئذ فاستجاب الله له ، وسماهم كما سماهم موسى فاسقين ، فحرمها عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض ، يصبحون كل يوم فيسيرون ليس لهم قرار ثم ظلل عليهم الغمام في التيه ، وأنزل عليهم المن والسلوى ، وجعل لهم ثياباً لا تبلى ولا تتسخ ، وجعل بين ظهرانيهم حجراً مربعاً ، وأمر موسى فضربه بعصاه ، فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً ، في كل ناحية ثلاثة أعين ، وأعلم كل سبط عينهم التي يشربون منها ، فلا يرتحلون من محلة إلا وجدوا ذلك الحجر بينهم بالمكان الذي كان فيه بالمنزل الأول بالأمس .

رفع ابن عباس هذا الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وصدق ذلك عندي أن معاوية سمع ابن عباس يحدث هذا الحديث فأنكر عليه أن يكون الفرعوني الذي أفشى على موسى أمر القتيل الذي قتل . فقال : كيف يفشي عليه ولم يكن علم به ولا ظهر عليه إلا الإسرائيلي الذي حضر ذلك ؟ فغضب ابن عباس ، فأخذ بيت معاوية وانطلق به إلى سعد بن مالك الزهري ، فقال له : يا أبا إسحاق . . هل تذكر يوم حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتيل موسى الذي قتل من آل فرعون ؟ الإسرائيلي الذي أفضي عليه أم الفرعوني ؟ قال : إنما أفشى عليه الفرعوني بما سمع من الإسرائيلي الذي شهد ذلك وحضره .

وهكذا ساق هذا الحديث الإمام النسائي ، وأخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم في تفسيرهما من حديث يزيد بن هارون .

والأشبه - والله أعلم - أنه موقوف ، وكونه مرفوعاً فيه نظر .

وغالبة متلقى من الإسرائيليات ، وفيه شيء يسير مصرح برفعه في أثناء الكلام .

وفي بعض ما فيه نظر ونكارة ، والأغلب أنه من كلام كعب الأحبار . وقد سمعت شيخنا الحافظ أبا الحجاح المزي يقول ذلك . . والله أعلم .

 

 

من مواضيع إـبو سـ ـم ـره في المنتدى


التعديل الأخير تم بواسطة إـبو سـ ـم ـره ; 10-24-2011 الساعة 03:01 PM سبب آخر: تكملت الموضوع
  رد مع اقتباس
قديم 10-24-2011, 03:07 PM   #3
إـبو سـ ـم ـره
Guest
 
المشاركات: n/a
افتراضي

قصة نوح عليه السلام



هو نوح بن لامك بن متوشلخ بن خنوخ - وهو إدريس - بن يرد بن مهلاييل بن قينن ابن أنوش بن شيث بن آدم أبي البشر عليه السلام .

وكان مولده بعد وفاة آدم بمائة سنة وست وعشرين سنة ، فيما ذكره ابن جرير وغيره .

وعلى تاريخ أهل الكتاب المقدم يكون بين مولد نوح وموت آدم مائة وست وأربعون سنة ، وكان بينهما عشرة قرون كما قال الحافظ أبو الحاتم بن حبان في صحيحه : حدثنا محمد بن عمر بن يوسف ، حدثنا محمد بن عبد الملك بن زنجويه ، حدثنا أبو توبة ، حدثنا معاوية بن سلام ، عن أخيه زيد بن سلام سمعت أبا سلام سمعت أبا أمامة : أن رجلاً قال : يا رسول الله . . . . أنبي كان آدم ؟ قال : نعم مكلم . قال : فكم كان بينه وبين نوح ؟ قال : عشرة قرون .

قلت : وهذا على شرط مسلم ولم يخرجه .

وفي صحيح البخاري عن ابن عباس قال : " كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام " .

فإن كان المراد بالقرون مائة سنة - كما هو المتبادر عند كثير من الناس - فبينهما ألف سنة لا محالة ، لكن لا ينفي أن يكون أكثر باعتبار ما قيد به ابن عباس بالإسلام ، إذاً قد يكون بينهما قرون آخر متأخرة لم يكونوا على الإسلام ، لكن حديث أبي أمامة يدل على الحصر في عشرة قرون ، وزادنا ابن عباس : أنهم كانوا على الإسلام .

وهذا يرد قول من زعم من أهل التواريخ وغيرهم من أهل الكتاب : أن قابيل وبنيه عبدوا النار . . والله أعلم .

وإن كان المراد بالقرن الجيل من الناس كما في قوله تعالى : " وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح " وقوله : " ثم أنشأنا من بعدهم قرنا آخرين " وقال تعالى : " وقرونا بين ذلك كثيرا " وقال : " وكم أهلكنا قبلهم من قرن " وقوله عليه الصلاة والسلام : " خير القرون قرني . . " الحديث ، فقد كان الجيل قبل نوح يعمرون الدهور الطويلة ، فعلى هذا يكون بين آدم ونوح ألوف من السنين . . والله أعلم .

وبالجملة فنوح عليه السلام إنما بعثه الله تعالى لما عبدت الأصنام والطواغيت ، وشرع الناس في الضلالة والكفر ، فبعثه الله رحمة للعباد ، فكان أول رسول بعث إلى أهل الأرض ، كما يقول أهل الموقف يوم القيامة .

وكان قومه يقال لهم : بنو راسب فيما ذكره ابن جرير وغيره .

واختلفوا في مقدار سنه يوم بعث : فقيل : كان ابن خمسين سنة ، وقيل : ابن ثلاثمائة وخمسين سنة ، وقيل : ابن أربعمائة وثمانين سنة حكاها ابن جرير ، وعزا الثالثة منها إلى ابن عباس .

* * *

وقد ذكر الله قصته وما كان من قومه ، وما أنزل بمن كفر به من العذاب بالطوفان ، وكيف أنجاه وأصحاب السفينة ، في غير ما موضع من كتابه العزيز ، ففي الأعراف ويونس وهو والأبيناء والمؤمنون والشعراء والعنكبوت والصافات واقتربت ، وأنزل فيه سورة كاملة .

فقال في سورة الأعراف : " لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم * قال الملأ من قومه إنا لنراك في ضلال مبين * قال يا قوم ليس بي ضلالة ولكني رسول من رب العالمين * أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم وأعلم من الله ما لا تعلمون * أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم ولتتقوا ولعلكم ترحمون * فكذبوه فأنجيناه والذين معه في الفلك وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قوما عمين " .

وقال تعالى في سورة يونس : " واتل عليهم نبأ نوح إذ قال لقومه يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلي ولا تنظرون * فإن توليتم فما سألتكم من أجر إن أجري إلا على الله وأمرت أن أكون من المسلمين * فكذبوه فنجيناه ومن معه في الفلك وجعلناهم خلائف وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا فانظر كيف كان عاقبة المنذرين " .

وقال تعالى في سورة هود : " ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه إني لكم نذير مبين * أن لا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم * فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما نراك إلا بشرا مثلنا وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين * قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني رحمة من عنده فعميت عليكم أنلزمكموها وأنتم لها كارهون * ويا قوم لا أسألكم عليه مالا إن أجري إلا على الله وما أنا بطارد الذين آمنوا إنهم ملاقوا ربهم ولكني أراكم قوما تجهلون * ويا قوم من ينصرني من الله إن طردتهم أفلا تذكرون * ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إني ملك ولا أقول للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا الله أعلم بما في أنفسهم إني إذا لمن الظالمين * قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين * قال إنما يأتيكم به الله إن شاء وما أنتم بمعجزين * ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم هو ربكم وإليه ترجعون * أم يقولون افتراه قل إن افتريته فعلي إجرامي وأنا بريء مما تجرمون * وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن فلا تبتئس بما كانوا يفعلون * واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون * ويصنع الفلك وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه قال إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون * فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم * حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن وما آمن معه إلا قليل * وقال اركبوا فيها بسم الله مجريها ومرساها إن ربي لغفور رحيم * وهي تجري بهم في موج كالجبال ونادى نوح ابنه وكان في معزل يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين * قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم وحال بينهما الموج فكان من المغرقين * وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعدا للقوم الظالمين * ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين * قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسألن ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين * قال رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين * قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم * تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن العاقبة للمتقين " .

وقال تعالى في سورة الأنبياء : " ونوحا إذ نادى من قبل فاستجبنا له فنجيناه وأهله من الكرب العظيم * ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قوم سوء فأغرقناهم أجمعين " .

وقال تعالى في سورة قد أفلح المؤمنون : " ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون * فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم ولو شاء الله لأنزل ملائكة ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين * إن هو إلا رجل به جنة فتربصوا به حتى حين * قال رب انصرني بما كذبون * فأوحينا إليه أن اصنع الفلك بأعيننا ووحينا فإذا جاء أمرنا وفار التنور فاسلك فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول منهم ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون * فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك فقل الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين * وقل رب أنزلني منزلا مباركا وأنت خير المنزلين * إن في ذلك لآيات وإن كنا لمبتلين " .

وقال تعالى في سورة الشعراء : " كذبت قوم نوح المرسلين * إذ قال لهم أخوهم نوح ألا تتقون * إني لكم رسول أمين * فاتقوا الله وأطيعون * وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين * فاتقوا الله وأطيعون * قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون * قال وما علمي بما كانوا يعملون * إن حسابهم إلا على ربي لو تشعرون * وما أنا بطارد المؤمنين * إن أنا إلا نذير مبين * قالوا لئن لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين * قال رب إن قومي كذبون * فافتح بيني وبينهم فتحا ونجني ومن معي من المؤمنين * فأنجيناه ومن معه في الفلك المشحون * ثم أغرقنا بعد الباقين * إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين * وإن ربك لهو العزيز الرحيم " .

وقال تعالى في سورة العنكبوت : " ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما فأخذهم الطوفان وهم ظالمون * فأنجيناه وأصحاب السفينة وجعلناها آية للعالمين " .

وقال تعالى في سورة الصافات : " ولقد نادانا نوح فلنعم المجيبون * ونجيناه وأهله من الكرب العظيم * وجعلنا ذريته هم الباقين * وتركنا عليه في الآخرين * سلام على نوح في العالمين * إنا كذلك نجزي المحسنين * إنه من عبادنا المؤمنين * ثم أغرقنا الآخرين " .

وقال تعالى في سورة القمر : " كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون وازدجر * فدعا ربه أني مغلوب فانتصر * ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر * وفجرنا الأرض عيونا فالتقى الماء على أمر قد قدر * وحملناه على ذات ألواح ودسر * تجري بأعيننا جزاء لمن كان كفر * ولقد تركناها آية فهل من مدكر * فكيف كان عذابي ونذر * ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر " .

وقال تعالى : " إنا أرسلنا نوحا إلى قومه أن أنذر قومك من قبل أن يأتيهم عذاب أليم * قال يا قوم إني لكم نذير مبين * أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون * يغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر لو كنتم تعلمون * قال رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا * فلم يزدهم دعائي إلا فرارا * وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارا * ثم إني دعوتهم جهارا * ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارا * فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا * يرسل السماء عليكم مدرارا * ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا * ما لكم لا ترجون لله وقارا * وقد خلقكم أطوارا * ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقا * وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا * والله أنبتكم من الأرض نباتا * ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجا * والله جعل لكم الأرض بساطا * لتسلكوا منها سبلا فجاجا * قال نوح رب إنهم عصوني واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خسارا * ومكروا مكرا كبارا * وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا * وقد أضلوا كثيرا ولا تزد الظالمين إلا ضلالا * مما خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا نارا فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا * وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا * إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا * رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات ولا تزد الظالمين إلا تبارا " .

وقد تكلمنا على كل موضع من هذه في التفسير . وسنذكر مضمون القصة مجموعاً من هذه الأماكن المتفرقة ، ومما دلت عليه الأحاديث والآثار .

وقد جرى ذكره أيضاً في مواضع متفرقة من القرآن فيها مدحه وذم من خالفه ، فقال تعالى في سورة النساء : " إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داود زبورا * ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليما * رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزا حكيما " .

وقال في سورة الأنعام : " وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم * ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين * وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين * وإسماعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا على العالمين * ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم " . . الآيات .

وتقدمت قصته في الأعراف .

وقال في سورة براءة : " ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم قوم نوح وعاد وثمود وقوم إبراهيم وأصحاب مدين والمؤتفكات أتتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون " .

وتقدمت قصته في يونس وهود .

وقال في سورة إبراهيم : " ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله جاءتهم رسلهم بالبينات فردوا أيديهم في أفواههم وقالوا إنا كفرنا بما أرسلتم به وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب " .

وقال في سورة الإسراء : " ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبدا شكورا " وقال فيها أيضاً : " وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح وكفى بربك بذنوب عباده خبيرا بصيرا " .

وتقدمت قصته في الأنبياء والمؤمنون والشعراء والعنكبوت .

وقال في سورة الأحزاب : " وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم وأخذنا منهم ميثاقا غليظا " وقال في سورة ص : " كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وفرعون ذو الأوتاد * وثمود وقوم لوط وأصحاب الأيكة أولئك الأحزاب * إن كل إلا كذب الرسل فحق عقاب " .

وقال في سورة غافر : " كذبت قبلهم قوم نوح والأحزاب من بعدهم وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق فأخذتهم فكيف كان عقاب * وكذلك حقت كلمة ربك على الذين كفروا أنهم أصحاب النار " .

وقال في سورة الشورى : " شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب " .

وقال تعالى في سورة ق : " كذبت قبلهم قوم نوح وأصحاب الرس وثمود * وعاد وفرعون وإخوان لوط * وأصحاب الأيكة وقوم تبع كل كذب الرسل فحق وعيد " .

وقال في الذاريات : " وقوم نوح من قبل إنهم كانوا قوما فاسقين " .

وقال في سورة النجم : " وقوم نوح من قبل إنهم كانوا هم أظلم وأطغى " وتقدمت قصته في سورة اقتربت الساعة .

وقال تعالى في سورة الحديد : " ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب فمنهم مهتد وكثير منهم فاسقون " .

وقال تعالى في سورة التحريم ، " ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل ادخلا النار مع الداخلين " .

[/align]

 

 

من مواضيع إـبو سـ ـم ـره في المنتدى

  رد مع اقتباس
قديم 10-24-2011, 03:10 PM   #4
إـبو سـ ـم ـره
Guest
 
المشاركات: n/a
افتراضي

قصة هود عليه السلام




وهو هود بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح عليه السلام .

ويقال إن هوداً هو عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح ، ويقال هود بن عبد الله ابن رباح الجارود بن عاد بن عوص بن إرم ابن سام ابن نوح عليه السلام . ذكره ابن جرير .

وكان من قبيلة يقال لهم عاد بن عوص بن سام بن نوح ، وكانوا عرباً يسكنون الأحقاف - وهي جبال الرمل - وكانت باليمن بين عمان وحضرموت ، بأرض مطلة على البحر يقال لها الشحر واسم واديهم مغيث .

وكانوا كثيراً ما يسكنون الخيام ذوات الأعمدة الضخام ، كما قال تعالى : " ألم تر كيف فعل ربك بعاد * إرم ذات العماد * التي لم يخلق مثلها في البلاد " أي مثل القبيلة ، وقيل مثل العمد . والصحيح الأول كما بيناه في التفسير .

ومن زعم أن إرم مدينة تدور في الأرض ، فتارة في الشام ، وتارة في اليمن ، وتارة في الحجاز ، وتارة في غيرها ، فقد أبعد النعجة ، وقال ما لا دليل عليه ، ولا برهان يعول عليه ولا مسند يركن إليه .

وفي صحيح ابن حبان عن أبي ذر في حديثه الطويل في ذكر الأنبياء والمرسلين قال فيه : منهم أربعة من العرب : هو ، وصالح ، وشعيب ، ونبيك يا أبا ذر .

ويقال إن هوداً عليه السلام أول من تكلم بالعربية ، وزعم وهب ابن منبه أن أباه أول من تكلم بها ، وقال غيره ك أو من تكلم بها نوح ، وقيل آدم وهو الأشبه ، وقيل غير ذلك . . والله أعلم .

ويقال للعرب الذين كانوا قبل إسماعيل عليه السلام ، العرب العاربة ، وهم قبائل كثيرة : منهم عاد ، وثمود وجرهم ، وطسم ، وجديس ، وأميم ، ومدين ، وعملاق ، وجاسم ، وقحطان ، وبنو يقطن ، وغيرهم .

وأما العرب المستعربة فهم من ولد إسماعيل بن إبراهيم الخليل . وكان إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام أول من تكلم العربية الفصيحة البلغية وكان قد أخذ كلام العرب من جرهم الذي نزلوا عند أمه هاجر بالحرم كما سيأتي بيانه في موضعه إن شاء الله تعالى ، ولكن أنطقه الله بها في غاية الفصاحة والبيان . وكذلك كان يتلفظ بها رسول الله صلى الله عليه وسلم .

* * *

والمقصود أن عاداً - وهم عاد الأولى - كانوا أول من عبد الأصنام بعد الطوفان ، وكانت أصنامهم ثلاثة صمداً ، وصموداً ، وهراً .

فبعث الله فيهم أخاهم هوداً عليم السلام فدعاهم إلى الله ، كما قال تعالى بعد ذكر قوم نوح ، وما كان من أمرهم في سورة الأعراف : " وإلى عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون * قال الملأ الذين كفروا من قومه إنا لنراك في سفاهة وإنا لنظنك من الكاذبين * قال يا قوم ليس بي سفاهة ولكني رسول من رب العالمين * أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين * أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح وزادكم في الخلق بسطة فاذكروا آلاء الله لعلكم تفلحون * قالوا أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين * قال قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما نزل الله بها من سلطان فانتظروا إني معكم من المنتظرين * فأنجيناه والذين معه برحمة منا وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا وما كانوا مؤمنين " .

قال تعالى بعد ذكر قصة نوح في سورة هود : " وإلى عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إن أنتم إلا مفترون * يا قوم لا أسألكم عليه أجرا إن أجري إلا على الذي فطرني أفلا تعقلون * ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارا ويزدكم قوة إلى قوتكم ولا تتولوا مجرمين * قالوا يا هود ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين * إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء قال إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون * من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون * إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم * فإن تولوا فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم ويستخلف ربي قوما غيركم ولا تضرونه شيئا إن ربي على كل شيء حفيظ * ولما جاء أمرنا نجينا هودا والذين آمنوا معه برحمة منا ونجيناهم من عذاب غليظ * وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسله واتبعوا أمر كل جبار عنيد * وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة ألا إن عادا كفروا ربهم ألا بعدا لعاد قوم هود " .

وقال تعالى في سورة قد أفلح المؤمنون بعد قصة قوم نوح : " ثم أنشأنا من بعدهم قرنا آخرين * فأرسلنا فيهم رسولا منهم أن اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون * وقال الملأ من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة وأترفناهم في الحياة الدنيا ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون * ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون * أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون * هيهات هيهات لما توعدون * إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين * إن هو إلا رجل افترى على الله كذبا وما نحن له بمؤمنين * قال رب انصرني بما كذبون * قال عما قليل ليصبحن نادمين * فأخذتهم الصيحة بالحق فجعلناهم غثاء فبعدا للقوم الظالمين " .

وقال تعالى في سورة الشعراء بعد قصة قوم نوح أيضاً : " كذبت عاد المرسلين * إذ قال لهم أخوهم هود ألا تتقون * إني لكم رسول أمين * فاتقوا الله وأطيعون * وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين * أتبنون بكل ريع آية تعبثون * وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون * وإذا بطشتم بطشتم جبارين * فاتقوا الله وأطيعون * واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون * أمدكم بأنعام وبنين * وجنات وعيون * إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم * قالوا سواء علينا أوعظت أم لم تكن من الواعظين * إن هذا إلا خلق الأولين * وما نحن بمعذبين * فكذبوه فأهلكناهم إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين * وإن ربك لهو العزيز الرحيم " .

وقال تعالى في سورة حم السجدة : " فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة وكانوا بآياتنا يجحدون * فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا في أيام نحسات لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون " .

وقال تعالى في سورة الأحقاف : " واذكر أخا عاد إذ أنذر قومه بالأحقاف وقد خلت النذر من بين يديه ومن خلفه أن لا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم * قالوا أجئتنا لتأفكنا عن آلهتنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين * قال إنما العلم عند الله وأبلغكم ما أرسلت به ولكني أراكم قوما تجهلون * فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم * تدمر كل شيء بأمر ربها فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم كذلك نجزي القوم المجرمين " . وقال تعالى في الذاريات : " وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم * ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم " .

وقال تعالى في النجم : " وأنه أهلك عادا الأولى * وثمود فما أبقى * وقوم نوح من قبل إنهم كانوا هم أظلم وأطغى * والمؤتفكة أهوى * فغشاها ما غشى * فبأي آلاء ربك تتمارى " .

وقال تعالى في سورة اقتربت : " كذبت عاد فكيف كان عذابي ونذر * إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا في يوم نحس مستمر * تنزع الناس كأنهم أعجاز نخل منقعر * فكيف كان عذابي ونذر * ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر " .

وقال في الحاقة : " وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية * سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية * فهل ترى لهم من باقية " .

وقال في سورة الفجر : " ألم تر كيف فعل ربك بعاد * إرم ذات العماد * التي لم يخلق مثلها في البلاد * وثمود الذين جابوا الصخر بالواد * وفرعون ذي الأوتاد * الذين طغوا في البلاد * فأكثروا فيها الفساد * فصب عليهم ربك سوط عذاب * إن ربك لبالمرصاد " .

وقد تكلمنا على كل من هذه القصص في أمكانها من كتابنا التفسير . ولله الحمد والمنة .

وقد جرى ذكر عاد في سورة براءة ، وإبراهيم ، والفرقان ، والعنكبوت ، وفي سورة ص ، وفي سورة ق .

* * *

ولنذكر مضمون القصة مجموعاً من هذه السياقات ، مع ما يضاف إلى ذلك من الأخبار .

وقد قدمنا أنهم أول الأمم الذين عبدوا الأصنام بعد الطوفان . وذلك بين قوله لهم : " واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح وزادكم في الخلق بسطة " أي جعلهم أشد أهل زمانهم في الخلقة والشدة والبطش . وقال في المؤمنون : " ثم أنشأنا من بعدهم قرنا آخرين " وهم قوم هود على الصحيح .

وزعم آخرون أنهم ثمود لقوله : " فأخذتهم الصيحة بالحق فجعلناهم غثاء " قالوا : وقوم صالح هم الذين أهلكوا بالصيحة " وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية " وهذا الذي قالوه لا يمنع من اجتماع الصيحة والريح العاتية عليهم كما سيأتي في قصة أهل مدين أصحاب الأيكة فإنه اجتمع عليهم أنواع من العقوبات ، ثم لا خلاف أن عاداً قبل ثمود .

والمقصود أن عاداً كانوا جفاة كافرين ، عتاة متمردين في عبادة الأصنام ، فأرسل الله فيهم رجلاً منهم يدعوهم إلى الله وإلى إفراده بالعبادة والإخلاص له ، فكذبوه وخالفوه وتنقصوه ، فأهذهم الله أخذ عزيز مقتدر .

فلما أمرهم بعبادة الله ورغبهم في طاعته وإستغفاره ، ووعدهم على ذلك خير الدنيا والآخرة ، وتوعدهم على مخالفة ذلك عقوبة الدنيا والآخرة : " قال الملأ الذين كفروا من قومه إنا لنراك في سفاهة " أي هذا الأمر الذي تدعونا إليه سفه بالنسبة إلى ما نحن عليه من عبادة هذه الأصنام التي يرتجى منها النصر والرزق ، ومع هذا نظن أنك تكذب في دعواك أن الله أرسلك .

" قال يا قوم ليس بي سفاهة ولكني رسول من رب العالمين " أي ليس الأمر كما تظنون ولا تعتقدون : " أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين " والبلاغ يستلزم عدم الكذب في أصل المبلغ ، وعدم الزيادة فيه والنقص منه ، ويستلزم أداءه بعبارة فصيحة وجيزة جامعة مانعة لا لبس فيها ولا اختلاف ولا اضطراب .

وهو مع هذا البلاغ على هذه الصفة في غاية النصح لقومه والشفقة عليهم والحرص على هدايتهم ، ولا يبتغي منهم أجراً ولا يطلب منهم جعلاً ، بل هو مخلص لله عز وجل في الدعوة إليه والنصح لخلقه ، لا يطلب أجره إلا من الذي أرسله ، فإن خير الدنيا والآخرة كله في يديه وأمره إليه ، ولهذا قال : " يا قوم لا أسألكم عليه أجرا إن أجري إلا على الذي فطرني أفلا تعقلون " أي أما لكم عقل تميزون به وتفهمون أني أدعوكم إلى الحق المبين الذي تشهد به فطركم التي خلقتم عليها ، وهو دين الحق الذي بعث الله به نوحاً وأهلك من خالفه من الخلق . وها أنا أدعوكم إليه ولا أسألكم أجراً عليه ، بل أبتغي ذلك عند الله مالك الضر والنفع ، ولهذا قال مؤمن يس : " اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون * وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون " .

وقال قوم هود له فيما قالوا : " يا هود ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين * إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء " يقولون ما جئتنا بخارق يشهد لك بصدق ما جئت به ، ، وما نحن بالذين نترك عبادة أصنامنا عن مجرد قولك بلا دليل أقمته ولا برهان نصبته ، وما نظن إلا أنك مجنون فيما تزعمه . وعندنا أنه إنما أصابك هذا لأن بعض آلهتنا غضب عليك فأصابك في عقلك فاعتراك جنون بسبب ذلك ، وهو قولهم : " إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء " .

" قال إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون * من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون " .

وهذا تحد منه لهم ، وتبرأ من آلهتهم وتنقص منه لهم ، وبيان أنها لا تنفع شيئاً ولا تضر ، وأنها جماد حكمها حكمه وفعلها فعله ، فإن كانت كما تزعمون من أنها تنصر وتنفع وتضر فها أنا بريء منها ، لاعن لها ، فكيدوني ثم لا تنظرون أنتم جميعاً بجميع ما يمكنكم أن تصلوا إليه وتقدروا عليه ، ولا تؤخروني ساعة واحدة ، ولا طرفة عين فإني لا أبالي بكم ، ولا أفكر فيكم ، ولا أنظر إليكم . " إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم " أي أنا متوكل على الله ومتأيد به ، وواثق بجنابه الذي لا يضيع من لاذ به واستند إليه ، فلست أبالي مخلوقاً سواه ، لست أتوكل إلا عليه ولا أعبد إلا إياه .

وهذا وحده برهان قاطع على أن هوداً عبد الله ورسوله ، وأنهم على جهل وضلال في عبادتهم غير الله ، لأنهم لم يصلوا إليه بسوء ، ولا نالوا منه مكروهاً . فدل على صدقه فيما جاءهم به ، وبطلان ما هم عليه وفساد ما ذهبوا إليه .

وهذا الدليل بعينه قد استدل به نوح عليه السلام قبله في قوله : " يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلي ولا تنظرون " .

وهكذا قال الخليل عليه السلام : " ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما أفلا تتذكرون * وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون * الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون * وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم " .

" وقال الملأ من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة وأترفناهم في الحياة الدنيا ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون * ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون * أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون " .

استبعدوا أن يبعث الله رسولاً بشرياً . وهذه الشبهة أدلى بها كثير من جهلة الكفرة قديماً وحديثاً ، كما قال تعالى : " أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس " وقال تعالى : " وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا * قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا " .

ولهذا قال لهم هود عليه السلام : " أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم " أي ليس هذا بعجيب ، فإن الله أعلم حيث يجعل رسالته .

وقوله : " أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون * هيهات هيهات لما توعدون * إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين * إن هو إلا رجل افترى على الله كذبا وما نحن له بمؤمنين * قال رب انصرني بما كذبون " استعبدوا الميعاد وأنكروا قيام الأجساد بعد صيرورتها تراباً وعظاماً ، وقالوا : هيهات هيهات ، أي بعيد بعيد هذا الوعد ، " إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين " أي يموت قوم ويحيا آخرون . وهذا هو اعتقاد الدهرية ، كما يقول بعض الجهلة من الزنادقة : أرحام تدفع وأرض تبلع .

وأما الدورية فهم الذين يعتقدون أنهم يعودون إلى هذا الدار بعد كل ستة وثلاثين ألف سنة .

وهذا كله كذب وكفر وجهل وضلال ، وأقوال باطلة وخيال فاسد بلا برهان ولا دليل ، يستميل عقل الفجرة من بني آدم الذي لا يعقلون ولا يهتدون ، كما قال تعالى : " ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون " .

وقال لهم فيما وعظهم به : " أتبنون بكل ريع آية تعبثون * وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون " يقول لهم : أتبنون بكل مكان مرتفع بناء عظيماً هائلاً كالقصور ونحوها ، تعبثون ببنائها لأنه لا حاجة لكم فيه ، وما ذاك إلا لأنهم كانوا يسكنون الخيام ، كما قال تعالى : " ألم تر كيف فعل ربك بعاد * إرم ذات العماد * التي لم يخلق مثلها في البلاد " . فعاد إرم هم عاد الأولى الذين يسكنون الأعمدة التي تحمل الخيام .

ومن زعم أن إرم مدينة من ذهب وفضة وهي تنتقل في البلاد ، فقد غلط وأخطأ وقال ما لا دليل عليه .

وقوله : " وتتخذون مصانع " قيل هي القصور ، وقيل بروج الحمام ، وقيل مآخذ الماء " لعلكم تخلدون " أي رجاء منكم أن تعمروا في هذه الدار أعماراً طويلة " وإذا بطشتم بطشتم جبارين * فاتقوا الله وأطيعون * واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون * أمدكم بأنعام وبنين * وجنات وعيون * إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم " .

وقالوا له مما قالوا : " أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين " أي أجئتنا لنعبد الله وحده ، ونخالف آباءنا وأسلافنا وما كانوا عليه ؟ فإن كنت صادقين فيما جئت به فأتنا بما تعدنا من العذاب والنكال ، فإنا لا نؤمن بك ولا نتبعك ولا نصدقك .

كما قالوا : " سواء علينا أوعظت أم لم تكن من الواعظين * إن هذا إلا خلق الأولين * وما نحن بمعذبين " . أما على قراءة فتح ( الخاء ) فالمراد به اختلاق الأولين ، أي إن هذا الذي جئت به إلا اختلاق منك ، أخذته من كتب الأولين . هكذا فسر غير واحد من الصحابة والتابعين . وأما على قراءة ضم ( الخاء واللام ) فالمراد به الدين ، أي إن هذا الدين الذي نحن عليه إلا دين الأولين الآباء والأجداد من الأسلاف ، ولن نتحول عنه ولا نتغير ، ولا نزال متمسكين به .

ويناسب كلا القراءتين الأولي والثانية قولهم : " وما نحن بمعذبين " قال : " قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما نزل الله بها من سلطان فانتظروا إني معكم من المنتظرين " أي قد استحققتم بهذا المقالة الرجس والغضب من الله ، أتعارضون عبادة الله وحده لا شريك له ، بعبادة أصنام نحتموها وسميتموها آلهة من تلقاء أنفسكم ؟ اصطلحتم عليها أنتم وآباؤكم ، ما نزل الله بها من سلطان . أي لم ينزل علي ما ذهبتم إليه دليلاً ولا برهاناً . وإذ أبيتم قبول الحق وتماديتم في الباطل ، وسواء عليكم أنهيتكم عما أنتم فيه أم لا ، فانتظروا الآن عذاب الله الواقع بكم ، وبأسه الذي لا يرد ونكاله الذي لا يصد .

* * *

وقال تعالى : " قال رب انصرني بما كذبون * قال عما قليل ليصبحن نادمين * فأخذتهم الصيحة بالحق فجعلناهم غثاء فبعدا للقوم الظالمين " وقال تعالى : " قالوا أجئتنا لتأفكنا عن آلهتنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين * قال إنما العلم عند الله وأبلغكم ما أرسلت به ولكني أراكم قوما تجهلون * فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم * تدمر كل شيء بأمر ربها فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم كذلك نجزي القوم المجرمين " .

وقد ذكر الله تعالى خبر أهلاكهم في غير ما آية كما تقدم مجملاً ومفصلاً ، كقوله : " فأنجيناه والذين معه برحمة منا وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا وما كانوا مؤمنين " وكقوله : " ولما جاء أمرنا نجينا هودا والذين آمنوا معه برحمة منا ونجيناهم من عذاب غليظ * وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسله واتبعوا أمر كل جبار عنيد * وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة ألا إن عادا كفروا ربهم ألا بعدا لعاد قوم هود " وكقوله : " فأخذتهم الصيحة بالحق فجعلناهم غثاء فبعدا للقوم الظالمين " وقوله تعالى : " فكذبوه فأهلكناهم إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين * وإن ربك لهو العزيز الرحيم " .

وأما تفصيل أهلاكهم فكما قال تعالى : " فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم " كان هذا أول ما ابتدأهم العذاب ، أنهم كانوا ممحلين مسنتين فطلبوا السقيا فرأوا عارضاً في السماء وظنوه سقيا رحمة ، فإذا هو سقيا عذاب ، ولهذا قال تعالى : " بل هو ما استعجلتم به " أي من وقوع العذاب وهو قولهم : " فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين " ومثلها في الأعراف .

وقد ذكر المفسرون وغيرهم ها هنا الخبر الذي ذكر الإمام محمد بن إسحاق بن يسار ، قال : فلما أبوا إلا الكفر بالله عز وجل ، أمسلك عنهم القطر ثلاث سنين ، حتى جهدهم ذلك ، قال : وكان الناس إذا جهدهم أمر في ذلك الزمان فطلبوا من الله الفرج منه إنما يطلبونه بحرمه ومكان بيته ، وكان معروفاً عند أهل ذلك الزمان ، وبه العماليق مقيمون ، وهم من سلالة معليق بن لاوذ بن سام بن نوح ، وكان سيدهم إذا ذاك رجلاً يقال له معاوية بن بكر ، وكانت أمه من قوم عاد واسمها جلهذة ابنة الخيبري . قال : فبعث عاد وفراد قريباً من سبقين رجلاً ليستسقوا لهم عند الحرم ، فمروا بمعاوية بن بكر بظاهر مكة ، فنزلوا عليه فأقاموا عنده شهراً ، يشربون الخمر ، وتغنيهم الجرادتان ، قينتان لمعاوية ، وكانوا قد وصلوا إليه في شهر . فلما طال مقامهم عنده ، وأخذته شفقة على قومه ، واستحيا منهم أن يأمرهم بالإنصراف ، عمل شعراً يعرض لهم فيه بالإنصراف ، وأمر القينتين أن تغنيهم به ، فقال :

ألا يقيــــل ويحــــــك قم فهبنم لعـل الله يصبحنـا غمـــامــا

فيسقي أرض عـــاد إن عـــاداً قد أمسوا لا يبينون الكلاما

من العطش الشديد فليس نرجو به الشيخ الكبير ولا الغـلاما

وقـــد كانت نســـــــاؤهم بخير فقـد أمست نساؤهم أيامى

وأن الــوحش يــأتيهم جهــاراً ولا يخشى لعــــاد سهــامــا

وأنتم هــــاهنـــا فيما اشتهيتم نهـــاركم وليلكــم تمـــامــــا

فقبـح وفــدكم من وفــد قــوم ولا لقــوا التحيـــة والســلامــا

قال : فعند ذلك تنبه القوم لما جاءوا له فنهضوا إلى الحرم ودعوا لقومهم ، فدعا داعيهم وهو قيل بن عنز ، فأنشأ الله سحابات ثلاثة : بيضاء وحمراء وسوداء ، ثم ناداه مناد من السماء : اختر لنفسك - أو لقومك - من هذا السحاب ، فقال : اخترت السحابة السوداء فإنها أكثر السحاب ماء ، فناداه مناد : اخترت رماد رمدداً ، لا تبقى من عاد أحداً ، لا والداً يترك ولا ولداً ، إلا جعلته همداً إلا بني اللوذية الهمدا قال : وهم بطن من عاد كانوا مقيمين بمكة ، فلم يصبهم ما أصاب قومهم . قال : ومن بقي من أنسابهم وأعقابهم هم عاد الآخرة .

قال : وساق الله السحابة السوداء التي اختارها قيل بن عنز بما فيها من النقمة إلى عاد ، حتى تخرج عليهم من واد يقال له المغيث ، فلما رأوها استبشروا وقالوا : هذا عارض ممطرنا فيقول تعالى : " بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم * تدمر كل شيء بأمر ربها " أي تهلك كل شيء أمرت به .

فكان أول من أبصر ما فيها وعرف أنها ريح فيما يذكرون امرأة من عاد يقال لها مهد فلما تبينت ما فيها صاحت ثم صعقت . فلما أفاقت قالوا : ما رأيت يا مهد ؟ قالت : رأيت ريحاً فيها شبه النار أمامها رجال يقودونها . فسخرها الله عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوماً ، والحسوم : الدائمة ، فلم تدع من عاد أحداً إلا هلك .

قال : واعتزل هود - عليه السلام - فيما ذكر لي - في حظيرة هو ومن معه من المؤمنين ، ما يصيبهم إلا ماتلين عليه الجلود ، وتلذ الأنفس ، وإنها لتمر على عاد بالظعن فيما بين السماء والأرض ، وتدمغهم بالحجارة . وذكر تمام القصة .

وقد روى الإمام أحمد حديثاً في مسنده يشبه هذه القصة فقال : حدثنا زيد بن الخباب ، حدثنى أبو المنذر سلام بن سليمان النحوي ، حدثنا عاصم بن أبي النجود ، عن أبي وائل ، عن الحارث - وهو ابن حسان - ويقال ابن يزيد البكري ، قال : خرجت أشكو العلاء بن الحضرمي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فمررت بالزبذة ، فإذا عجوز من بني تميم منقطع بها ، فقال لي : يا عبد الله . . إن لي إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم حاجة ، فهل أنت مبلغي إليه ؟

قال : فحملتها فأتيت المدينة فإذا المسجد غاص بأهله ، وإذا راية سوداء تخفق ، إذا بلال متقلد السيف بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقلت : ما شأن الناس ؟ قالوا : يريد أن يبعث عمرو بن العاص وجهاً .

قال : فجلست ، قال : فدخل منزله - أو قال رحله - فاستأذنت عليه فأذن لي ، فدخلت فسلمت فقال : هل كان بينكم وبين بني تميم شيء ؟ فقلت : نعم . وكانت لنا الدائرة عليهم ومررت بعجوز من بني تميم منقطع بها ، فسألتني أن أحملها إليك وها هي ذي بالباب ، فأذن لها فدخلت ، فقالت : يا رسول الله . . إن رأيت أن تجعل بيننا وبين بني تميم حاجزاً ، فاجعل الدهناء فإنها كانت لنا ، قال : فحميت العجوز واستوفزت وقالت : يا رسول الله . . فإلى أين يضطر مضطرك ؟ قال : قلت : إن مثلي ما قال الأول : معزى حملت حتفها ، حملت هذه الأمة ولا أشعر أنها كانت لي خصماً ، أعوذ بالله ورسوله أن أكون كوافد عاد ، قال : هيه . . وما وافد عاد ؟ وهو أعلم بالحديث مني ولكن يستطعمه .

قلت : إن عاداً قحطوا فبعثوا وافداً لهم يقال له : قيل ، فمر بمعاوية بن بكر فأقام عنده شهراً يسقيه الخمر وتغنيه جاريتان يقال لهما : الجرادتان ، فلما مضى الشهر خرج إلى جبال تهامة ، فقال : اللهم إنك تعلم أني لم أجىء إلى مريض فأداويه ، ولا إلى أسير فأفاديه ، اللهم اسق عاداً ما كنت تسقيه . فمرت به سحابات سود فنودى منها : اختر . فأومأ إلى سحابة منها سوداً ، فنودي منها : خذها رماداً رمدداً ولا تبقى من عاد أحداً ، قال : فما بلغني أنه بعث عليهم من الريح إلا كقدر ما يجري في خاتمي هذا من الريح حتى هلكوا .

قال أبو وائل : وصدق : وكانت المرأة والرجل إذا بعثوا وافداً لهم قالوا : لا تكن كوافد عاد .

وهكذا رواه الترمذي ، عن عبد بن حميد ، عن زيد بن الحباب به . ورواه النسائي من حديث سلام أبي المنذر ، عن عاصم بن بهدلة ، ومن طريقه رواه ابن ماجه . وهكذا أورد هذا الحديث وهذه القصة عند تفسير هذه القصة غير واحد من المفسرين كابن جرير وغيره .

وقد يكون هذا السياق لإهلاك عاد الآخرة ، فإن فيما ذكره ابن إسحاق وغيره ذكر لمكة ، ولم تبن إلا بعد إبراهيم الخليل ، حين أسكن فيها هاجر وابنه إسماعيل ، فنزلت جرهم عندهم كما سيأتي ، وعاد الأولى قبل الخليل ، وفيه ذكر معاوية بن بكر وشعره ، وهو من الشعر المتأخر عن زمان عاد الأولى ، ولا يشبه كلام المتقدمين . وفيه أن في تلك السحابة شرر نار ، وعاد الأولى إنما أهلكوا بريح صرصر ، وقد قال ابن مسعود وابن عباس وغير واحد من أئمة التابعين : هي الباردة والعاتية الشديدة الهبوب .

" سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما " أي كوامل متتابعات . قيل : كان أولها الجمعة ، وقيل الأربعاء .

" فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية " شبههم بأعجاز النخل التي لا رؤس لها ، وذلك لأن الريح كانت تجيء إلى أحدهم فتحمله فترفعه في الهواء ، ثم تنكسه على أم رأسه فتشدخه فيبقى جثة بلا رأس ، كما قال : " إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا في يوم نحس مستمر " أي في يوم نحس عليهم ، مستمر عذابه عليهم .

" تنزع الناس كأنهم أعجاز نخل منقعر " ومن قال إنه اليوم النحس المستمر يوم الأربعاء وتشاءم به لهذا الفهم ، فقد أخطأ وخالف القرآن ، فإنه قال في الآية الأخرى : " فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا في أيام نحسات " ومعلوم أنها ثمانية أيام متتابعات ، فلو كانت نحسات في أنفسها لكانت جميع الأيام السبعة المندرجة فيها مشئومة ، وهذا لا يقوله أحد ، وإنما المراد في أيام نحسات ، أي عليهم .

وقال تعالى : " وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم " أي التي لا تنتج خيراً ، فإن الريح المنفردة لا تثير سحاباً ولا تلقح شجراً ، بل هي عقيم لا نتيجة خير لها ، ولهذا قال : " ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم " أي كالشيء البالي الفاني الذي لا ينتفع به بالكلية .

وقد ثبت في الصحيحين من حديث شعبة عن الحكم عن مجاهد عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " نصرت بالصبا ، وأهلكت عاد بالدبور " .

وأما قوله تعالى : " واذكر أخا عاد إذ أنذر قومه بالأحقاف وقد خلت النذر من بين يديه ومن خلفه أن لا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم " فالظاهر أن عاداً هذه هي عاد الأولى ، فإن سياقها شبيه بسياق قوم هود وثم الأولى ، ويحتمل أن يكون المذكورون في هذه القصة هم عاد الثانية . ويدل عليه ما ذكرنا وما سيأتي من الحديث عن عائشة رضي الله عنها .

وأما قوله : " فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا " فإن عاداً لما رأوا هذا العارض وهي الناشيء في الجو كالسحاب ظنوه سحاباً ممطراً ، فإذا هو سحاب عذاب ، اعتقدوه رحمه فإذا هو نقمة ، رجوا فيه الخير فنالوا منه غاية الشر . قال الله تعالى : " بل هو ما استعجلتم به " أي من العذاب ، ثم فسره بقوله : " ريح فيها عذاب أليم " يحتمل أن ذلك العذاب هو ما أصابهم من الريح الصرصر العاتية الباردة الشديدة الهبوب ، التي استمرت عليهم سبع ليال بأيامها الثمانية فلم تبق منهم أحداً ، بل تتبعهم حتى كانت تدخل عليهم كهوف الجبال والغيران فتلفهم وتخرجهم وتهلكهم ، وتدمر عليهم البيوت المحكمة والقصور المشيدة ، فكما منوا بشدتهم وبقوتهم وقالوا : من أشد منا قوة ؟ سلط الله عليهم ما هو أشد منهم قوة ، وأقدر عليهم ، وهو الريح العقيم .

ويحتمل أن هذه الريح أثارت في آخر الأمر سحابة ، ظن من بقي منهم أنها سحابة فيها رحمة بهم ، وغياث لمن بقي منهم ، فأرسلها الله عليهم شرراً وناراً . كما ذكره غير واحد . ويكون هذا كما أصاب أصحاب الظلة من أهل مدين ، وجمع لهم بين الريح الباردة والمذاب النار ، وهو أشد ما يكون من العذاب بالأشياء المختلفة المتضادة ، مع الصيحة التي ذكرها في سورة قد أفلح المؤمنون . . والله أعلم .

وقد قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا محمد بن يحيى بن الضريس ، حدثنا ابن فضيل عن مسلم ، عن مجاهد ، عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما فتح الله على عاد من الريح التي أهلكوا بها إلا مثل موضع الخاتم ، فمرت بأهل البادية فحملتهم ومواشيهم وأموالهم بين السماء والأرض ، فلما رأى ذلك أهل الحاضرة من عاد ، الريح وما فيها " قالوا هذا عارض ممطرنا " فألقت أهل البادية ومواشيهم على أهل الحاضرة ".

وقد رواه الطبراني عن عبدان بن أحمد ، عن إسماعيل بن زكريا الكوفي ، عن أبي مالك ، عن مسلم الملائي ، عن مجاهد وسعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما فتح الله على عاد من الريح إلا مثل موضع الخاتم ، ثم أرسلت عليهم البدو إلى الحضر ، فلما رآها أهل الحضر قالوا : هذا عارض ممطرنا مستقبل أوديتنا . وكان أهل البوادي فيها ، فألقى أهل البادية على أهل الحاضرة حتى هلكوا " .

قالت : عتت على خرانها حتى خرجت من خلال الأبواب : قلت : وقال غيره : خرجت بغير حساب .

والمقصود أن هذا الحديث في رفعه نظر ، ثم اختلف فيه على مسلم الملائي ، وفيه نوع اضطراب . . والله أعلم .

وظاهر الآية أنهم رأوا عارضاً والمفهوم منه لغة السحاب ، كما دل عليه حديث الحارث بن حسان البكري ، إن جعلناه مفسراً لهذه القصة .

وأصرح منه في ذلك ما رواه مسلم في صحيحه حيث قال : حدثنا أبو بكر الظاهر ، حدثنا ابن وهب قال : سمعت ابن جريج ، حدثنا عن عطاء بن أبي رباح ، عن عائشة رضي الله عنها قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا عصفت الريح قال : " اللهم إني أسألك خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به ، وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به " . قالت : وإذا غيبت السماء تغير لونه ، وخرج ودخل ، وأقبل وأدبر . فإذا أمطرت سرى عنه ، فعرفت ذلك عائشة فسألته فقال : لعله يا عائشة كما قال قوم عاد : " فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا " .

رواه الترمذي و النسائي و ابن ماجه ، من حديث ابن جريج .

طريق أخرى : قال الإمام أحمد : حدثنا هارون بن معروف ، أنبأنا عبد الله بن وهب ، أنبأنا عمرو - وهو ابن الحارث - أن أبا النضر حدثه عن سليمان بن يسار ، عن عائشة أنها قالت : ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مستجمعاً ضاحكاً قط حتى أرى منه لهواته ، إنما كان يبتسم وقالت : كان إذا رأى غيماً أو ريحاً عرف ذلك في وجهه ، قالت : يا رسول الله . . إن الناس إذا رأوا الغيم فرحوا رجاء أن يكون فيه المطر ، وأراك إذا رأيته عرف في وجهك الكراهية ؟ فقال : " يا عائشة . . ما يؤمنني أن يكون فيه عذاب ! قد عذب قوم نوح بالريح "، وقد رأى إليه أولاً ، فعلى هذا تكون القصة المذكورة في سورة الأحقاف خبراً عن قوم عاد الثانية وتكون بقية السياقات في القرآن خبراً عن عاد الأولى . . والله أعلم بالصواب .

وهكذا رواه مسلم عن هارون بن معروف ، وأخرجه البخاري و أبو داود من حديث ابن وهب .

وقدمنا حج هود عليه السلام عند ذكر حج نوح عليه السلام . وروى عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أنه ذكر صفة قبر هود عليه السلام في بلاد اليمن . وذكر آخرون أنه بدمشق وبجامعها مكان في حائطه القبلى يزعم بعض الناس أنه قبر هود عليه السلام . . والله أعلم .

 

 

من مواضيع إـبو سـ ـم ـره في المنتدى

  رد مع اقتباس
قديم 10-24-2011, 03:13 PM   #5
إـبو سـ ـم ـره
Guest
 
المشاركات: n/a
افتراضي

قصة إبراهيم الخليل عليه السلام



هو إبراهيم بن تارخ (250 ) بن ناحور ( 148 ) بن ساروغ ( 230 ) بن راغو ( 239 ) ابن فالغ ( 439 ) بن عابر ( 464 ) بن شالح ( 433 ) ابن أرفخشذ ( 438 ) ابن سام ( 600 ) بن نوح عليه السلام .

هذا نص أهل الكتاب في كتابهم ، وقد أعلمت على أعمارهم تحت أسمائهم بالهندي كما ذكروه من المدد وقدمنا الكلام على عمر نوح عليه السلام فأغنى عن إعادته .

وحكى الحافظ ابن عساكر في ترجمة إبراهيم الخليل من تاريخه ، عن إسحاق بن بشر الكاهلي صاحب كتاب المبتدأ أن اسم أم إبراهيم أميلة ثم أورد عنه في خبر ولادتها له حكاية طويلة وقال الكلبي : اسمها بونا بنت كربتا بن كرثي ، من بني أرفخشذ بن سام بن نوح .

وروى ابن عساكر من غير وجه عن عكرمة أنه قال : كان إبراهيم عليه السلام يكنى أبا الضيفان .

قالوا : ولما كان عمر تارخ خمساً وسبعين سنة ولد له إبراهيم عليه السلام يكنى ، وناحور وهاران ، وولد لهاران لوط .

وعندهم أن إبراهيم عليه السلام هو الأوسط ، وأن هاران مات في حياة أبيه في أرضه التي ولد فيها ، وهي أرض الكلدانيين ، يعنون أرض بابل .

وهذا هو الصحيح المشهور عند أهل السير والتواريخ والأخبار ، وصحح ذلك الحافظ ابن عساكر ، بعد ما روى من طريق هشام بن عمار ، عن الوليد ، عن سعيد بن عبد العزيز ، عن مكحول ، عن ابن عباس قال : ولد إبراهيم بغوطة دمشق ، في قرية يقال لها برزة ، في جبل يقال له قاسيون ثم قال : والصحيح أنه ولد ببابل ، وإنما نسب إليه هذا المقام لأنه صلى فيه إذ جاء معيناً للوط عليه السلام .

قالوا : فتزوج إبراهيم سارة وناحور ملكا ابنة هاران يعنون ابنة أخيه .

قالوا : وكانت سارة عاقراً لا تلد .

قالوا : وانطلق تارخ بابنه إبراهيم وامرأته سارة وابن أخيه لوط بن هاران ، فخرج بهم من أرض الكلدانيين إلى أرض الكنعانيين ، فنزلوا حران فمات فيها تارخ وله مائتان وخمسون سنة .

وهذا يدل على أنه لم يولد بحران ، وإنما مولده بأرض الكلدانيين وهي أرض بابل وما والاها .

ثم ارتحلوا قاصدين أرض الكنعانعيين ، وهي بلاد بيت المقدس ، فأقاموا بحران وهي أرض الكلدانيين في ذلك الزمان ، وكذلك أرض الجزيرة والشام أيضاً ، وكانوا على الكواكب السبعة ، والذين عمروا مدينة دمشق كانوا على هذا الدين ، يستقبلون القطب الشمالي ويعبدون الكواكب السبعة بأنواع من الفعال والمقال . ولهذا كان على كل باب من أبواب دمشق السبعة القديمة هيكل لكوكب منها ، ويعملون لها أعياداً وقرابين .

وهكذا كان أهل حران يعبدون الكواكب والأصنام وكل من كان على وجه الأرض كانوا كفاراً ، سوى إبراهيم الخليل وامرأته وابن أخيه لوط عليه السلام .

وكان الخليل عليه السلام هو الذي أزال الله به تلك الشرور ، وأبطل به ذاك الضلال ، فإن الله سبحانه وتعالى آتاه رشده في صغره ، وابتعثه رسولاً واتخذه خليلاً في كبره ، قال الله تعالى : " ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين " أي أهلاً لذلك .

وقال تعالى : " وإبراهيم إذ قال لقومه اعبدوا الله واتقوه ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون * إنما تعبدون من دون الله أوثانا وتخلقون إفكا إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقا فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له إليه ترجعون * وإن تكذبوا فقد كذب أمم من قبلكم وما على الرسول إلا البلاغ المبين * أولم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده إن ذلك على الله يسير * قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة إن الله على كل شيء قدير * يعذب من يشاء ويرحم من يشاء وإليه تقلبون * وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير * والذين كفروا بآيات الله ولقائه أولئك يئسوا من رحمتي وأولئك لهم عذاب أليم * فما كان جواب قومه إلا أن قالوا اقتلوه أو حرقوه فأنجاه الله من النار إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون * وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا ومأواكم النار وما لكم من ناصرين * فآمن له لوط وقال إني مهاجر إلى ربي إنه هو العزيز الحكيم * ووهبنا له إسحاق ويعقوب وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين " .

ثم ذكر تعالى مناظرته لأبيه وقومه كما سنذكره إن شاء الله تعالى .

* * *

وكان أول دعوته لأبيه ، وكان أبوه ممن يعبد الأصنام ، لأنه أحق الناس بإخلاص النصيحة له كما قال تعالى : " واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا * إذ قال لأبيه يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا * يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا * يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيا * يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا * قال أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني مليا * قال سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا * وأعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعو ربي عسى أن لا أكون بدعاء ربي شقيا " .

فذكر تعالى ما كان بينه وبين أبيه من المحاورة والمجادلة ، وكيف دعا أباه إلى الحق بألطف عبارة وأحسن إشارة ، بين له بطلان ما هو عليه من عبادة الأوثان التي لا تسمع دعاء عابدها ، ولا تبصر مكانه ، فكيف تغني عنه شيئاً أو تفعل به خيراً من رزق أو نصر ؟ ثم قال له منبهاً على ما الله من الهدى والعلم النافع ، وإن كان أصغر سناً من أبيه : " يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا " أي مستقيماً واضحاً سهلاً حنيفاً يفضي بك إلى الخير في دنياك وأخراك .

فلما عرض هذا الرشد عليه ، وأهدى هذه النصيحة إليه لم يقبلها منه ولا أخذها عنه ، بل تهدده وتوعده قال : " أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لأرجمنك " قيل : بالمقال ، وقيل : بالفعال . " واهجرني مليا " أي واقطعني وأطل هجراني . فعندها قال له إبراهيم : " سلام عليك " أي لا يصلك منى مكروه ولا ينالك منى أذى ، بل أنت سالم من ناحيتي ، وزاده خيراً فقال : " سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا " قال ابن عباس وغيره أي لطيفاً ، يعني في أن هداني لعبادته والإخلاص له . ولهذا قال : " وأعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعو ربي عسى أن لا أكون بدعاء ربي شقيا " .

وقد استغفر له إبراهيم عليه السلام كما وعده في أدعيته ، فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه كما قال تعالى : " وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم " .

وقال البخاري : حدثنا إسماعيل بن عبد الله : حدثني أخى عبد الحميد ، عن ابن أبي ذئب ، عن سعيد المقبري ، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة وعلى وجه آزر قترة وغبرة ، فيقول له إبراهيم : ألم أقل لك لا تعصني ؟ فيقول له أبوه : فاليوم لا أعصيك ، فيقول إبراهيم : يارب . . إنك وعدتني ألا تخزيني يوم يبعثون ، فأي خزي أخزي من أبي الأبعد ؟ فيقول الله : إني حرمت الجنة على الكافرين . ثم يقال : يا إبراهيم . . ما تحت رجليك ؟ فينظل فإذا هو بذبح متلطخ . فيؤخذ بقوائمه فيلقى في النار " . هكذا رواه في قصة إبراهيم منفرداً .

وقال في التفسير : وقال إبراهيم بن طهمان ، عن ابن أبي ذئب ، عن سعيد المقبري ، عن أبيه عن أبي هريرة .

وهكذا رواه النسائي عن أحمد بن حفص بن عبد الله ، عن أبيه ، عن إبراهيم بن طهمان به . وقد رواه البزار عن حديث حماد بن سلمة عن أيوب ، عن محمد بن سيرين ، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وفي سياقه غرابة ، ورواه أيضاً من حديث قتادة عن عقبة بن عبد الغافر ، عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه .

وقال تعالى : " وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة إني أراك وقومك في ضلال مبين " هذا يدل على أن اسم أبي إبراهيم آزر ، وجمهور أهل النسب ، منهم ابن عباس ، على أن اسم أبيه تارح وأهل الكتاب يقولون تارخ بالخاء المعجمة ، فقيل : إنه لقب بصنم كان يعبده اسمه آزر .

وقال ابن جرير : والصواب أن اسمه آزر ولعل له اسمان علمان ، أو أحدهما لقب والآخر علم . وهذا الذي قاله محتمل . . والله أعلم .

* * *

ثم قال تعالى : " وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين * فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الأفلين * فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين * فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون * إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين * وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما أفلا تتذكرون * وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون * الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون * وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم " .

وهذا المقام مقام مناظرة لقومه ، وبيان لهم أن هذه الأجرام المشاهدة من الكواكب النيرة ، لا تصلح للألوهية ، ولا أن تعبد مع الله عز وجل ، لأنها مخلوقة مربوبة مصنوعة مدبرة مسخرة ، تطلع تارة وتأفل أخرى ، فتغيب عن هذا العالم ، والرب تعالى لا يغيب عنه شيء ولا تخفى عليه خافية ، بل هو الدائم الباقي بلا زوال ، لا إله إلا هو ولا رب سواه .

فبين لهم أولاً عدم صلاحية الكوكب لذلك ، قيل هو الزهرة ، ثم ترقى منها إلى القمر الذي هو أضوأ منها وأبهى من حسنها ، ثم ترقى إلى الشمس التي هي أشد الأجرام المشاهدة ضياء وسناء وبهاء ، فبين أنها مسخرة مسيرة مقدرة مربوبة ، كما قال تعالى : " ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون " .

ولهذا قال : " فلما رأى الشمس بازغة " أي طالعة " قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون * إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين * وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا " أي لست أبالي هذه الآلهة التي تعبدونها من دون الله ، فإنها لا تنفع شيئاً ولا تسمع ولا تعقل ، بل هي مربوبة مسخرة كالكواكب ونحوها ، أو مصنوعة منحوتة منجورة .

والظاهر أن موعظته هذه في الكواكب لأهل حران ، فإنهم كانوا يعبدونها . وهذا يرد قول من زعم أنه قال هذا حين خرج من السرب لما كان صغيراً ، كما ذكره ابن إسحاق وغيره ، وهو مستند إلى أخبار إسرائيلية لا يوثق بها ، ولا سيما إذا خالفت الحق .

* * *

وأما أهل بابل فكانوا يعبدون الأصنام ، وهم الذين ناظرهم في عبادتهم وكسرها عليهم ، وأهانها وبين بطلانها ، كما قال تعالى : " وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا ومأواكم النار وما لكم من ناصرين " .

وقال في سورة الأنبياء : " ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين * إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون * قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين * قال لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين * قالوا أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين * قال بل ربكم رب السماوات والأرض الذي فطرهن وأنا على ذلكم من الشاهدين * وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين * فجعلهم جذاذا إلا كبيرا لهم لعلهم إليه يرجعون * قالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين * قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم * قالوا فاتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون * قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم * قال بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون * فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون * ثم نكسوا على رؤوسهم لقد علمت ما هؤلاء ينطقون * قال أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم * أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون * قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين * قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم * وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين " .

وقال في سورة الشعراء : " واتل عليهم نبأ إبراهيم * إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون * قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين * قال هل يسمعونكم إذ تدعون * أو ينفعونكم أو يضرون * قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون * قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون * أنتم وآباؤكم الأقدمون * فإنهم عدو لي إلا رب العالمين * الذي خلقني فهو يهدين * والذي هو يطعمني ويسقين * وإذا مرضت فهو يشفين * والذي يميتني ثم يحيين * والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين * رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين " .

وقال في سورة الصافات : " وإن من شيعته لإبراهيم * إذ جاء ربه بقلب سليم * إذ قال لأبيه وقومه ماذا تعبدون * أئفكا آلهة دون الله تريدون * فما ظنكم برب العالمين * فنظر نظرة في النجوم * فقال إني سقيم * فتولوا عنه مدبرين * فراغ إلى آلهتهم فقال ألا تأكلون * ما لكم لا تنطقون * فراغ عليهم ضربا باليمين * فأقبلوا إليه يزفون * قال أتعبدون ما تنحتون * والله خلقكم وما تعملون * قالوا ابنوا له بنيانا فألقوه في الجحيم * فأرادوا به كيدا فجعلناهم الأسفلين " .

يخبر الله تعالى عن إبراهيم خليله عليه السلام ، أنه أنكر على قومه عبادة الأوثان وحقرها عندهم وصغرها وتنقصها ، فقال : " ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون " ؟ أي معتكفون عندها وخاضعون لها ، قالوا : " وجدنا آباءنا لها عابدين " أي ما كان حجتهم إلا صنيع الآباء والأجداد ، وما كانوا عليه من عبادة الأنداد .

" قال لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين " كما قال تعالى : " إذ قال لأبيه وقومه ماذا تعبدون * أئفكا آلهة دون الله تريدون * فما ظنكم برب العالمين " قال قتادة : فما ظنكم به أنه فاعل بكم إذا لقيتموه وقد عبدتم غيره ؟

وقال لهم : " هل يسمعونكم إذ تدعون * أو ينفعونكم أو يضرون * قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون " سلموا له أنها لا تسمع داعياً ولا تنفع ولا تضر شيئاً ، وإنما الحامل لهم على عبادتها الإقتداء بأسلافهم ومن هو مثلهم في الضلال من الآباء الجهال . ولهذا قال لهم : " أفرأيتم ما كنتم تعبدون * أنتم وآباؤكم الأقدمون * فإنهم عدو لي إلا رب العالمين " .

وهذا برهان قاطع على بطلان إلهية ما ادعوه من الأصنام ، لأنه تبرأ منها وتنقص بها فلو كانت تضر لضرته ، أو تؤثر لأثرت فيه . " قالوا أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين " ؟ ويقولون : هذا الكلام الذي تقوله لنا وتتنقص به آلهتنا ، وتطعن بسببه في آبائنا أتقوله محقاً جاداً فيه أم لاعباً ؟

" قال بل ربكم رب السماوات والأرض الذي فطرهن وأنا على ذلكم من الشاهدين " يعني بل أقول لكم ذلك جاداً محقاً ، إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو ، ربكم ورب كل شيء ، فاطر السموات والأرض ، الخالق لهما على غير مثال سبق ، فهو المستحق للعبادة وحده لا شريك له ، وأنا على ذلكم من الشاهدين .

وقوله : " وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين " أقسم ليكيدن هذه الأصنام التي يعبدونها بعد أن تولوا مدبرين إلى عيدهم .

قيل : إنه قال : هذا خفية في نفسه . وقال ابن مسعود : سمعه بعضهم .

وكان لهم عيد يذهبون إليه في كل عام مرة إلى ظاهر البلد ، فدعاه أبوه ليحضره فقال : إني سقيم . كما قال تعالى : " فنظر نظرة في النجوم * فقال إني سقيم " عرض لهم في الكلام حتى توصل إلى مقصوده من إهانة أصنامهم ونصرة دين الله الحق ، وبطلان ما هم عليه من عبادة الأصنام التي تستحق أن تكسر وأن تهان غاية الإهانة .

فلما خرجوا إلى عيدهم ، واستقر هو في بلدهم " راغ إلى آلهتهم " أي ذهب إليها مسرعاً مستخفياً ، فوجدها في بهو عظيم ، وقد وضعوا بين أيديها أنواعاً من الأطعمة قرباناً إليها فقال لها على سبيل التهكم والإزدراء : " ألا تأكلون * ما لكم لا تنطقون * فراغ عليهم ضربا باليمين " لأنها أقوى وأبطش وأسرع وأقهر ، فكسرها بقدوم في يده كما قال تعالى : " فجعلهم جذاذا " أي حطاماً ، كسرها كلها " إلا كبيرا لهم لعلهم إليه يرجعون " قيل إنه وضع القدوم في يد الكبير ، إشارة إلى أنه غار أن تعبد معه هذه الصغار !

فلما رجعوا من عيدهم ووجدوا ما حل بمعبودهم : " قالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين " .

وهذا فيه دليل ظاهر لهم لو كانوا يعقلون ، وهو ما حل بآلهتهم التي كانوا يعبدونها ، فلو كانت آلهة لدفعت عن أنفسها من أرادها بسوء لكنهم قالوا من جهلهم وقلة عقلهم وكثرة ضلالهم وخيالهم : " من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين " .

" قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم " أي يذكرها بالعيب والتنقص لها والإزدراء بها ، فهو المقيم عليها والكاسر لها وعلى قول ابن مسعود ، أي يذكرها بقوله : " وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين " .

" قالوا فاتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون " أي في الملأ الأكبر على رءوس الأشهاد ، لعلهم يشهدون مقالته ويسمعون كلامه ، ويعاينون ما يحل به من الإقتصاص منه .

وكان هذا أكبر مقاصد الخليل عليه السلام أن يجتمع الناس كلهم ، فيقيم على جميع عباد الأصنام الحجة على بطلان ما هم عليه ، كما قال موسى عليه السلام لفرعون : " موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى " .

* * *

فلما اجتمعوا وجاءوا به كما ذكروا : " قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم * قال بل فعله كبيرهم هذا " قيل معناه : هو الحامل لي على تكسيرهم ، وإنما عرض لهم في القول " فاسألوهم إن كانوا ينطقون " .

وإنما أراد بقوله هذا أن يبادروا إلى القول بأن هذه لا تنطق ، فيعترفوا بأنها جماد كسائر الجمادات .

" فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون " أي فعادوا على أنفسهم بالملامة ، فقالوا : إنكم أنتم الظالمون . أي في تركها لها ولا حارس عندها .

" ثم نكسوا على رؤوسهم " قال السدي : أي ثم رجعوا إلى الفتنة ، فعلى هذا يكون قوله : " إنكم أنتم الظالمون " أي في عبادتها .

وقال قتادة : أدركت القوم حيرة سوء ، أي فأطرقوا ثم قالوا : " لقد علمت ما هؤلاء ينطقون " أي لقد علمت يا إبراهيم أن هذه لا تنطق ، فكيف تأمرنا بسؤالها ؟ !

فعند ذلك قال لهم الخليل عليه السلام : " أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم * أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون " .

كما قال : " فأقبلوا إليه يزفون " قال مجاهد : يسرعون . قال " أتعبدون ما تنحتون " أي كيف تعبدون أصناماً أنتم تنحتونها من الخشب والحجارة ، وتصورونها وتشكلونها كما تريدون " والله خلقكم وما تعملون " .

وسواء أكانت : ما مصدرية أو بمعنى الذي فمقتضي الكلام أنكم مخلوقون ، وهذه الأصنام مخلوقة ، فكيف يتعبد مخلوق لمخلوق مثله ؟ فإنه ليس عبادتكم لها بأولى من عبادتها لكم ، وهذا باطل ، فالآخر باطل للتحكم ، إذ ليست العبادة تصلح ولا تجب إلا للخالق وحده لا شريك له .

* * *

" قالوا ابنوا له بنيانا فألقوه في الجحيم * فأرادوا به كيدا فجعلناهم الأسفلين " .

عدلوا عن الجدال والمناظرة لما انقطعوا ةغلبوا ، ولم تبق لهم الحجة ولا شبهة إلى استعمالقوتهم وسلطانهم ، لينصروا ما هم عليه من سفههم وطغيانهم ، فكادهم الرب جل جلاله ، وأعلى كلمته ودينه وبرهانه كما قال تعالى : " قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين * قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم * وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين " .

وذلك أنهم شرعوا يجمعوه خطباً من جميع ما يمكنهم من الأماكن ، فمكثوا مدة يجمعون له ، حتى إن المرأة منهم كانت إذا مرضت تنذر لئن عوفيت لتحملن حطباً لحريق إبراهيم ، ثم عمدوا إلى حوية عظيمة فوضعوا فيها ذلك الحطب وأطلقوا فيه النار ، فاضطرمت وتأججت والتهبت وعلا لها شرر لم ير مثله قط .

ثم وضعوا إبراهيم عليه السلام في كفة منجنيق صنعه لهم رجل من الأكراد يقالله هيزن وكان أول من صنع المجانيق ، فخسف الله به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة .

ثم أخذوا يقيدونه ويكتفونه وهو يقول : لا إله إلا أنت سبحانك رب العالمين ، لك الحمد ولك الملك ، لا شريك لك .

فلما وضع الخليل عليه السلام في كفة المنجنيق مقيداً مكتوفاً ثم ألقوه منه إلى النار قال : حسبنا الله ونعم الوكيل ، كما روى البخاري عن ابن عباس أنه قال : حسبنا الله ونعم الوكيل ، قالها إبراهيم حين ألقي في النار ، وقالها محمد حين قيل له : " إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل * فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء " الآية .

وقال أبو يعلى : حدثنا أبو هشام الرفاعي حدثنا إسحاق ابن سلمان ، عن أبي جعفر الرازي ، عن عاصم بن أبي النجود ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة قال : قال صلى الله عليه وسلم : " لما ألقى إبراهيم في النار قال : اللهم إنك في السماء واحد ، وأنا في الأرض أعبدك " !

وذكر بعض السلف أن جبريل عرض له في الهواء فقال : يا إبراهيم ألك حاجة ؟ فقال : أما إليك فلا !

ويروي عن ابن عباس وسعيد بن جبير أنه قال : جعل ملك المطر يقول : متى أومر فأرسل المطر ؟ فكان أمر الله أسرع .

" قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم " قال علي بن أبي طالب : أي لا تضر به . وقال ابن عباس وأبو العالية : لولا أن الله قال : " وسلاما على إبراهيم " لآذى إبراهيم بردها .

وقال كعب الأحبار : لم ينتفع أهل الأرض يومئذ بنار ، ولم تحرق منه سوى وثاقه .

وقال الضحاك : يروى أن جبريل عليه السلام كان معه يمسح العرق عن وجهه لم يصبه منها شيء غيره .

وقال السدي : كان معه أيضاً ملك الظل ، وصار إبراهيم عليه السلام في ميل الحوية حوله نار وهو في روضة خضراء ، والناس ينظرون إليه لايقدرون على الوصول ، ولا هو يخرج إليهم .

فعن أبي هريرة أنه قال : أحسن كلمة قالها أبو إبراهيم : إذ قال لما رأى ولده على تلك الحال : نعم الرب يا إبراهيم !

وروى ابن عساكر عن عكرمة أن أم إبراهيم نظرت إلى ابنها عليه السلام فنادته : يا بني . . إني أريد أن أجيء إليك فادع الله أن ينجيني من حر النار حولك ، فقال نعم . فأقبلت إليه لا يمسها شيء من حر النار ، فلما وصلت إليه اعتنقته وقبلته ثم عادت .

وعن المنهال بن عمرو أنه قال : أخبرت أن إبراهيم مكث هناك إما أربعين وإما خمسين يوماً ، وأنه قال : ما كنت أياماً وليالي أطيب عيشاً إذ كنت فيها ، وودت أن عيشي وحياتي كلها مثل إذ كنت فيها . صلوات الله وسلامه عليه .

فأرادوا أن ينتصروا فخذلوا ، وأرادوا أن يرتفعوا فاتضعوا ، وأرادوا أن يغلبوا فغلبوا . قال الله تعالى : " وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين " وفي الآية أخرى : " الأسفلين " ففازوا بالخسارة والسفال هذا في الدنيا ، وأما في الآخرة فإن نارهم لا تكون عليهم برداً ولا سلاماً ، ولا يلقون فيها تحية ولا سلاماً ، بل هي كما قال تعالى : " إنها ساءت مستقرا ومقاما " .

قال البخاري : حدثنا عبيد الله بن موسى ، أو ابن سلام عنه ، أنبأنا ابن جريج ، عن عبد الحميد بن جبير ، عن سعيد بن المسيب ، عن أم شريك ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الوزغ ، وقال : " كان ينفخ على إبراهيم " .

ورواه مسلم من حديث ابن جريج ، وأخرجه النسائي و ابن ماجه من حديث سفيان بن عيينة ، كلاهما عن عبد الحميد بن جبير بن شيبة عنه .

وقال أحمد : حدثنا محمد بن بكر ، حدثنا ابن جريج ، أخبرني عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي أمية ، أن نافعاً مولى ابن عمر أخبره أن عائشة أخبرته أن رسول الله صلى الله عليه السلام قال :" اقتلوا الوزغ فإنه كان ينفخ النار على إبراهيم " قال : فكانت عائشة تقتلهن .

وقال أحمد : حدثنا إسماعيل : حدثنا أيوب عن نافع ، أن امرأة دخلت على عائشة فإذا رمح منصوب فقالت : ما هذا الرمح ؟ فقالت : نقتل به الأوزاغ : ثم حدثت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أن إبراهيم لما ألقى في النار جعلت الدواب كلها تطفئ عنه إلا الوزغ ، فإنه جعل ينفخها عليه " .

تفرد به أحمد من هذين الوجهين .

وقال أحمد : حدثنا عفان ، حدثنا جرير ، حدثنا نافع ، حدثتني سمامة مولاة الفاكه بن المغيرة ، قالت : دخلت على عائشة فرأيت في بيتها رمحاً موضوعاً ، فقلت : يا أم المؤمنين . . ما تصنعين بهذا الرمح ؟ قالت : هذا لهذه الأوزاغ نقتلهن به ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثنا : " أن إبراهيم حين ألقي في النار لم يكن في الأرض دابة ألا تطفى عنه النار ، غير الوزغ كان ينفخ عليه ، فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتله " .

ورواه ابن ماجه عن أبي بكر بن شيبة عن يونس بن محمد عن جرير بن حازم به .

 

 

من مواضيع إـبو سـ ـم ـره في المنتدى

  رد مع اقتباس
قديم 10-24-2011, 03:15 PM   #6
إـبو سـ ـم ـره
Guest
 
المشاركات: n/a
افتراضي


قصة لوط عليه السلام



ومما وقع في حياة إبراهيم الخليل من الأمور العظيمة : قصة قوم لوط عليه السلام ، وما حل بهم من النقمة العميمة .

وذلك أن لوطاً بن هاران بن تارح - وهو آزر كما تقدم - ولوط ابن أخي إبراهيم الخليل ، فإبراهيم وهاران وناحور أخوة كما قدمنا ، ويقال إن هاران هذا هو الذي بنى حران . وهذا ضعيف لمخالفته ما بأيدى أهل الكتاب . . والله تعالى أعلم .

وكان لوط قد نزح عن محلة عمه الخليل عليهما السلام بأمره له وإذنه ، فنزل بمدينة سدوم من أرض غور زغر ، وكان أم تلك المحلة ولها أرض ومعتملات وقرى مضافة إليها ، ولها أهل من أفجر الناس وأكفرهم وأسوأهم طوية ، وأردأهم سريرة وسيرة ، يقطعون السبيل ويأتون في ناديهم المنكر ، ولا يتناهون عن منكر فعله لبئس ما كانوا يفعلون .

ابتدعوا فاحشة لم يسبقهم إليها أحد من بن آدم ، وهي إتيان الذكران من العالمين ، وترك ما خلق الله عن النسوان لعباده الصالحين .

فدعاهم لوط إلى عبادة الله تعالى وحده لا شريك له ، ونهاهم عن تعاطي هذه المحرمات والفواحش المنكرات ، والأفاعيل المستقبحات فتمادوا على ضلالهم وطغيانهم ، واستمروا على فجورهم وكفرانهم ، فأحل الله بهم من البأس الذي لا يرد ما لم يكن في خلدهم وحسابهم ، وجعلهم مثلة في العالمين ، وعبرة يتعظ بها الألباء من العالمين .

ولهذا ذكر الله تعالى قصتهم في غير ما موضع في كتابه المبين . فقال تعالى في سورة الأعراف : " ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين * إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم مسرفون * وما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون * فأنجيناه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين * وأمطرنا عليهم مطرا فانظر كيف كان عاقبة المجرمين " .

وقال تعالى في سورة هود : " ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا سلاما قال سلام فما لبث أن جاء بعجل حنيذ * فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط * وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب * قالت يا ويلتى أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا إن هذا لشيء عجيب * قالوا أتعجبين من أمر الله رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد * فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوط * إن إبراهيم لحليم أواه منيب * يا إبراهيم أعرض عن هذا إنه قد جاء أمر ربك وإنهم آتيهم عذاب غير مردود * ولما جاءت رسلنا لوطا سيء بهم وضاق بهم ذرعا وقال هذا يوم عصيب * وجاءه قومه يهرعون إليه ومن قبل كانوا يعملون السيئات قال يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي أليس منكم رجل رشيد * قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد * قال لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد * قالوا يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك إنه مصيبها ما أصابهم إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب * فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود * مسومة عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد " .

وقال تعالى في سورة الحجر : " ونبئهم عن ضيف إبراهيم * إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال إنا منكم وجلون * قالوا لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم * قال أبشرتموني على أن مسني الكبر فبم تبشرون * قالوا بشرناك بالحق فلا تكن من القانطين * قال ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون * قال فما خطبكم أيها المرسلون * قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين * إلا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين * إلا امرأته قدرنا إنها لمن الغابرين * فلما جاء آل لوط المرسلون * قال إنكم قوم منكرون * قالوا بل جئناك بما كانوا فيه يمترون * وأتيناك بالحق وإنا لصادقون * فأسر بأهلك بقطع من الليل واتبع أدبارهم ولا يلتفت منكم أحد وامضوا حيث تؤمرون * وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين * وجاء أهل المدينة يستبشرون * قال إن هؤلاء ضيفي فلا تفضحون * واتقوا الله ولا تخزون * قالوا أولم ننهك عن العالمين * قال هؤلاء بناتي إن كنتم فاعلين * لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون * فأخذتهم الصيحة مشرقين * فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل * إن في ذلك لآيات للمتوسمين * وإنها لبسبيل مقيم * إن في ذلك لآية للمؤمنين " .

وقال تعالى في سورة الشعراء : " كذبت قوم لوط المرسلين * إذ قال لهم أخوهم لوط ألا تتقون * إني لكم رسول أمين * فاتقوا الله وأطيعون * وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين * أتأتون الذكران من العالمين * وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم بل أنتم قوم عادون * قالوا لئن لم تنته يا لوط لتكونن من المخرجين * قال إني لعملكم من القالين * رب نجني وأهلي مما يعملون * فنجيناه وأهله أجمعين * إلا عجوزا في الغابرين * ثم دمرنا الآخرين * وأمطرنا عليهم مطرا فساء مطر المنذرين * إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين * وإن ربك لهو العزيز الرحيم " .

وقال تعالى في سورة النمل : " ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون * أإنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم تجهلون * فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون * فأنجيناه وأهله إلا امرأته قدرناها من الغابرين * وأمطرنا عليهم مطرا فساء مطر المنذرين " .

وقال تعالى في سورة العنكبوت : " ولوطا إذ قال لقومه إنكم لتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين * أإنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل وتأتون في ناديكم المنكر فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين * قال رب انصرني على القوم المفسدين * ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا إنا مهلكوا أهل هذه القرية إن أهلها كانوا ظالمين * قال إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين * ولما أن جاءت رسلنا لوطا سيء بهم وضاق بهم ذرعا وقالوا لا تخف ولا تحزن إنا منجوك وأهلك إلا امرأتك كانت من الغابرين * إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزا من السماء بما كانوا يفسقون * ولقد تركنا منها آية بينة لقوم يعقلون " .

وقال تعالى في سورة الصافات : " وإن لوطا لمن المرسلين * إذ نجيناه وأهله أجمعين * إلا عجوزا في الغابرين * ثم دمرنا الآخرين * وإنكم لتمرون عليهم مصبحين * وبالليل أفلا تعقلون " .

وقال تعالى في سورة الذاريات بعد قصة ضيف إبراهيم وبشارتهم إياه بغلام عليم : " قال فما خطبكم أيها المرسلون * قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين * لنرسل عليهم حجارة من طين * مسومة عند ربك للمسرفين * فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين * فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين * وتركنا فيها آية للذين يخافون العذاب الأليم " .

وقال في سورة القمر : " كذبت قوم لوط بالنذر * إنا أرسلنا عليهم حاصبا إلا آل لوط نجيناهم بسحر * نعمة من عندنا كذلك نجزي من شكر * ولقد أنذرهم بطشتنا فتماروا بالنذر * ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم فذوقوا عذابي ونذر * ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر * فذوقوا عذابي ونذر * ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر " .

وقد تكلمنا على هذه القصص في أماكنها من هذه السور في التفسير .

وقد ذكر الله لوطاً وقومه في مواضع أخر من القرآن ، تقدم ذكها مع نوح وعاد وثمود .

* * *

والمقصود الآن إيراد ما كان من أمرهم ، وما أحل الله لهم ، مجموعاً من الآيات والآثار . . وبالله المستعان .

وذلك أن لوطاً عليه السلام لما دعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له . ونهاهم عن تعاطي ما ذكر الله عنهم من الفواحش ، لم يستجيبوا له ولم يؤمنوا به حتى ولا رجل واحد منهم ، ولم يتركوا ما عنه نهوا . بل استمروا على حالهم ، ولم يرعووا عن غيهم وضلالهم ، وهموا بإخراج رسولهم من بين ظهرانيهم . وما كان حاصل جوابهم عن خطابهم إذ كانوا لا يعقلون إلا أن قالوا : " أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون " فجعلوا غاية المدح ذماً يقتضي الإخراج ! وما حملهم على مقالتهم هذه إلا العناد واللجاج .

فطهره الله وأهله إلا امرأته ، وأخرجهم منها أحسن إخراج وتركهم في محلتهم خالدين ، لكن بعد ما صيرها عليهم بحيرةً منتنة ذات أمواج ، لكنها عليهم في الحقيقة نار تأجج ، وحر يتوهج ، ماؤها ملح أجاج .

وما كان هذا جوابهم إلا لما نهاهم عن ارتكاب الطامة العظمى ، والفاحشة الكبرى ، التي لم يسبقهم إليها أحد من العالمين أهل الدنيا . ولهذا صاروا مثلة فيها وعبرة لمن عليها .

وكانوا مع ذلك يقطعون الطريق ، ويخونون الرفيق ، ويأتون في ناديهم - وهو مجتمعهم ومحل حديثهم وسمرهم - المنكر من الأقوال والأفعال على اختلاف أصنافه . حتى قيل إنهم كانوا يتضارطون في مجالسهم ، ولا يستحون من مجالسيهم ، وربما وقع منهم الفعلة العظيمة في المحافل ولا يستنكفون ، ولا يرعوون لوعظ واعظ ولا نصيحة من عاقل . وكانوا في ذلك وغيره كالأنعام بل أضل سبيلاً ، ولم يقلعوا عما كانوا عليه في الحاضر ، ولا ندموا على ما سلف من الماضي ، ولا راموا في المستقبل تحويلاً ، فأخذهم الله أخذاً وبيلاً .

وقالوا له فيما قالوا : " ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين " فطلبوا منه وقوع ما حذرهم عنه من العذاب الأليم ، وحلول البأس العظيم .

فعند ذلك دعا عليهم نبيهم الكريم ، فسأل من رب العالمين وإله المرسلين أن ينصره على القوم المفسدين .

فغار الله لغيرته ، وغضب لغضبته ، واستجاب لدعوته ، وأجابه إلى طلبته وبعث رسله الكرام ، وملائكته العظام ، فمروا على الخليل إبراهيم وبشروه بالغلام العليم ، وأخبروه بما جاءوا له من الأمر الجسيم والخطب العميم : " قال فما خطبكم أيها المرسلون * قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين * لنرسل عليهم حجارة من طين * مسومة عند ربك للمسرفين " وقال : " ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا إنا مهلكوا أهل هذه القرية إن أهلها كانوا ظالمين * قال إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين " وقال الله تعالى : " فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوط " . وذلك أنه كان يرجو أن يجيبوا أن ينيبوا ويسلموا ويقلعوا ويرجعوا ، ولهذا قال تعالى : " إن إبراهيم لحليم أواه منيب * يا إبراهيم أعرض عن هذا إنه قد جاء أمر ربك وإنهم آتيهم عذاب غير مردود " أي أعرض عن هذا وتكلم غيره ، فإنه قد حتم أمرهم ، ووجب عذابهم وتدميرهم وهلاكهم ، " إنه قد جاء أمر ربك " أي قد أمر به من لا يرد أمره ، ولا يرد بأسه ، ولا معقب لحكمه . " وإنهم آتيهم عذاب غير مردود " .

وذكر سعيد بن جبير والسدي وقتادة ومحمد بن إسحاق : أن إبراهيم عليه السلام جعل يقول : أتهلكون قريةً فيها ثلاثمائة مؤمن قالوا : لا . قال : فمائتا مؤمن ؟ قالوا : لا . قال : فأربعون مؤمناً ؟ قالوا : لا . قال : فأربعة عشر مؤمناً ؟ قالوا : لا . قال ابن إسحاق : إلى أن قال : أفرأيتم إن كان فيها مؤمن واحد ؟ قالوا : لا " قال إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها " الآية .

وعند أهل الكتاب أنه قال : يارب . . أتهلكهم وفيهم خمسون رجلاً صالحاً ؟ فقال الله : لا أهلكهم وفيهم خمسون صالحاً ثم تنازل إلى عشرة فقال الله : لا أهلكهم وفيهم عشرة صالحون .

قال الله تعالى : " ولما جاءت رسلنا لوطا سيء بهم وضاق بهم ذرعا وقال هذا يوم عصيب " قال المفسرون : لما فصلت الملائكة من عند إبراهيم - وهم جبريل وميكائيل وإسرافيل - أقبلوا حتى أتوا أرض سدوم ، في صور شبان حسان ، اختباراً من الله تعالى لقوم لوط وإقامة للحجة عليهم . فاستضافوا لوطاً عليه السلام وذلك عند غروب الشمس ، فخشي إن لم يضفهم أن يضيفهم غيره ، وحسبهم بشراً من الناس ، و " سيء بهم وضاق بهم ذرعا وقال هذا يوم عصيب " قال ابن عباس ومجاهد وقتادة ومحمد بن إسحاق : شديد بلاؤه . وذلك لما يعلم من مدافعته الليلة عنهم ، كما كان يصنع بهم في غيرهم ، وكانوا قد اشترطوا عليه أن لا يضيف أحداً . ولكن رأى من لا يمكن المحيد عنه .

وذكر قتادة : أنهم وردوا عليه وهو في أرض له يعمل فيها ، فتضيفوا فاستحيا منهم وانطلق أمامهم ، وجعل يعرض لهم في الكلام لعلهم ينصرفون عن هذه القرية وينزلون في غيرها ، فقال لهم فيما قال : والله يا هؤلاء ما أعلم على وجه الأرض أهل بلد أخبث من هؤلاء . ثم مشى قليلاً ، ثم أعاد ذلك عليهم حتى كرره أربع مرات ، قال : وكانوا قد أمروا أن لا يهلكوهم حتى يشهد عليهم نبيهم بذلك .

وقال السدي : خرجت الملائكة من عند إبراهيم نحو قرية لوط ، فأتوها نصف النهار ، فلما بلغوا نهر سدوم لقوا ابنة لوط تستقي من الماء لأهلها ، وكانت له ابنتان ؟ اسم الكبرى ريثا والصغرى زغرتا فقالوا لها : يا جارية . . هل من منزل ؟ فقالت لهم : نعم ، مكانكم لا تدخلوا حتى آتيكم . شفقة عليهم من قومها ، فأتت أباها فقالت : يا أبتاه . . أرادك فتيان على باب المدينة ، ما رأيت وجوه قط هي أحسن منهم ، لا يأخذهم قومك فيفضحوهم . وقد كان قومه نهوه أن يضيف رجلاً فقالوا : خل عنا فلنضيف الرجال .

فجاء بهم فلم يعلم أحد إلا أهل البيت ، فخرجت امرأته فأخبرت قومها ، فقالت : إن في بيت لوط رجالاً ما رأيت مثل وجوههم قط . فجاءه قومه يهرعون إليه .

وقوله : " ومن قبل كانوا يعملون السيئات " أي هذا مع ما سلف لهم من الذنوب العظيمة الكبيرة الكثيرة ، " قال يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم " يرشدهم إلى غشيان نسائهم وهن بناته شرعاً ، لأن النبي للأمة بمنزلة الوالد ، كما ورد في الحديث ، وكما قال تعالى : " النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم " وفي قول بعض الصحابة والسلف : وهو أب لهم . وهذا كقوله : " أتأتون الذكران من العالمين * وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم بل أنتم قوم عادون " .

وهذا هو الذي نص عليه مجاهد وسعيد بن جبير والربيع بن أنس وقتادة والسدي ومحمد بن إسحاق ، وهو الصواب .

والقول الآخر خطأ مأخوذ من أهل الكتاب ، وقد تصحف عليهم كما أخطئوا في قولهم : إن الملائكة كانوا اثنين ، وإنهم تعشوا عنده ، وقد خبط أهل الكتاب في هذه القصة تخبيطاً عظيماً .

وقوله : " فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي أليس منكم رجل رشيد " نهى لهم عن تعاطي ما لا يليق من الفاحشة ، وشهادة عليهم بأنه ليس فيهم رجل له مسكة ولا فيه خير ، بل الجميع سفهاء ، فجرة أقوياء ، كفرة أغبياء .

وكان هذا من جملة ما أراد الملائكة أن يسمعوه منه من قبل أن يسألوه عنه .

فقال قومه ، عليهم لعنة الله الحميد المجيد ، مجيبين لنبيهم فيما أمرهم به من الأمر السديد : " لقد علمت ما لنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد " يقولون - عليهم لعائن الله - لقد علمت يا لوط أنه لا أرب لنا في نسائنا ، وإنك لتعلم مرادنا وغرضنا .

واجهوا بهذا الكلام القبيح رسولهم الكريم ، ولم يخافوا سطوة العظيم ، ذي العذاب الأليم . ولهذا قال عليه السلام : " لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد " ود أن لو كان له بهم قوة . أو له منعة وعشيرة ينصرونه عليهم ، ليحل بهم ما يستحقونه من العذاب على هذا الخطاب .

وقد قال الزهري عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعاً : " نحن أحق بالشك من إبراهيم ، ويرحم الله لوطاً ، لقد كان يأوي إلى ركن شديد ، ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعى " .

ورواه أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة .

وقال محمد بن عمرو بن علقمة عن أبي سلمة عن أبي هريرة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " رحمة الله على لوط ، إن كان يأوي إلى ركن شديد - يعني الله عز وجل - فما بعث الله بعده من نبي إلا في ثروة من قومه " .

وقال تعالى : " وجاء أهل المدينة يستبشرون * قال إن هؤلاء ضيفي فلا تفضحون * واتقوا الله ولا تخزون * قالوا أولم ننهك عن العالمين * قال هؤلاء بناتي إن كنتم فاعلين " فأمرهم بقربان نسائهم ، وحذرهم الإستمرار على طريقتهم وسيآتهم .

وهذا وهم فذي ذلك لا ينتهون ولا يرعوون ، بل كلما نهاهم يبالغون في تحصيل هؤلاء

الضيفان ويحرصون ، ولم يعلموا ما حم به القدر مما هم إليه صائرون ، وصبيحة ليلتهم إليه منقلبون .

ولهذا قال تعالى مقسماً بحياة نبيه محمد صلوات الله وسلامه عليه : " لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون " وقال تعالى : " ولقد أنذرهم بطشتنا فتماروا بالنذر * ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم فذوقوا عذابي ونذر * ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر " .

ذكر المفسرون وغيرهم : أن نبي الله لوطاً عليه السلام جعل يمانع قومه الدخول ويدافعهم الباب مغلق ، وهم يرومون فتحه وولوجه ، وهو يعظهم وينهاهم من وراء الباب ، وكل ما لهم في إلحاح وإنحاح ، فلما ضاق الأمر وعسر الحال قال ما قال : " لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد " لأحللت بكم النكال .

قالت الملائكة : " يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك " وذكروا أن جبريل عليه السلام خرج عليهم ، فضرب وجوههم خفقة بطرف جناحه فطمست أعينهم ، حتى قيل إنها غارت بالكلية ولم يبق لها محل ولا عين ولا أثر ، فرجعوا يتحسسون مع الحيطان ، ويتوعدون رسول الرحمن ، ويقولون : إذا كان الغد كان لنا وله شأن !

قال الله تعالى : " ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم فذوقوا عذابي ونذر * ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر " .

فذلك أن الملائكة تقدمت إلى لوط عليه السلام آمرين له بأن يسري هو وأهله من آخر الليل " ولا يلتفت منكم أحد " ، يعني عند سماع صوت العذاب إذا حل بقومه . وأمروه أن يكون سيره في آخرهم كالساقة لهم .

وقوله : " إلا امرأتك " على قراءة النصب : يحتمل أن يكون مستثنى من قوله : " فأسر بأهلك " كأنه يقول إلا امرأتك فلا تسر بها ، ويحتمل أن يكون من قوله : " ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك " أي فإنها ستلتفت فيصيبها ما أصابهم ، ويقوي هذا الإحتمال قراءة الرفع ، ولكن الأول أظهر في المعنى . . والله أعلم .

قال السهيلي ، واسم امرأة لوط والهة واسم امرأة نوح والغة .

وقالوا له مبشرين بهلاك هؤلاء البغاة العتاة ، الملعونين النظراء والأشباه الذين جعلهم الله سلفاً لكل خائن مريب : " إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب " .

فلما خرج لوط عليه السلام بأهله ، وهم ابنتاه ، لم يتبعه منهم رجل واحد ، ويقال إن امرأته خرجت معه . . والله أعلم .

فلما خلصوا من بلادهم وطلعت الشمس فكانت عند شروقها ، جاءهم من أمر الله ما لا يرد ، ومن البأس الشديد ما لا يمكن أن يصد .

وعند أهل الكتاب : أن الملائكة أمروه أن يصعد إلى رأس الجبل الذي هناك فاستبعده ، وسأل منهم أن يذهب إلى قرية قريبة منهم ، فقالوا : اذهب فإنا ننتظرك حتى تصير إليها وتستقر فيها ، ثم نحل بهم العذاب ، فذكروا أنه ذاهب إلى قرية صوعر التي يقول الناس : غور زغر ، فلما أشرقت الشمس نزل بهم العذاب .

قال الله تعالى : " فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود * مسومة عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد " .

قالوا : اقتلعهن جبريل بطرف جناحه من قرارهن - وكن سبع مدن - بمن فيهن من الأمم ، فقالوا : إنهم كانوا أربعمائة نسمة ، وقيل أربعة آلاف نسمة ، وما معهم من الحيوانات ، وما يتبع تلك المدن من الأراضي والأماكن والمعتملات ، فرفع الجميع حتى بلغ بهن عنان السماء ، حتى سمعت الملائكة أصوات ديكتهم ونباح كلابهم ، ثم قلبها عليهم ، فجعل عاليها سافلها . قال مجاهد : فكان أول ما سقط منها شرفاتها .

" وأمطرنا عليها حجارة من سجيل " والسجيل فارسي معرب : وهو الشديد الصلب القوي ، " منضود " أي يتبع بعضها بعضاً في نزولها عليهم من السماء " مسومة " أي معلمة مكتوب على كل حجر اسم صاحبه الذي يهبط عليه فيدمغه ، كما قال : " مسومة عند ربك للمسرفين " وكما قال تعالى : " وأمطرنا عليهم مطرا فساء مطر المنذرين "

وقال تعالى : " والمؤتفكة أهوى * فغشاها ما غشى * فبأي آلاء ربك تتمارى " يعني قلبها فأهوى بها منكسة عاليها سافلها ، وغشاها بمطر من حجارة من سجيل : متتابعة ، مسومة مرقومة على كل حجر اسم صاحبه الذي سقط عليه ، من الحاضرين منهم في بلدهم ، والغائبين عنها من المسافرين والنازحين والشاذين منها .

ويقال إن امرأة لوط مكثت مع قومها ، ويقال إنها خرجت مع زوجها وبنتيها ، ولكنها لما سمعت الصيحة وسقوط البلدة ، التفتت إلى قومها وخالفت أمر ربها قديماً وحديثاً ، وقالت : واقوماه ! فسقط عليها حجر فدمغها وألحقها بقومها ، إذا كانت على دينهم ، وكانت عيناً لهم على من يكون عند لوط من الضيفان .

كما قال تعالى : " ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل ادخلا النار مع الداخلين " أي خانتاهما في الدين فلم يتبعاهما فيه ، وليس المراد أنهما كانتا على فاحشة - حاشا وكلا ولما - فإن الله لا يقدر على نبي قط أن تبغي امرأته ، كما قال ابن عباس وغيره من أئمة السلف والخلف : ما بغت امرأة نبي قط ، ومن قال خلاف هذا فقد أخطأ خطأً كبيراً .

قال الله تعالى قصة الإفك ، لما أنزل براءة أم المؤمنين عائشة بنت الصديق ، زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حين قال لها أهل الإفك ما قالوا ، فعاتب الله المؤمنين وأنب وزجر ، ووعظ وحذر قال فيما قال : " إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم * ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم " أي سبحانك أن تكون زوجة نبيك بهذه المثابة .

وقوله هنا : " وما هي من الظالمين ببعيد " أي وما هذه العقوبة ببعيدة ممن أشبههم في فعلهم .

ولهذا ذهب من ذهب من العلماء إلى أن اللائط يرجم ، سواء أكان محصناً أو لا . ونص عليه الشافعي و أحمد بن حنبل وطائفة كثيرة من الأئمة .

واحتجوا أيضاً بما رواه الإمام أحمد وأهل السنن من حديث عمرو بن أبي عمرو ، عن

عكرمة ، عن ابن عباس ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به " .

وذهب أبو حنيفة إلى أن اللائط يلقى من شاهق جبل ويتبع بالحجارة كما فعل بقوم لوط ، لقوله تعالى : " وما هي من الظالمين ببعيد " .

وجعل الله مكان تلك البلاد بحيرة منتنة لا ينتفع بمائها ، ولا بما حولها من الأرض المتاخمة لفنائها ، لرداءتها ودناءتها ، فصارت عبرةً ومثلةً وعظةً وآيةً على قدرة الله تعالى وعظمته ، وعزته في انتقامه ممن خالف أمره ، وكذب رسله ، واتبع هواه وعصى مولاه ، ودليلاً على رحمته بعباده المؤمنين في إنجائه إياهم من المهلكات ، وإخراجه إياهم من الظلمات إلى النور ، كما قال تعالى : " إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين * وإن ربك لهو العزيز الرحيم " .

وقال الله تعالى : " فأخذتهم الصيحة مشرقين * فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل * إن في ذلك لآيات للمتوسمين * وإنها لبسبيل مقيم * إن في ذلك لآية للمؤمنين " أي من نظر بعين الفراسة والتوسم فيهم ، كيف غير الله تلك البلاد وأهلها وكيف جعلها بعد ما كانت آهلة عامرة هالكة غامرة ؟

كما روى الترمذي وغيره مرفوعاً : " اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله " ثم قرأ : " إن في ذلك لآيات للمتوسمين " .

وقوله : " وإنها لبسبيل مقيم " أي لبطريق مهيع مسلوك إلى الآن . كما قال : " وإنكم لتمرون عليهم مصبحين * وبالليل أفلا تعقلون " وقال تعالى : " ولقد تركنا منها آية بينة لقوم يعقلون " وقال تعالى : " فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين * فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين * وتركنا فيها آية للذين يخافون العذاب الأليم " .

أي تركناها عبرةً وعظةً لمن خاف عذاب الآخرة ، وخشي الرحمن بالغيب ، وخاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى ، فانزجر من محارم الله وترك معاصيه ، وخاف أن يشابه قوم لوط . ومن تشبه بقوم فهو منهم ، وإن لم يكن من كل وجه ، فمن بعض الوجوه ، كما قال بعضهم :

فإن لم تكونوا قوم لوط بعينهم فمـــا قــوم لــوط منكم ببعيـــد

فالعاقل اللبيب الفاهم الخائف من ربه ، يمتثل ما أمره الله به عز وجل ، ويقبل ما أرشده إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من إتيان ما خلق له من الزوجات الحلال ، والجواري من السراري ذوات الجمال ، وإياه أن يتبع كل شيطان مريد ، فيحق عليه الوعيد ، ويدخل في قوله تعالى : " وما هي من الظالمين ببعيد " .

 

 

من مواضيع إـبو سـ ـم ـره في المنتدى

  رد مع اقتباس
قديم 10-24-2011, 03:17 PM   #7
إـبو سـ ـم ـره
Guest
 
المشاركات: n/a
افتراضي

قصة يوسف بن راحيل عليه السلام

ذكر ما وقع من الأمور العجيبة في حياة إسرائيل فمن ذلك :قصة يوسف بن راحيل عليه السلام

وقد أنزل الله عز وجل في شأنه وما كان من أمره سورة من القرآن العظيم ، ليتدبر ما فيها من الحكم والمواعظ والآداب والأمر الحكيم . أعوذ بالله من الشيطان الرجيم : " الر تلك آيات الكتاب المبين * إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون * نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين " .

قد تكلمنا على الحروف المقطعة في أول تفسير سورة البقرة ، فمن أراد تحقيقه فلينظره ثم ، وتكلمنا على هذه السورة مستقصى في موضعها من التفسير . ونحن نذكر هاهنا نبذاً مما هناك على وجه الإيجاز والنجاز .

وجملة القول في هذا المقام : أنه تعالى يمدح كتابه العظيم الذي أنزله على عبده ورسوله الكريم ، بلسان عربي فصيح ، بين واضح جلي ، يفهمه كل عاقل ذكي زكي ، فهو أشرف كتاب نزل من السماء ، أنزله أشرف الملائكة على أشرف الخلق في أشرف زمان ومكان ، بأفصح لغة وأظهر بيان .

فإن كان السياق في الأخبار الماضية أو الآتية ذكر أحسنها وأبينها وأظهر الحق مما اختلف الناس فيه ، ودمغ الباطل وزيفه ورده .

وإن كان في الأوامر والنواهي فأعدل الشرائع وأوضح المناهج ، وأبين حكماً وأعدل حكماً . فهو كما قال تعالى : " وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا " .

يعني صدقاً في الأخبار ، وعدلاً في الأوامر والنواهي .

ولهذا قال تعالى : " نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين " . أي بالنسبة إلى ما أوحي إليك فيه .

كما قال تعالى : " وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم * صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور " .

وقال تعالى : ‌" كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق وقد آتيناك من لدنا ذكرا * من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة وزرا * خالدين فيه وساء لهم يوم القيامة حملا " .

يعني من أعرض عن هذا القرآن واتبع غيره من الكتب فإنه يناله هذا الوعيد . كما قال في الحديث المروي في المسند و الترمذي عن أمير المؤمنين علي ، مرفوعاً وموقوفاً : " من ابتغى الهدى في غيره أضله الله " .

وقال الإمام أحمد : حدثنا سريج بن النعمان ، حدثنا هشام ، أنبأنا خالد عن الشعبي عن جابر : أن عمر بن الخطاب أتى النبي صلى الله عليه وسلم بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب ، فقرأه على النبي صلى الله عليه وسلم قال : فغضب وقال : " أتتهوكون فيها يا ابن الخطاب ؟ والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية . لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبونه أو بباطل فتصدقونه ، والذي نفس بيده لو أن موسى كان حياً ما وسعه إلا أن يتبعني " . إسناد صحيح .

ورواه أحمد من وجه آخر عن عمر وفيه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " والذي نفسي بيده لو أصبح فيكم موسى ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم ، إنك حظي من الأمم وأنا حظكم من النبيين " .

وقد أوردت طرق هذا الحديث وألفاظه في أول سورة يوسف . وفي بعضها : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس فقال في خطبته : " أيها الناس . . إني قد أوتيت جوامع الكلم وخواتيمه ، واختصر لي اختصاراً ، وقد أتيتكم بها بيضاء نقية فلا تتهوكوا ، ولم يغرنكم المتهوكون " ثم أمر بتلك الصحيفة فمحيت حرفاً حرفاً .

" إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين * قال يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا إن الشيطان للإنسان عدو مبين * وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث ويتم نعمته عليك وعلى آل يعقوب كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق إن ربك عليم حكيم " .

قد قدمنا أن يعقوب كان له من البنين اثنا عشر ولداً ذكراً وسميناهم وإليهم تنسب أسباط بني إسرائيل كلهم ، وكان أشرفهم وأجلهم وأعظمهم يوسف عليه السلام .

وقد ذهب طائفة من العلماء إلى أنه لم يكن فيهم نبي غيره ، وباقي إخوته لم يوح إليهم .

وظاهر ما ذكر من فعالهم ومقالهم في هذه القصة يدل على هذا القول .

ومن استدل على نبوتهم بقوله : " قل آمنا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط " وزعم أن هؤلاء هم الأسباط فليس استدلاله بقوي ، لأن المراد بالأسباط شعوب بني إسرائيل وما كان يوجب فيهم من الأنبياء الذين ينزل عليهم الوحي من السماء . . والله أعلم .

ومما يؤيد أن يوسف عليه السلام هو المختص من بين إخوته بالرسالة والنبوة أنه ما نص على واحد من إخوته سواه ، فدل على ما ذكرناه .

ويستأنس لهذا بما قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الصمد ، حدثنا عبد الرحمن ، عن عبد الله ابن دينار ، عن أبيه عن ابن عمر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم " .

انفرد به البخاري ، فرواه عن عبد الله بن محمد وعبدة عن عبد الصمد بن عبد الوارث به . وقد ذكرنا طرفه قي قصة إبراهيم بما أغنى عن إعادته هنا . . ولله الحمد والمنة .

قال المفسرون وغيرهم : رأى يوسف عليه السلام وهو صغير قبل أن يحتلم ، كأن أحد عشر كوكباً ، وهم إشارة إلى بقية إخوته ، والشمس والقمر وهما عبارة عن أبويه ، قد سجدوا له ، فهاله ذلك .

فلما استيقظ قصها على أبيه ، فعرف أبوه أن سينال منزلة عالية ورفعة عضيمة في الدنيا والآخرة ، بحيث يخضع له أبوه وإخوته فيها ، فأمره بكتمانها وألا يقصها على إخوته ، كيلا يحسدوه ويبغوا له الغوائل ويكيدوه بأنواع الحيل والمكر ، وهذا يدل على ما ذكرناه .

ولهذا جاء في بعض الآثار : استعينوا على قضاء حوائجكم بكتمانها ، فإن كل ذي نعمة محسود .

وعند أهل الكتاب أنه قصها على أبيه وإخوته معاً ، وهو غلط منهم .

" وكذلك يجتبيك ربك " أي وكما أراك هذه الرؤيا العظيمة ، فإذا كتمتها " يجتبيك ربك " أي يخصك بأنواع اللطف والرحمة " ويعلمك من تأويل الأحاديث " أي يفهمك من معاني الكلام وتعبير المنام ما لا يفهمه غيرك .

" ويتم نعمته عليك " أي بالوحي إليك " وعلى آل يعقوب " أي بسببك ويحصل لهم بك خير الدنيا والآخرة . " كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق " أي ينعم عليك ويحسن إليك بالنبوة ، كما أعطاها أباك يعقوب ، وجدك إسحاق ، ووالد جدك إبراهيم الخليل ، " إن ربك عليم حكيم " كما قال تعالى : " الله أعلم حيث يجعل رسالته " .

لهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سئل : أي الناس أكرم ؟ قال : " يوسف نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله " .

وقد روى ابن جرير وابن أبي حاتم في تفسيريهما ، وأبو يعلى والبزار في مسنديهما ، من حديث الحكم بن ظهير - وقد ضعفه الأئمة - عن السدي عن عبد الرحمن بن سابط ، عن جابر قال : أتي النبي صلى الله عليه وسلم رجل من اليهود يقال له : بستانة اليهودي ، فقال : يا محمد . . أخبرني عن الكوا كب التي رآها يوسف أنها ساجدة له ما أساؤها ؟ قال : فسكت النبي صلى الله عليه وسلم فلم يجبه بشيء ، ونزل جبريل عليه السلام بأسمائها . قال : فبعث إليه رسول الله فقال : " هل أنت مؤمن إن أخبرتك بأسمائها " قال : نعم . فقال : " هي جريان ، والطارق ، والذيال ، وذو الكتفان ، وقابس ، ووثاب ، وعمودان ، والفيلق ، والمصبح ، والضروح ، وذو الفرع ، والضياء ، والنور " .

فقال اليهودي : أي والله إنها لأسماؤها . وعند أبي يعلى : فلما قصها على أبيه قال : هذا أمر مشتت يجمعه الله ، والشمس أبوه والقمر أمه .

" لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين * إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة إن أبانا لفي ضلال مبين * اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم وتكونوا من بعده قوما صالحين * قال قائل منهم لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابة الجب يلتقطه بعض السيارة إن كنتم فاعلين " .

ينبه تعالى على ما في هذه القصة من الآيات والحكم ، والدلالات المواعظ والبينات . ثم ذكر حسد إخوة يوسف له على محبة أبيه له ولأخيه - يعنون شقيقه لأمه بنيامين - أكثر منهم ، وهم عصبة أي جماعة يقولون : فكنا نحن أحق بالمحبة من هذين " إن أبانا لفي ضلال مبين " أي بتقديمه حبهما علينا .

ثم اشتوروا فيما بينهم في قتل يوسف ، أو إبعاده إلى أرض لا يرجع منها ، ليخلوا لهم وجه أبيهم : أي لتتمحض محبته لهم وتتوفر عليهم ، وأضمروا التوبة بعد ذلك .

فلما تمالئوا على ذلك وتوافقوا عليه : " قال قائل منهم " قال مجاهد : هو شمعون ، وقال السدي : هو يهوذا . وقال قتادة ومحمد بن إسحاق : هو أكبرهم روبيل : " لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابة الجب يلتقطه بعض السيارة " أي المارة من المسافرين " إن كنتم فاعلين " ما تقولون لا محالة ، فليكن هذا الذي أقول لكم . فهو أقرب حالاً من قتله أو نفيه وتغريبه .

فأجمعوا رأيهم على هذا ، فعند ذلك " قالوا يا أبانا ما لك لا تأمنا على يوسف وإنا له لناصحون * أرسله معنا غدا يرتع ويلعب وإنا له لحافظون * قال إني ليحزنني أن تذهبوا به وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون * قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنا إذا لخاسرون " طلبوا من أبيهم أن يرسل معهم أخاهم يوسف ، وأظهروا له أنهم يريدون أن يرعي معهم ، وأن يلعب وينبسط وقد أضمروا له ما الله به عليم .

فأجابهم الشيخ ، عليه من الله أفضل الصلاة والتسليم : يا بني . . يشق علي أن أفارقه ساعة من النهار ، ومع هذا أخشى أن تشغلوا في لعبكم وما أنتم فيه ، فيأتي الذئب فيأكله ، ولا يقدر على دفعه عنه لصغره وغفلتكم عنه .

" قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنا إذا لخاسرون " أي لئن عدا عليه الذئب فأكله من بيننا ، أو اشتغلنا عنه حتى وقع هذا ونحن جماعة ، إنا إذن لخاسرون ، أي عاجزون هالكون .

وعند أهل الكتاب : أنه أرسله وراءهم يتبعهم ، فضل عن الطريق حتى أرشده رجل إليهم ، وهذا أيضاً من غلطهم وخطئهم في التعريب ، فإن يعقوب عليه السلام كان أحرص عليه من أن يبعثه معهم فكيف يبعثه وحده .

" فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون * وجاؤوا أباهم عشاء يبكون * قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين * وجاؤوا على قميصه بدم كذب قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون " .

لم يزالوا بأبيهم حتى بعثه معهم ، فما كان إلا أن غابوا عن عينيه ، فجعلوا يشتمونه ويهينونه بالفعال والمقال ، وأجمعوا على إلقائه في غيابة الجب ، أي في قعره على راعونته ، وهي الصخرة التي تكون في وسطه يقف عليها الماتح وهو الذي ينزل لميلأ الدلاء إذا قل الماء ، والذي يرفعها بالحبل يسمى الماتح .

فلما ألقوه فيه ، أوحى الله إليه : أنه لا بد لك من فرج ومخرج من هذه الشدة التي أنت فيها ، ولتخبرن إخوتك بصنيعهم هذا في حال أنت فيها عزيز ، وهم محتاجون إليك خائفون منك ، " وهم لا يشعرون " .

قال مجاهد وقتادة : وهم لا يشعرون بإيحاء الله إليه ذلك . وعن ابن عباس : " وهم لا يشعرون " أي لتخبرنهم بأمرهم هذا في حال لا يرفونك فيها ، رواه ابن جرير عنه .

فلما وضعوه فيه ورجعوا عنه ، أخذوا قميصه فلطخوه بشيء من دم ، ورجعوا إلى أبيهم عشاء وهم يبكون ، أي على أخيهم . ولهذا قال بعض السلف : لا يغرنك بكاء المتظلم فرب ظالم وهو باك ! وذكر بكاء إخوة يوسف وقد جاءوا أباهم عشاء يبكون ، أي في ظلمة الليل ، ليكون أمشى لغدرهم لا لعذرهم .

" قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا " أي ثيابنا " فأكله الذئب " أي في غيبتنا عنه في استباقنا . وقولهم : " وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين " أي ما أنت بمصدق لنا في الذي أخبرناك من أكل الذئب له ، ولو كنا غير متهمين عندك .

فكيف وأنت تتهمنا في هذا ؟ فإنك خشيت أن يأكله الذئب ، وضمنا لك ألا يأكله لكثرتنا حوله ، فصرنا غير مصدقين عندك ، فمعذور أنت في عدم تصديقك لنا والحالة هذه .

" وجاؤوا على قميصه بدم كذب " أي مكذوب مفتعل ، لأنهم عمدوا إلى سخلة ذبحوها . فأخذوا من دمها فوضعوه على قميصه ، ليوهموه أنه أكله الذئب . قالوا : ونسوا أن يحرقوه ، وآفة الكذب النسيان ! ولما ظهرت عليهم علائم الريبة لم يرج صنيعهم على أبيهم ، فإنه كان يفهم عداوتهم له ، وحسدهم إياه على محبته له من بينهم أكثر منهم ، لما كان يتوسم فيه من الجلالة والمهابة التي كانت عليه في صغره لما يريد الله أن يخصه به من نبوته . ولما راودوه عن أخذه فبمجرد ما أخذوه أعدموه ، وغيبوه عن عينيه وجاءوا وهو يتباكون ، وعلى ما تمالئوا يتواطئون . ولهذا : " قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون " .

وعند أهل الكتاب : أن روبيل أشار بوضعه في الجب ليأحذه من حيث لا يشعرون ويرده إلي أبيه ، فغافلوه وباعوه لتلك القافلة . فلما جاء روبيل آخر النهار ليخرج يوسف لم يجده ، فصاع وشق ثيابه ، وعمد أولئك إلى جدى فذبحوه ، ولطخوا من دمه جبة يوسف ، فلما علم يعقوب شق ثيابه ، ولبس مئزراً أسود وحزن على ابنه أياماً كثيرة ، وهذه الركاكة جاءت من خطئهم في التعبير والتصوير .



" وجاءت سيارة فأرسلوا واردهم فأدلى دلوه قال يا بشرى هذا غلام وأسروه بضاعة والله عليم بما يعملون * وشروه بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين * وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ولنعلمه من تأويل الأحاديث والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون * ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين " .

يخبر الله تعالى عن قصة يوسف حين وضع في الجب : أنه جلس ينتظر فرج الله ولطفه به ، فجاءت سيارة ، أي مسافرون . قال أهل الكتاب : كانت بضاعتهم من الفستق والصنوبر والبطم قاصدين ديار مصر من الشام ، فأرسلوا بعضهم ليستقوا من ذلك البئر ، فلما أدلى أحدهم دلوه تعلق فيه يوسف .

فلما رآه ذلك الرجل " قال يا بشرى " أي يا بشارتي " هذا غلام وأسروه بضاعة " أي أوهموا أنه معهم غلام من جملة متجرهم " والله عليم بما يعملون " أي هو عالم بما تمالأ عليه إخوته ، وبما يسره واجدوه من أنه بضاعة لهم ، ومع هذا لا يغيره تعالى ، لما له في ذلك من الحكمة العظيمة والقدر السابق والرحمة بأهل مصر ، بما يجري الله على يدي هذا الغلام الذي يدخلها في صورة أسير رقيق ، ثم بعد هذا يملكه أزمة الأمور وينفعهم الله به في دنياهم وأخراهم ، بما لا يحد ولا يوصف .

ولما استشعر إخوة يوسف بأخذ السيارة له لحقوهم ، وقالوا هذا غلامنا أبق منا ، فاشتروه منهم بثمن بخس ، أي قليل نزر ، وقيل هو الزيف : " دراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين " .

قال ابن مسعود وابن عباس ونوف البكالي والسدي وقتادة وعطية العوفي : باعوه بعشرين درهماً . اقتسموها درهمين . وقال مجاهد : اثنان وعشرون درهماً . وقال عكرمة ومحمد بن إسحاق : أربعون درهماً . . والله أعلم .

" وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته أكرمي مثواه " أي أحسني إليه " عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا " وهذا من لطف الله به ورحمته وإحسانه إليه ، بما يريد أن يؤهله له ويعطيه من خيري الدنيا والآخرة .

قالوا : وكان الذي اشتراه من أهل مصر عزيزها وهو الوزير بها ، الذي الخزائن مسلمة إليه . قال ابن إسحاق : واسمه أطفير بن روحيب قال : وكان ملك مصر يومئذ الريان بن الوليد ، رجل من العماليق . قال : واسم امرأة العزيز : راعيل بنت رماييل . وقال غيره : كان اسمها زليخا والظاهر أنه لقبها . وقيل فكا بنت ينوس ، رواه الثعلبي عن ابن هشام الرفاعي .

وقال محمد بن إسحاق عن محمد بن السائب عن أبي صالح ، عن ابن عباس : كان اسم الذي باعه بمصر - يعني الذي جلبه إليها - مالك بن زعر بن نويت بن مديان بن إبراهيم . . والله أعلم .

وقال ابن إسحاق عن أبي عبيدة عن ابن مسعود قال : أفرس الناس ثلاثة : عزيز مصر حيث قال لامرأته " أكرمي مثواه " والمرأة التي قالت لأبيه عن موسى : " يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين " وأبو بكر الصديق حين استخلف عمر بن الخطاب رضي الله عنهما .

ثم قيل : اشتراه العزيز بعشرين ديناراً ، وقيل بوزنه مسكاً ووزنه حريراً ووزنه ورقاً . . والله أعلم .

وقوله : " وكذلك مكنا ليوسف في الأرض " أي وكما قيضنا هذا العزيز وامرأته يحسنان إليه ، ويعتنيان به ، مكنا له في أرض مصر " ولنعلمه من تأويل الأحاديث " أي فهمها ، وتعبير الرؤيا من ذلك " والله غالب على أمره " أي إذا أراد شيئاً فإنه يقيض له أسباباً وأموراً لا يهتدى إليها العباد . ولهذا قال تعالى : " ولكن أكثر الناس لا يعلمون " .

" ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين " فدل على أن هذا كله كان وهو قبل بلوغ الأشد ، وهو حد الأربعين الذي يوحى الله فيه إلى عباده النبيين ، عليهم الصلاة والسلام من رب العالمين .

وقد اختلفوا في مدة العمر الذي هو بلوغ الأشد : فقال مالك وربيعة وزيد بن أسلم الشعبي : هو الحلم . وقال سعيد بن جبير : ثماني عشرة سنة . وقال الضحاك : عشرون سنة ، وقال عكرمة : خمس وعشرون سنة . وقال السدي : ثلاثون سنة . وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة : ثلاتة وثلاثون سنة . وقال الحسن : أربعون سنة ، ويشهد له قوله تعالى : " حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة " .

" وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت الأبواب وقالت هيت لك قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون * ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين * واستبقا الباب وقدت قميصه من دبر وألفيا سيدها لدى الباب قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم * قال هي راودتني عن نفسي وشهد شاهد من أهلها إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين * وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين * فلما رأى قميصه قد من دبر قال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم * يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين " .[/b][/color][/center]

يذكر تعالى ما كان من مراودة امرأة العزيز ليوسف عليه السلام عن نفسه وطلبها منه ما لا يليق بحاله ومقامه ، وهي في غاية الجمال والمال ، والمنصب والشباب ، وكيف غلقت الأبواب عليها وعليه . وتهيأت له وتصنعت ، ولبست أحسن ثيابها وأفخر لباسها ، وهي مع هذا كله امرأة الوزير . قال ابن إسحاق : وبنت أخت الملك الريان ابن الوليد صاحب مصر .

وهذا كله من أن يوسف عليه السلام شاب بديع الجمال والبهاء ، إلا أنه نبي من سلالة الأنبياء ، فعصمه ربه عن الفحشاء ، وحماه عن مكر النساء ، فهو سيد السادة النجباء ، السبع الأتقياء ، المذكورين في الصحيحين عن خاتم الأنبياء ، في قوله عليه الصلاة والسلام من رب الأرض والسماء : " سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله : إمام عادل ، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه ، ورجل معلق قلبه بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه ، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه ، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ، وشاب نشأ في عبادة الله ، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله " .

والمقصود أنها دعته إليها وحرصت على ذلك أشد الحرص ، فقال " معاذ الله إنه ربي " يعنى زوجها صاحب المنزل سيدي " أحسن مثواي " أي أحسن إلي وأكرم مقامي عنده " إنه لا يفلح الظالمون " وقد تكلمنا على قوله تعالى : " ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه " بما فيه كفاية ومقنع في التفسير .

وأكثر أقوال المفسرين هاهنا متلقي من كتب أهل الكتاب ، فالإعراض عنه أولى بنا .

والذي يجب أن يعتقد : أن الله تعالى عصمه وبرأه ، ونزهه عن الفاحشة وحماه عنها وصانه منها ، ولهذا قال تعالى : " كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين " .

" واستبقا الباب " أي هرب منها طالباً الباب ليخرج منه فراراً منها فاتبعته في أثره " وألفيا " أي وجدا " سيدها " أي زوجها " لدى الباب " فبدرته بالكلام وحرضته عليه " قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم " اتهمته وهي المتهمة وبرأت عرضها ونزهت ساحتها ، فلهذا قال يوسف عليه السلام : " هي راودتني عن نفسي " احتاج إلى أن يقول الحق عند الحاجة .

" وشهد شاهد من أهلها " قيل كان صغيراً في المهد . قاله ابن عباس ، وروى عن أبي هريرة وهلال بن يساف والحسن البصري وسعيد بن جبير والضحاك ، واختاره ابن جرير ، وروى فيه حديثاً مرفوعاً عن ابن عباس ، ووقفه غيره عنه .

وقيل كان رجلاً قريباً إلى وقطفير بعلها ، وقيل قريباً إليها ، وممن قال إنه كان رجلاً : ابن عباس وعكرمة ومجاهد والحسن وقتادة والسدي ومحمد بن إسحاق وزيد بن أسلم .

فقال : " إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين " أي لأنه يكون قد راودها فدافعته حتى قدت مقدم قميصه . " وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين " أي لأنه يكون قد هرب منها فاتبعته وتعلقت فيه فانشق قميصه لذلك ، وكذلك كان ولهذا قال تعالى : " فلما رأى قميصه قد من دبر قال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم " أي هذا الذي جرى من مكركن ، أنت راودتيه عن نفسه ، ثم اتهمتيه بالباطل .

ثم أضرب بعلها عن هذا صفحاً فقال : " يوسف أعرض عن هذا " أي لا تذكره لأحد ، لأن كتمان مثل هذه الأمور هو الأليق والأحسن ، وأمرها بالإستغفار لذنبها الذي صدر منها والتوبة إلى ربها ، فإن العبد إذا تاب إلى الله تاب الله عليه .

وأهل مصر وإن كانوا يعبدون الأصنام ، إلا أنهم يعلمون أن الذي يغفر الذنوب ويؤاخذ بها هو الله وحده لا شريك له في ذلك . ولهذا قال لها بعلها ، وعذرها من بعض الوجوه ، لأنها رأت ما لا صبر لها على مثله ، إلا أنه عفيف نزيه برىء العرض سليم الناحية فقال : " استغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين " .

" وقال نسوة في المدينة امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حبا إنا لنراها في ضلال مبين * فلما سمعت بمكرهن أرسلت إليهن وأعتدت لهن متكئا وآتت كل واحدة منهن سكينا وقالت اخرج عليهن فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن وقلن حاش لله ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم * قالت فذلكن الذي لمتنني فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونا من الصاغرين * قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين * فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع العليم " .

يذكر تعالى ما كان من قبل نساء المدينة ، من نساء الأمراء وبنات الكبراء في الطعن على امرأة العزيز وعيبها ، والتشنيع عليها في مراودتها فتاها ، وحبها الشديد له ، وهو لا يساوي هذا ، لأنه مولى من الموالي وليس مثله أهلا لهذا . ولهذا قلن : " إنا لنراها في ضلال مبين " أي في وضعها الشيء في غير محله .

" فلما سمعت بمكرهن " أي بتشنيعهن عليها والتنقص لها ، والإشارة إليها بالعيب والمذمة بحب مولاها وعشق فتاها ، فأظهرن ذماً وهي معذورة في نفس الأمر ، فلهذا أحبت أن تبسط عذرها عندهن ، وتبين أن هذا الفتي ليس كما حسبن ، ولا من قبيل ما لديهن . فأرسلت إليهن فجمعتهن في منزلها ، وأعتدت لهن ضيافة مثلهن ، وأحضرت جملة ذلك شيئاً مما يقطع بالسكاكين ، كالأترج ونحوه ، وآتت كل واحدة منهن سكيناً ، وكانت قد هيأت يوسف عليه السلام ، وألبسته أحسن الثياب وهو في غاية طراوة الشباب وأمرته بالخروج عليهن بهذه الحالة ، فخرج وهو أحسن من البدر لا محالة .

" فلما رأينه أكبرنه " أي أعظمنه وأجللنه وهبنه ، وما ظنن أن يكون مثل هذا في بني آدم ، وبهرهن حسنه حتى اشتغلن عن أنفسهن ، وجعلن يحززن في أيديهن بتلك السكاكين ولا يشعرن بالجراح " وقلن حاش لله ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم " .

وقد جاء في حديث الإسراء : " فمررت بيوسف وإذا هو قد أعطي شطر الحسن " . قال السهيلي وغيره من الأئمة : معناه أنه كان على النصف من حسن آدم عليه السلام ، لأن الله تعالى خلق آدم بيده ، ونفخ فيه من روحه ، فكان في غاية نهايات الحسن البشري . ولهذا يدخل أهل الجنة الجنة على طول آدم وحسنه ، ويوسف كان على النصف من حسن آدم . ولم يكن بينهما أحسن منهما ، كما أنه لم تكن أنثى بعد حواء أشبه بها من سارة امرأة الخليل عليه السلام .

قال ابن مسعود : وكان وجه يوسف مثل البرق ، وكانت إذا أتته امرأة لحاجة غطى وجهه . وقال غيره : كان في الغالب مبرقعاً لئلا يراه الناس . ولهذا لما قام عذرن امرأة العزيز في محبتها لهذا المعني المذكور ، وجرى لهن وعليهن ما جرى من تقطيع أيديهن بجراح السكاكين ، وما ركبهن من المهابة والدهش عند رؤيته ومعاينته .

" قالت فذلكن الذي لمتنني فيه " ثم مدحته بالعفة التامة فقالت : " ولقد راودته عن نفسه فاستعصم " أي امتنع " ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونا من الصاغرين " .

وكان بقية النساء حرضنه على السمع والطاعة لسيدته ، فأبي أشد الإباء ، ونأى لأنه من سلالة الأنبياء ، ودعا فقال في دعائه لرب العالمين : " رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين " يعنى إن وكلتني إلى نفسي ، فليس لي من نفسي إلا العجز والضعف ، ولا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله . فأنا ضعيف إلا ما قويتني وعصمتني وحفظتني . وحطتني بحولك وقوتك .

ولهذا قال تعالى : " فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع العليم * ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين * ودخل معه السجن فتيان قال أحدهما إني أراني أعصر خمرا وقال الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين * قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما ذلكما مما علمني ربي إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون * واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون * يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار * ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله أمر أن لا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون * يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمرا وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه قضي الأمر الذي فيه تستفتيان " .

يذكر تعالى عن العزيز وامرأته أنهم بدا لهم ، أي ظهر لهم من الرأي بعد ما علموا براءة يوسف أن يسجنوه إلى وقت ، ليكون ذلك أقل لكلام الناس في تلك القضية ، وأحمد لأمرها ، وليظهروا أنه راودها عن نفسها فسجن بسببها ، فسجنوه ظلماً وعدواناً .

وهذا مما قدر الله له ، ومن جملة ما عصمه به ، فإنه أبعد له عن معاشرتهن ومخالطتهم .

ومن هاهنا استنبط بعض الصوفية ما حكاه عنهم الشافعي : أن من العصمة ألا تجد !

قال الله : " ودخل معه السجن فتيان " قيل : كان أحدهما ساقي الملك واسمه فيما قيل بنوا والآخر خبازه ، يعنى الذي يلي طعامه ، وهو الذي يقوله له الترك الجاشنكير واسمه فيما قيل مجلث وكان الملك قد اتهمهما في بعض الأمور فسجنهما . فلما رأيا يوسف في السجن أعجبتهما سمته وهديه ، ودله وطريقته ، وقوله وفعله ، وكثرة عبادته ربه ، وإحسانه إلى خلقه ، فرأى كل واحد منهما رؤيا تناسبه .

قال أهل التفسير : رأيا في ليلة واحدة . أما الساقي فرأى كأن ثلاثة قضبان من حبلة وقد أورقت وأينعت عناقيد العنب ، فأخذها فاعتصرها في كأس الملك وسقاه . ورأى الخباز على رأسه ثلاث سلال من خبز ، وضواري الطيور تأكل من السلة الأعلى .

فقصاها عليه وطلبا منه أن يعبرها لهما وقالا : " إنا نراك من المحسنين " فأخبرهما أنه عليم بتعبيرها خبير بأمرها " قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما " قيل : معناه مهما رأيتما من حلم فإني أعبره لكم قبل وقوعه فيكون كما أقول . وقيل معناه أني أخبركم بما يأتيكما من الطعام قبل مجيئه حلواً وحامضاً ، كما قال عيسى : " وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم " .

وقال لهما : إن هذا من تعليم الله إياى ، لأني مؤمن به موحد له متبع ملة آبائي الكرام : إبراهيم الخليل ، وإسحاق ويعقوب . " ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء ذلك من فضل الله علينا " أي أن هدانا لهذا ، " وعلى الناس " أي بأن أمرنا أن ندعوهم إليه ونرشدهم وندلهم عليه وهو في فطرهم مركوز ، وفي جبلتهم مغروز ، " ولكن أكثر الناس لا يشكرون " .

ثم دعاهم إلى التوحيد وذم عبادة ما سوى الله عز وجل ، وصغر أمر الأوثان وحقرها ، وضعف أمرها فقال : " يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار * ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله " أي المتصرف في خلقه الفعال لما يريد ، الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء " أمر أن لا تعبدوا إلا إياه " أي وحده لا شريك له و " ذلك الدين القيم " أي المستقيم والصراط القويم " ولكن أكثر الناس لا يعلمون " أي فهم لا يهتدون إليه مع وضوحه وظهوره .

وكانت دعوته لهما في هذه الحال في غاية الكمال ، لأن نفوسهما معظمة له ، منبعثة على تلقى ما يقول بالقبول ، فناسب أن يدعوهما إلى ما هو الأنفع لهما مما سألا عنه وطلبا منه .

ثم لما قام بما وجب عليه وأرشد إلى ما أرشد إليه قال : " يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمرا " قالوا وهو الساقي " وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه " قالوا وهو الخباز " قضي الأمر الذي فيه تستفتيان " أي وقع هذا لا محالة ، ووحب كونه على كل حالة . ولهذا جاء في الحديث : " الرؤيا على رجل طائر على ما لم تعبر ، فإذا عبرت وقعت " .

وقد روى عن ابن مسعود ومجاهد وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم أنهما قالا : لم نر شيئاً ، فقال لهما : " قضي الأمر الذي فيه تستفتيان " .

" وقال للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك فأنساه الشيطان ذكر ربه فلبث في السجن بضع سنين " .

يخبر تعالى أن يوسف قال للذي ظنه ناجياً منهما وهو الساقي : " اذكرني عند ربك " يعنى اذكر أمري وما أنا فيه من السجن بغير جرم عند الملك . وفي هذا دليل على جواز السعي في الأسباب ، ولا ينافي ذلك التوكل على رب الأرباب .

وقوله : " فأنساه الشيطان ذكر ربه " أي فأنسى الناجي منهما الشيطان أن يذكر ما وصاه به يوسف عليه السلام . قال مجاهد ومحمد بن إسحاق وغير واحد . وهو الصواب ، وهو منصوص أهل الكتاب .

" فلبثت " يوسف " في السجن بضع سنين " والبضع : ما بين الثلاث إلى التسع ، وقيل إلى السبع ، وقيل إلى الخمس ، وقيل ما دون العشرة : حكاها الثعلبي ، ويقال بضع نسوة وبضعة رجال .

ومنع الفراء استعمال البضع فيما دون العشر . قال . وإنما يقال نيف وقال الله تعالى : " فلبث في السجن بضع سنين " وقال تعالى " في بضع سنين " وهذا رد لقوله .

قال الفراء : ويقال بضعة عشر وبعضة وعشرون إلى التسعين ، ولا يقال : بضع ومائة ، وبضع وألف . وخالف الجوهري فيما زاد على بضعة عشر ، فمنع أن يقال بضعة وعشرون إلى تسعين . وفي الصحيح : " الإيمان بضع وستون شعبة " وفي رواية : " وسبعون شعبة ، وأعلاها قول لا إله إلا الله ، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق "

 

 

من مواضيع إـبو سـ ـم ـره في المنتدى


التعديل الأخير تم بواسطة إـبو سـ ـم ـره ; 10-24-2011 الساعة 03:27 PM
  رد مع اقتباس
قديم 10-24-2011, 03:29 PM   #8
إـبو سـ ـم ـره
Guest
 
المشاركات: n/a
افتراضي


قصة إلياس عليه السلام

قال الله تعالى بعد قصة موسى وهارون من سورة الصافات :" وإن إلياس لمن المرسلين * إذ قال لقومه ألا تتقون * أتدعون بعلا وتذرون أحسن الخالقين * الله ربكم ورب آبائكم الأولين * فكذبوه فإنهم لمحضرون * إلا عباد الله المخلصين * وتركنا عليه في الآخرين * سلام على إل ياسين * إنا كذلك نجزي المحسنين * إنه من عبادنا المؤمنين ".

قال علماء النسب هو : إلياس النشبي ، ويقال : ابن ياسين ابن فنحاص بن العيزار بن هارون . وقيل : إلياس بن العازر بن العيزار ابن هارون بن عمران .

قالوا وكان إرساله إلى أهل بعلبك غربي دمشق ، فدعاهم إلى الله عز وجل وأن يتركوا عبادة صنم لهم كانوا يسمونه بعلا وقيل كانت امرأة اسمها بعل والله أعلم .

والأول أصح ولهذا قال لهم :" ألا تتقون * أتدعون بعلا وتذرون أحسن الخالقين * الله ربكم ورب آبائكم الأولين ".

فكذبوا وخالفوه وأرادوا قتله . فيقال : إنه هرب منهم واختفي عنهم ، قال أبو يعقوب الأذرعي ، عن يزيد بن عبد الصمد ، عن هشام بن عمار قال : وسمعت من يذكر عن كعب الأحبار أنه قال : إن إلياس اختفى من ملك قومه في الغار الذي تحت الدم عمثر سنين ، حتى أهلك الله الملك وولى غيره ، فأتاه إلياس فعرض عليه الإسلام ، وأسلم من قومه خلق عظيم غير عشرة آلاف منهم ، فأمر بهم فقتلوا عن آخرهم .

وقال ابن أبي الدنيا : حدثني أبو محمد القاسم بن هشام ، حدثنا عمر بن سعيد الدمشقي ، حدثنا سعيد بن عبد العزيز عن بعض مشيخة دمشق قال : أقام إلياس عليه السلام هارباً من قومه في كهف جبل عشرين ليلة - أو قال أربعين ليلة - تأتيه الغربان برزقه .

وقال محمد بن سعد كاتب الواقدي : أنبأنا هشام بن محمد بن السائب الكلبي ، عن أبيه قال : أول نبي بعث إدريس ، ثم نوح ثم إبراهيم ، ثم إسماعيل وإسحاق ، ثم يعقوب ثم يوسف ثم لوط ثم هود ثم صالح ثم شعيب ، ثم موسى وهارون ابنا عمران ، ثم إلياس النشبي بن العازر بن هارون ابن عمران بن قاهث بن لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام .

هكذا قال : وفي هذا الترتيب نظر .

وقال مكحول عن كعب : أربعة أنبياء أحياء : اثنان في الأرض إلياس والخضر ، واثنان في السماء : إدريس وعيسى عليهم السلام .

وقد قدمنا قوك من ذكر أن إلياس والخضر يجتمعان في كل عام في شهر رمضان ببيت المقدس ، وأنهما يحجان كل سنة ويشربان من زمزم شربة تكفيهما إلى مثلها من العام المقبل . وأوردنا الحديث الذي فيه أنهما يجتمعان بعرفات كل سنة .

وبينا أنه لم يصح شيء من ذلك ، وأن الذي يقوم عليه الدليل : أن الخضر مات ، وكذلك إلياس عليهما السلام .

وما ذكره وهب بن منبه وغيره : أنه لما دعا ربه عز وجل أن يقبضه إليه لما كذبوه وآذوه ، فجاءته دابة لونها لون النار فركبها ، وجعل الله له ريشاً وألبسه النور ، وقطع عنه لذة المطعم والمشرب وصار ملكياً بشرياً سماوياً أرضياً ، وأوصى إلى اليسع بن أخطوب ، ففي هذا نظر . وهو من الإسرائيليات التي لا تصدق ولا تكذب ، بل الظاهر أن صحتها بعيدة . . والله أعلم .

فأما الحديث الذي رواه الحافظ أبو بكر البيهقي : أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، حدثني أبو العباس أحمد بن سعيد المعداني البخاري ، حدثنا عبد الله بن محمود : حدثنا عبدان بن سنان ، حدثني أحمد بن عبد الله البرقي ، حدثنا يزيد بن يزيد البلوي ، حدثنا أبو إسحاق الفزاري ، عن الأوزاعي ، عن مكحول ، عن أنس بن مالك قال : كنا مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في سفر ، فنزلنا منزلاً فإذا رجل في الوادي يقول : اللهم اجعلني من أمة محمد (صلى الله عليه وسلم) المرحومة المغفورة المتاب لها قال : فأشرفت على الوادي فإذا رجل طوله أكثر من ثلاثمائة ذراع ، فقال لي : من أنت ؟ فقلت : أنس بن مالك خادم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ، قال : فأين هو ؟ قلت : هو ذا يسمع كلامك ، قال : فأته فأقرئه مني السلام ، وقل له : أخوك إلياس يقرئك السلام . قال : فأتيت النبي (صلى الله عليه وسلم) فأخبرته ، فجاء حتى لقيه فعانقه وسلم ، ثم قعدا يتحادثان فقال له : يا رسول الله . . إني ما آكل في السنة إلا يوماً ، وهذا يوم فطري فآكل أنا وأنت . قال : فنزلت عليهما مائدة من السماء ، عليها خبز وحوت وكرفس ، فأكلا وأطعماني وصلينا العصر ، ثم وعده ورأيه مرة في السحاب نحو السماء .

فقد كفانا البيهقي أمره ، وقال : هذا حديث ضعيف بمرة .

والعجب أن الحاكم أبا عبد الله النيسابوري أخرجه في مستدركه على الصحيحين ، وهذا مما يستدرك به على المستدرك : فإنه حديث موضوع مخالف للأحاديث الصحاح من وجوه ومعناه لا يصح أيضاً فقد تقدم في الصحيحن أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال :" إن الله خلق آدم طوله ستون ذراعاً في السماء - إلى أن قال - : ثم لم يزل الخلق ينقص حتى الآن ".

وفيه أنه لم يأت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حتى كان هو الذي ذهب إليه ، وهذا لا يصح ، لأنه كان أحق بالسعي إلى بين يدي خاتم الأنبياء . وفيه أنه يأكل في السنة مرة ، وقد تقدم عن وهب أنه سلبه الله لذة المطعم والمشرب ، وفيما تقدم عن بعضهم : أنه يشرب من زمزم كل سنة شربة تكفيه إلى مثلها من الحول الآخر .

وهذه أشياء متعارضة وكلها باطلة لا يصح شيء منها .

وقد ساق ابن عساكر هذا الحديث من طريق أخرى واعترف بضعفها وهذا عجب منه ، كيف تكلم عليه ؟ فإنه أورده من طريق حسين بن عرفة ، عن هانئ بن الحسن ، عن بقية ، عن الأوزاعي ، عن مكحول ، عن واثلة ، عن ابن الأسقع ، فذكر نحو هذا مطولاً . وفيه أن ذلك كان في غزوة تبوك ، وأنه بعث إليه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أنس بن مالك وحذيفة بن اليمان ، قالا : فإذا هو أعلى جسماً منا بذراعين أو ثلاثة ، واعتذر بعدم قدرته لئلا تنفر الإبل ، وفيه أنه لما اجتمع به رسول الهل (صلى الله عليه وسلم) أكلا من طعام الجنة ، وقال : إن لي في كل أربعين يوماً أكلة ، وفي المائدة خبز من عنب وموز ورطب وبقل ، ما عدا الكراث . وفيه أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) سأله عن الخضر فقال : عهدي به عام أول ، وقال لي : إنك ستلقاه قلي فأقرئه مني السلام .

وهذا يدل على أن الخضر وإلياس ، بتقدير وجودهما وصحة هذا الحديث لم يجتمعا به إلى سنة تسع من الهجرة ، وهذا لا يسوغ شرعاً . وهذا موضوع أيضاً .

وقد أورد ابن عساكر طرقاً فيمن اجتمع بإلياس من العباد ، وكلها لا يفرح بها ، لضعف إسنادها أو لجهالة المسند إليه فيها ، ومن أحسنها ما قاله أبو بكر بن أبي الدنيا : حدثني بشر ابن معاذ : حدثنا حماد بن واقد ، عن ثابت قال : كنا مع مصعب بن الزبير بسواد الكوفة ، فدخلت حائطاً أصلي فيه ركعتين فافتتحت :" حم * تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم * غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول " فإذا رجل من خلفي على بغلة شهباء ، عليه مقطعات يمنية فقال لي : إذا قلت :" غافر الذنب " فقل : يا غافر الذنب اغفر لي ذنبي ، وإذا قلت :" قابل التوب " فقل : يا قابل التوب تقبل توبتي ، وإذا قلت : " شديد العقاب " فقل : يا شديد العقاب لا تعاقبني ، وإذا قلت :" ذي الطول " فقل : يا ذا الطول تطول على برحمة ، فالتفت فإذا لا أحد . وخرجت فسألت : مر بكم رجل على بغلة شهباء عليه مقطعات يمنية ؟ فقالوا : ما مر بنا أحد . فكانوا لا يرون إلا أنه إلياس .

وقوله تعالى :" فكذبوه فإنهم لمحضرون " أي للعذاب ، أما في الدنيا والآخرة ، أو في الآخرة . والأول أظهر على ما ذكره المفسرون والمؤرخون وقوله :" إلا عباد الله المخلصين " أي إلى من آمن منهم . وقوله :" وتركنا عليه في الآخرين " أي أبقينا بعده ذكراً حسناً له في العالمين فلا يذكر إلا بخير ، ولهذا قال :" سلام على إل ياسين " أي سلام على إلياس والعرب تحلق النون في أسماء كثيرة وتبدلها من غيرها كما قالوا : إسماعيل وإسماعين ، وإسرائيل وإسرائين ، وإلياس وإلياسين ، وقد قرئ : سلام على آل ياسين ، أي على آل محمد ، وقرأ ابن مسعود وغيره : سلام على إدراسين ، ونقل عنه من طريق إسحاق عن عبيدة بن ربيعة عن ابن مسعود أنه قال : إلياس هو إدريس . وإليه ذهب الضحاك بن مزاحم ، وحكاه قتادة ومحمد بن إسحاق . والصحيح أنه غيره كما تقدم . . والله أعلم .

 

 

من مواضيع إـبو سـ ـم ـره في المنتدى

  رد مع اقتباس
قديم 10-24-2011, 03:30 PM   #9
إـبو سـ ـم ـره
Guest
 
المشاركات: n/a
افتراضي



قصة داود عليه السلام

وما كان في أيامه وذكر فضائله وشمائله ودلائل نبوته وأعلامه

هو داود بن إيشا بن عويد بن عابر بن مسلمون بات نحشون بن عوينادب بن إرم بن حصرون بن فرص بن يهوذا بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل عبد الله ونبيه وخليفته في أرض بيت المقدس .

قال محمد بن إسحاق عن بعض أهل العلم عن وهب بن منبه : كان داود عليه السلام قصيراً أزرق العينين قليل الشعر طاهر القلب ونقيه .

تقدم أنه لما قتل جالوت وكان قتله له فيما ذكر ابن عساكر عند قصر أم حكيم بقرب مرج الصفر ، فأحبته بنو إسرائيل ومالوا إليه وإلى ملكه عليهم ، فكان من أمر طالوت ما كان وصار الملك إلى داود عليه السلام ، وجمع الله له بين الملك والنبوة ، بين خير الدنيا والآخرة ، وكان الملك يكون في سبط والنبوة في آخر فاجتعا في داود هذا .

وهذا ؟ قال تعالى :" وقتل داود جالوت وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين " أي لولا إقامة الملوك حكاماً على الناس ، لأكل قوي الناس ضعيفهم . ولهذا جاء في بعض الأمثلة السلطان ظل الله في أرضه . وقال أمير المؤمنين عثمان بن عفان : إن الله ليزع بالسلطان مالا يزع بالقرآن .

وقد ذكر ابن جرير في تاريخه أن جالوت لما بارز طالوت فقال له : اخرج إلي وأخرج إليك ، فندب طالوت الناس فانتدب داود فقتل جالوت .

قال وهب بن منبه : فمال الناس إلى داود حتى لم يكن لطالوت ذكر ، وخلعوا طالوت وولوا عليم داود . وقيل إن ذلك عن أمر شمويل حتى قال بعضم إنه ولاه قبل الوقعة .

قال ابن جرير : والذي عليه الجمهور أنه إنما ولى ذلك بعد قتل جالوت . . والله أعلم ، وروى ابن عساكر عن سعيد بن عبد العزيز : أن قتله جالوت كان عند قصر أم حكيم وأن النهر الذي هناك هو المذكور في الآية . . فالله أعلم .

وقال تعالى :" ولقد آتينا داود منا فضلا يا جبال أوبي معه والطير وألنا له الحديد * أن اعمل سابغات وقدر في السرد واعملوا صالحا إني بما تعملون بصير " وقال تعالى :" وسخرنا مع داود الجبال يسبحن والطير وكنا فاعلين * وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم فهل أنتم شاكرون ".

أعانه الله على عمل الدروع من الحديد ليحصن المقاتلة من الأعداء وأرشده إلى صنعتها وكيفيتها فقال :" وقدر في السرد " أي لا تدق المسماء فيفلق ولا تغلظه فيفصم . قاله مجالهد وقتادة والحكم وعكرمة .

قال الحسن البصري وقتادة و والأعمش : كان الله قد ألان له الحديث حتى كان يتفله بيده لا يحتاج إلى نار ولا مطرقة . قال قتادة : فكان أول من عمر الدروع من زرد وإنما كان قبل ذلك من صفائح . قال ابن شوذب : كان يعمل كل يوم درعاً يبيعها بستة آلاف درهم .

وقد ثبت في الحديد أن أطيب ما أكل الرجل من كسبه وأن نبي الله داود كان يأكل من كسب يده .

وقال تعالى :" واذكر عبدنا داود ذا الأيد إنه أواب * إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق * والطير محشورة كل له أواب * وشددنا ملكه وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب ".

قال ابن عباس ومجاهد : الأيد القوة في الطاعة . يعني ذا قوة في العبادة والعمل الصالح .

قال قتادة : أعطي قوة في العبادة وفقها في إسلام قال : وقد ذكر لنا أنه كان يقوم الليل ويصوم نصف الدهر .

وقد ثبت في الصحيحين أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال :" أحب الصلاة إلي صلاة داود ، وأحب الصيام إلى الله صيام داود كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه ، وكان يصوم يوماً ويفطر يوماً ولا يفر إذا لاقى ".

وقوله :" إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق * والطير محشورة كل له أواب " كما قال :" يا جبال أوبي معه والطير " أي سبحي معه . قاله ابن عباس ومجاهد وغير واحد في تفسير هذه الآية " إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق " أي عند آخر النهار وأوله ، وذلك أنه كان الله تعالى قد وهبه من الصوت العظيم ما لم يعطه أحد بحيث إنه كان إذا ترنم بقراءة كتابه يقف الطير في الهواء يرجع بترجيعه ويسبح بتسبيحه وكذلك الجبال تجيبه وتسبح معه كلما سبح بكرة وعشياً ، صلوات الله وسلامه عليه .

وقال الأوزاعي : حدثني عبد الله بن عامر قال : أعطي داود من حسن الصوت ما لم يعط أحد قط ، حتى إن كان الطير والوحش ينعكف حوله حتى يموت عطشاً وجوعاً وحتى إن الأنهار لتقف ! وقال وهب ابن منبه : كان لا يسمعه أحد إلا حجل كهيئة الرقص ، وكان يقرأ الزبور بصوت لم تسمع الآذان بمثله ، فيعكف الجن والإنس والطير والدواب على صوته حتى يهلك بعضها جوعاً . وقال أبو عوانة الأسفراييني : حدثنا أبو بكر بن أبي الدنيا ، حدثنا محمد ابن منصور الطوسي سمعت صبيحاً أبا تراب رحمه الله قال أبو عوانة : حدثني أبو العباس المدني ، حدثنا بن محمد بن صالح العدوي ، حدثنا سيار هو ابن حاتم عن جعفر ، عن مالك ، قال : كان داود عليه السلام إذا أخذ في قراءة الزبور تفتقت العذارى . . وهذا غريب .

وقال عبد الرزاق عن ابن جريج ، سألت عطاء عن القراءة على الغناء فقال : وما بأس بذلك ؟ سمعت عبيد بن عمر يقول : كان داود عليه السلام يأخذ المعزفة فيضرب بها فيقرأ عليها فترد عليه صوته يريد بذلك أن يبكي وتبكي .

وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق ، حدثنا معمر ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة قالت : سمع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) صوت أبي موسى الأشعري وهو يقرأ فقال :" لقد أوتي أبي موسى من مزامير آل داود ".

وهذا على شرط الشيخين ولم يخرجاه من هذا الوجه .

وقال أحمد : حدثنا حسن ، حدثنا حمادة بن سلمة ، عن محمد بن عمر ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال :" لقد أعطي أبو موسى من مزامير داود ". على شرط مسلم .

وقد روينا عن أب عثمان النهدي أنه قال : لقد سمعت البربط والمزمار ، فما سمعت صوتاً أحسن من صوت أبي موسى الأشعري .

وقد كان مع هذا الصوت الرخيم سريع القراءة لكتابة الزبور ، قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق ، حدثنا عمر ، عن همام عن أبي هريرة قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) :" خفف على داود القراءة ، فكان يأمر بدابته فتسرج فكان يقرأ القرآن من قبل أن تسرج دابته ، وكان لا يأكل إلا من عمل يديه ".

وكذلك رواه البخاري منفرداً به عن عبد الله بن محمد ، عن عبد الرزاق به . ولفظه :" خفف على داود القرآن فكان يأمر بدوابه فتسرج فيقرأ القرآن قبل أن تسرج دوابه ، ولا يأكل إلا من عمل يديه ".

ثم قال البخاري : ورواه موسى بن عقبة ، عن صفوان ، هو ابن سدليم ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي هريرة عن النبي (صلى الله عليه وسلم) .

وقد أسنده ابن عساكر في ترجمة داود عليه السلام في تاريخه من طرق عن إبراهيم بن طهمان ، عن موسى بن عقبة ، ومن طرق أبي عاصم عن أبي بكر السبري ، عن صفوان بن سليم به .

والمراد بالقرآن ها هنا الزبور ألذي أنزله الله عليه وأوحاه إليه ، وذكر رواية أشبه أن يكون محفوظاً فإنه كان ملكاً له أتباع ، فكان يقرأ ألزبور بمقدار ما تسرج الدواب ، وهذا أمر سريع مع التدبر والترنم والتغني به على وجه التخشع ، صلوات الله وسلامه عليه .

وقد قال الله تعالى :" وآتينا داود زبورا " والزبور كتاب مشهور وذكرنا في التفسير الحديث الذي رواه أحمد وغيره أنه أنزل في شهر رمضان ، وفيه من المواعظ والحكم ما هو معروف لمن نظر فيه .

وقوله :" وشددنا ملكه وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب " أي أعطيناه ملكأ عظيماً وحكماً نافذاً .

روى ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس أن رجلين تداعيا إلى داود عليه السلام في بقر ادعى أحدهما على الآخر أنه اغتصبها منه . فأنكر المدعى عليه فأرجأ أمرهما إلى الليل ، فلما كان الليل أوحى الله إليه أن يقتل المدعى ، فلما أصبح قال له داود : إن الله قد أوحى إلي أن أقتلك فأنا قاتلك لا محالة ، فما خبرك فيما ادعيته على هذا ؟ قال : والله يا نبي الله إني لمحق فيما ادعيت عليه ، ولكني كنت اغتلت أباه قبل هذا . فأمر به داود فقتل . فعظم أمر داود في بني إسرائيل جداً وخضعوا له خضوعاً عظيماً . قال ابن عباس : وهو قوله تعالى :" وشددنا ملكه " وقوله تعالى :" وآتيناه الحكمة " أي النبوة " وفصل الخطاب " قال شريح والعشبي وقتادة وأبو عبد الرحمن السلمي وغيرهم : فصل الخطاب الشهود والأيمان يعنون بذلك : البينة على المدعي واليمين على من أنكر وقال مجاهد : والسدي : هو إصابة القضاء وفهمه . وقال مجاهد : وهو الفصل في الكلام وفي الحكم . واختاره ابن جرير .

وهذا لا ينافي ما روي عن أبي موسى أنه قول : أما بعد .

وقال وهب بن منبه : لم كثر الشر وشهادات الزور في بني إسرائيل أعطى داود سلسلة لفصل القضاء . فكانت ممدودة من السماء إلى صخرة بيت المقدس ، وكانت من ذهب ، فإذا تشاجر الرجلان في حق فأيهما كان محقاً نالها والآخر لا يصل إليها . فلم تزل كذلك حتى أودع رجلاً لؤلؤة فجحدها منه وأخذ عكازاً وأودعها فيه ، فلما حضرا عند الصخرة تناولها المدعى فلما قيل للآخر خذها بيدك عمد إلى العكاز فأعطاه المدعي وفيه تلك اللؤلؤة ، وقال : اللهم إنك تعلم أني دفعتها إليه . ثم تناول السلسلة فنالها . فأشكل أمرها على بني إسرائيل . ثم رفعت سريعاً من بينهم .

ذكره بمعناه غير واحد من المفسرين . وقد رواه إسحاق بن بشر عن إدريس بن سنان عن وهب به بمعناه .

" وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب * إذ دخلوا على داود ففزع منهم قالوا لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط واهدنا إلى سواء الصراط * إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فقال أكفلنيها وعزني في الخطاب * قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه وإن كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم وظن داود أنما فتناه فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب * فغفرنا له ذلك وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب ".

وقد ذكر كثير من المفسرين من السلف والخلف هاهنا قصصاً وأخباراً أكثرها إسرائيليات ومنها ما هو مكذوب لا محالة . تركنا إيرادها في كتابنا قصداً اكتفاء واقتصاراً على مجرد تلاوة القصة من القرآن العظيم ، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم .

وقد اختلف الأئمة في سجدة ً : هل هي من عزائم السجود أو إنما هي سجدة شكر ليست من عزائم السجود ؟ على قولين :

قال البخاري : حدثنا محمد بن عبد الله ، حدثنا محمد بن عبيد الطنافسي عن العوام ، قال سألت مجاهداً في سجدة صلى الله عليه وسلم فقال : سألت ابن عباس من أين سجدت ؟ قال : أو ما تقرأ :" ومن ذريته داود وسليمان " " أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده " فكان داود ممن أمر نبيكم (صلى الله عليه وسلم) أن يقتدي به فسجدها داود عليه السلام فسجدها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) .

وقد قال الإمام أحمد : حدثنا إسماعيل - هو ابن علية - عن أيوب ، عن عكرمة ، عن ابن عباس أنه قال : في السجود في ص ليست من عزائم السجود . وقد رأيت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يسجد فيها .

وكذا رواه البخاري وأبو داود و الترمذي و النسائي من حديث أيوب وقال الترمذي : حسن صحيح . وقال النسائي أخبرني إبراهيم ابن الحسن المقسمي ، حدثنا حجاج بن محمد ، عن عمر ابن ذر ، عن أبيه ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس أن النبي (صلى الله عليه وسلم) سجد في ص وقال : سجدها داود توبة ونسجدها شكراً . تفرد به أحمد ورجاله ثقات .

وقال أبو داود : حدثنا أحمد بن صالح ، حدثنا ابن وهب ، أخبرني عمرو بن الحارث ، عن سعيد بن أبي هلال ، عن عياض بن عبد الله بن سعيد بن أبي سرح ، عن أبي سعيد الخدري قال : قرأ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وهو على المنبر ص فلما بلغ السجدة نزل فسجد وسجد معه الناس فلما كان يوم آخر قرأها فلما بلغ السجدة تشزن الناس للسجود فقال :" إنما هي توبة نبي ولكن رأيتكم تشزنتم " فنزل وسجد . تفرد به أبو داود وإسناده على شرط الصحيح .

وقال الإمام أحمد : حدثنا عفان ، حدثنا يزيد بن زريع حدثنا حميد ، حدثنا بكر ، هو ابن عمر ، وأبو الصديق الناجي ، أنه أخبره أن أبا سعيد الخدري رأى رؤيا أنه يكتب ص فلما بلغ إلى التي يسجد بها رأى الدواة والقلم وكل شيء بحضرته انقلب ساجداً . قال فقصها على النبي (صلى الله عليه وسلم) ، فلم يزل يسجد بها بعد ، تفرد به أحمد .

وروى الترمذي و ابن ماجه من حديث محمد بن يزيد بن خنيس عن الحسن بن محمد بن عبيد الله بن أبي يزيد ، قال : قال لي ابن جريج : حدثني جدك عبيد الله بن أبي يزيد ، عن ابن عباس قال : جاء رجل إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) فقال : يا رسول الله . . إني رأيت فيما يرى النائم كأني أصلي خلف شجرة ، فقرأت السجدة فسجدت الشجرة بسجودي ، فسمعتها تقول وهي ساجدة : اللهم اكتب لي بها عندك أجراً واجعلها عندك ذهراً وضع عني بها وزراً ، واقبلها مني كما قبلت من عبدك داود .

قال ابن عباس : فرأيت النبي (صلى الله عليه وسلم) قام فقرأ السجدة ثم سجد فسمعته يقول وهو ساجد كما حكى الرجل عن كلام الشجرة . ثم قال الترمذي : غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه .

وقد ذكر بعض المفسرين أنه عليه السلام ، مكث ساجداً أربعين يوماً وقاله مجاهد والحسن وغيرهما وورد في ذلك حديث مرفوع ، لكنه من رواية يزيد الرقاشي وهو ضعيف متروك الرواية .

قال الله تعالى :" فغفرنا له ذلك وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب " أي إن له يوم القيامة لزلفى ، وهي القربة التي يقربه الله بها ويدنيه من حظيرة قدسه بسببها ، كما ثبت في حديث :" المقسطون على منابر من نور عن يمين الرحمن ، وكلتا يديه يمين ، الذين يقسطون في أهليهم وحكمهم وما ولوا ".

وقال الإمام أحمد في مسنده : حدثنا يحيى بن آدم ، حدثنا فضيل عن عطية ، عن أبي سعيد الخدري ، قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) :" إن أحب الناس إلى الله يوم القيامة وأقربهم منه مجلساً إمام عادل ، وإن أبغض الناس إلى الله يوم القيامة وأشدهم عذاباً إمام جائر ".

وهكذا رواه الترمذي من حديث فضيل بن مرزوق الأغر به ، وقال : لا نعرفه مرفوعاً إلا من هذا الوجه .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو زرعة ، حدثنا عبد الله بن أبي زياد ، حدثنا سيار ، حدثنا جعفر بن سليمان ، سمعت مالك بن دينار في قوله :" وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب " قال : يقوم داود عليه السلام يوم القيامة عند ساق العرش فيقول الله : يا داود . . مجدني اليوم بذلك الصوت الحسن الرخيم الذي كنت تمجدني في الدنيا ، فيقول : وكيف وقد سلبته . فيقول : إني أرده عليك اليوم . قال : فيرفع داود بصوت يستفرغ نعيم أهل الجنان .

" يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب " هذا خطاب من الله تعالى مع داود ، والمراد ولاة الأمور وحكام الناس ، وأمرهم بالعدل بغير ذلك ، وقد كان داود عليه السلام هو المقتدى به في ذلك الزمان في العدل ، وكثرة العبادة ، وأنواع القربات ، حتى إنه كان لا يمضي ساعة من آناء الليل وأطراف النهار إلا وأهل بيته في عبادة ليلاً ونهاراً كما قال تعالى :" اعملوا آل داود شكرا وقليل من عبادي الشكور ".

قال أبو بكر بن أبي الدنيا : حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن بسام ، حدثنا صالح المري ، عن أبي عمران الجولي ، عن أبي الجلد ، قال : قرأت في مسألة داود عليه السلام أنه قال : يا رب . كيف لي أن أشكرك وأنا لأصل إلى شكرك إلا بنعمتك ؟ قال : فأتاه الوحي : أن يا داود ألست تعلم أن الذي بك من النعم مني ؟ قال : بلى يا رب . قال : فإني أرضى بذلك منك .

وقال البيهقي : أنبأنا أبو عبد الله الحافظ أنبأنا أبو بكر بن بالويه ، حدثنا محمد بن يونس القرشي ، حدثنا روح بن عبادة ، حدثني عبد الله بن لاحق ، عن ابن شهاب قال : قال داود : الحمد لله كما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله ، فأوحى الله إليه : إنك أتعبت الحفظة يا داود !

ورواه أبو بكر بن أبي الدنيا عن علي بن الجعد ، عن الثوري مثله .

وقال عبد الله بن المبارك في كتاب الزهد أنبأنا سفيان الثوري ، عن رجل ، عن وهب ابن منبه قال : إن في حكمة آل داود : حق على العقل ألا يغفل عن أربع ساعات : ساعة يناجي فيها ربه ، وساعة يحاسب فيها نفسه ، وساعة يفضي فيها إلى إخوانه الذي يخبرونه بعيوبه ويصدقونه عن نفسه ، وساعة يخلي بين نفسه وبين لذاتها فيما يحل ويجمل فإن هذه الساعة عون على هذه الساعات وإجمام للقلوب ، وحق على العاقل أن يعرف زمانه ويحفظ لسانه ويقبل . على شأنه ، وحق على العاقل ألا يظعن إلا في إحدي ثلاث : زاد لمعاده ومرمة لمعاشه ، ولذة في غير محرم .

وقد رواه أبو بكر بن أبي الدنيا ، عن أبي بكر بن أبي خيثمة ، عن ابن مهدي عن سفيان ، عن أبيه الأغر ، عن وهب بن منبه ، فذكره . . ورواه أيضاً عن على بن الجعد ، عن عمر بن الهيثم الرقاشي عن أبي الأغر ، عن وهب بن منبه فذكره ، وأبو الأغر هذا هو الذي أبهمه ابن المبارك في روايته . قاله ابن عساكر .

وقال عبد الرزاق : أنبأنا بشر بن رافع ، حدثنا شيخ من أهل صنعاء يقال له : أبو عبد الله ، قال : سمعت وهب بن منبه ، فذكر مثله ، وقد أورد الحافظ بن عساكر في ترجمة داود عليه السلام أشياء كثيرة مليحة منها قوله : كن لليتيم كالأب الرحيم ، واعلم أنك كما تزرع كذلك تحصد .

وروى بسند غريب مرفوعا قال داود : يا زارع السيئات أنت تحصد شوكها وحسكها .

وعن داود عليه السلام أنه قال : مثل الخطيب الأحمق في نادي القوم كمثل المغني عند رأس الميت . وقال أيضاً : ما أقبح الفقر بعد الغني وأقبح من ذلك الضلالة بعد الهدي . وقال :أنظر ما تكره أن يذكر عنك في نادي القوم فلا تفعله إذا خلوت .

وقال : لا تعدن أخاك بما لا تنجزه له فإنا ذلك عداوة بينك وبينه .

وقال محمد بن سعد : أنبأنا محمد بن عمر الواقدي ، حدثني هشام بن سعيد ، عن عمر مولي عفرة ، قال : قالت يهود ، لما رأت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يتزوج النساء ! انظروا إلى هذا الذي لا يشبع من الطعام ولا والله ماله همة إلا إلى النساء : حسدوه لكثرة نسائه وعابوه بذلك فقالوا : لو كان نبيا ما رغب في النساء . وكان أشدهم في ذلك حيى بن أخطب فأكذبهم الله وأخبرهم بفضل الله وسعته على نبيه صلوات الله وسلامه عليه فقال :" أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله " يعني بالناس رسول الله (صلى الله عليه وسلم) " فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما " يعني ما آتي الله سليمان بن داود كانت له ألف امرأة . سبعمائة مهرية وثلاثمائة سرية ، وكانت لداود عليه السلام مائة امرأة منهن امرأة أرويا أم سليمان بن داود التي تزوجها بعد الفتنة هذا أكثر مما لمحمد (صلى الله عليه وسلم) . وقد ذكر الكلبي نحو هذا وأنه كان لداود عليه السلام مائة امرأة ولسليمان ألف امرأة منهن ثلاثمائة سرية .

وروى الحافظ في تاريخه في ترجمة صدقة الدمشقي الذي يروى عن ابن عباس من طريق الفرج بن فضالة الحمصي ، عن أبي هريرة الحمصي عن صدقة الدمشق ، أن رجلاً سأل ابن عباس عن الصيام فقال : لأحدثنك بحديث كان عندي في البحث مخزوناً ، إن شئت أنبأتك بصوم داود فإنه كان صواماً قواماً وكان شجاعاً لا يفر إذا لاقى ، وكان يصوم يوماً ويفطر يوماً ، وقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) :" أفضل الصيام صيام داود " وكان يقرأ الزبور بسبعين صوتاً يكون فيها ، وكانت له ركعة من الليل يبكي فيها نفسه ويبكي ببكائه كل شيء ويصرف بصوته المهموم والمحموم .

وإن شئت أنبأتك بصوم ابنه سليمان فإنه كان يصوم من أول الشهر ثلاثة أيام ، ومن وسطه ثلاثة أيام ومن آخره ثلاثة أيام يستفتح الشهر بصيام ووسطه بصيام ويختمه بصيام .

وإن شئت أنبأتك بصوم ابن العذراء البتول عيسى ابن مريم ، فإنه كان يصوم الدهر ويأكل الشعير ويلبس الشعر ، ويأكل ما وجد ولا يسأل عما فقد ، ليس له ولد يموت ولا بيت يخرب ، وكان أينما أدركه الليل صف بين قدميه وقام يصلي حتى يصبح ، وكان رامياً لا يفوته صيد يريده ، وكان يمر بمجالس بني إسرائيل فيقضي لهم حوائجهم .

وإن شئت أنبأتك بصوم أمه مريم بنت عمران ، فإنها كانت تصوم يوماً وتفطر يومين .

وإن شئت أنبأتك بصوم النبي العربي الأمي محمد (صلى الله عليه وسلم) فإنه كان يصوم من كل شهر ثلاثة أيام ويقول : إن ذلك صوم الدهر وقد روى الإمام أحمد عن أبي النضر ، عن فرج بن فضالة ، عن أبي هرم عن صدقة عن ابن عباس مرفوعاً في صوم داود .



ذكر كمية حياته وكيفية وفاته

قد تقدم في ذكر الأحاديث الواردة في خلق آدم أن الله لما استخرج ذريته من ظهره فرأى فيهم الأنبياء عليهم السلام ورأى فيهم رجلاً يزهر فقال : أي رب . . من هذا ؟ قال : هذا ابنك داود . قال : أي رب . . كم عمره ؟ قال : ستون عاماً . قال : أي رب زد في عمره . قال : لا ، إلا أن أزيده من عمرك . وكان عمر آدم ألف عام فزاده أربعين عاماً فلما انقضى عمر آد جاءه ملك الموت فقال : بقي من عمري أربعون سنة ونسي آدم ما كان وهبه لولده داود فأتمها الله لآدم ألف سنة ولداود مائة سنة .

رواه أحمد عن ابن عباس ، و الترمذي وصححه عن أبي هريرة ، وابن خزيمة وابن حبان . وقال الحاكم : على شرط مسلم . وقد تقدم ذكر طرقه وألفاظه في قصة آدم .

قال ابن جرير ، وقد زعم أهل الكتاب أن عمر داود كان سبعاً وسبعين سنة . قلت : هذا غلط مردود عليهم ، قالوا ؟ وكانت مدة ملكه أربعين سنة ،وهذا قد نقله لأنه ليس عندنا ما ينافيه ولم لا ما يقتضيه .

وأما وفاته عليه السلام فقال الإمام أحمد في مسنده : حدثنا قبيصة . حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن بن محمد بن عمرو بن أبي عمرو ، عن المطلب ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال : كان داود عليه السلام فيه غيرة شديدة فكان إذا خرج أغلق الأبواب فلم يدخل على أهله أحد حتى يرجع . قال : فخرج ذات يوم وغلقت الدار فأقبلت امرأته تطلع إلى الدار فإذا رجل قائم وسط الدار فقالت لمن في البيت : من أين دخل هذا الرجل والدار مغلقة ، والله لنفضحن بداود . فجاء داود فإذا الرجل قائم في وسط الدار فقال له داود : من أنت ؟ فقال : أنا الذي لا أهاب الملوك ولا أمنع من الحجاب ، فقال داود : أنت والله إذن ملك الموت مرحباً بأمر الله : ثم مكث حتى قبضت روحه فلما غسل وكفن وفرغ من شأنه طلعت عليه الشمس ، فقال سليمان للطير : أظلي على داود ، فأظلته الطير حتى أظلمت عليه الأرض ، فقال سليمان للطير : اقبضي جناحاً . قال أبو هريرة : فطفق رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يرينا كيف فعلت الطير ، وقبض رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بيده ، وغلبت عليه يومئذ المضرحية .

انفرد بإخراجه الإمام أحمد وإسناده جيد قوي رجاله ثقات ، ومعنى قوله : وغلبت عليه يومئذ المضرحية ، أي وغلبت على التظليل عليه المضرحية وهي الصقوع الطوال الأجنحة واحدها مضرحي ، قال الجوهري : هو الصقر الطويل الجناح .

وقال السدي عن أبي مالك ، عن ابن مالك ، عن ابن عباس قال مات داود عليه السلام فجاء وكان بسبت ، وكانت الطير تظله . وقال السدي أيضا ، عن أبي مالك وعن سعيد بن جبير قال : مات داود عليه السلام يوم السبت فجأة .

وقال إسحاق بن بشر ، عن سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة عن ألحسن ، قال : مات داود عليه السلام وهو ابن مائة سنة ومات يوم الأربعاء فجأة . وقال أبو السكن الهجري : مات إبراهيم الخليل فجأة وداود فجأة وابنه سليمان فجأة صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين . رواه ابن عساكر.

وروى عن بعضهم أن ملك الموت جاءه وهو نازل من محرابه فقال له : دعني أنزل أو أصعد ، فقال : يا نبي الله . . قد نفدت السنون والشهور والآرثار والأرزاق ، قال : فخر ساجداً على مرقاة من تلك المراقي فقبضه وهو ساجد .

وقال إسحاق بن بشر : أنبأنا وافر بن سليمان ، عن أبي سلمان الفلسطيني عن وهب بن منبه قال : إن الناس حضروا جنازة داود عليه السلام فجلسوا في الشمس في يوم صائف قال :وكان قد شيع جنازته يومئذ أربعون ألف راهب عليهم البرانس سوى غيرهم من الناس ، ولم يمت في بني إسرائيل بعد موسى وهارون أحد كانت بنو إسرائيل أشد جزعا عليه منهم على داود . قال : فآذاهم الحر فنادوا سليمان عليه السلام أن يعمل لهم وقاية لما أصابهم من الحر ، فخرج سليمان فنادى الطير فأجابت فأمرها أن تظل الناس ، فتراص بعضها إلى بعض من كل وجه ، حتى استمسكت الريح فكاد الناس أن يهلكوا غما فصاحوا إلى سليمان عليه السلام من الغم ، فخرج سليمان فنادى الطير أن أظلي الناس من ناحية الشمس وتنحي عن ناحي الريح . ففعلت فكان الناس في ظل تهب عليهم الريح ، فكان ذلك أول ما رأواه من ملك سليمان .

وقال الحافظ أبو يعلى : حدثنا أبو همام الوليد بن شجاع ، حدثني الوليد بن مسلم ، عن الهيثم بن حميد ، عن الوضين بن عطاء ، عن نصر بن علقمة ، عن جبير بن نفير، عن أبي الدرداء . قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : " لقد قبض الله داود من بين أصحابه ما فتنوا ولا بدلوا ، ولقد مكث أصحاب المسيح على سننه وهديه مائتي سنة" .

هذا حديث غريب وفي رفعه نظر ، والوضين بن عطاء كان ضعيفاً في الحديث . . والله أعلم .

 

 

من مواضيع إـبو سـ ـم ـره في المنتدى

  رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
الاسلام, الانبياء, جميع

جديد قسم سيرة الانبياء والصحابة

إعلانات عشوائية



أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are معطلة
Pingbacks are معطلة
Refbacks are معطلة



الساعة الآن 12:53 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.8
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO 3.6.1
:: جميع الحقوق محفوظة لمنتديات نهر الحب ::

Security team

 

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92 93 94 95 96 97 98 99 100 101 102 103 104 105 106 107 108 109 110 111 112 113 114 115 116 117 118 119 120 121 122 123 124 125 126 127 128 129 130 131 132 133 134 135 136 137 138 139 140 141 142 143 144 145 146 147 148 149 150 151 152 153 154 155 156 157 158 159 160 161 162 163 164 165 166 167 168 169 170 171 172 173 174 175 176 177 178 179 180 181 182 183 184 185 186 187 188 189 190 191 192 193 194 195 196 197 198 199 200 201 202 203 204 205 206 207 208 209 210 211 212 213 214 215 216 217 218 219 220 221 222 223 224 225 226 227 228 229 230 231 232 233 234 235 236 237 238 239 240 241 242 243 244 245 246 247 248 249 250 251 252 253 254 255 256 257 258 259 260 261 262 263 264 265 266 267 268 269 270 271 272 273 274 275 276 277 278 279 280 281 282 283 284 285 286 287 288 289 290 291 292 293 294 295 296 297 298 299 300 301 302 303 304 305 306 307 308 309 310 311 312 313 314 315 316 317 318 319 320 321 322 323 324 325 326 327 328 329 330 331 332 333 334 335 336 337 338 339 340 341 342 343 344 345 346 347 348 349 350 351 352 353 354 355 356 357 358 359 360 361 362 363 364 365 366 367 368 369 370 371 372 373 374 375 376 377 378 379 380 381 382 383 384 385 386 387 388 389 390 391 392 393 394 395 396 397 398 399 400 401 402 403 404 405 406 407 408 409 410 411 412 413 414 415 416 417 418 419 420 421 422 423 424 425 426 427 428 429 430 431 432 433 434 435 436 437 438 439 440 441 442 443 444 445 446 447 448 449 450 451 452 453 454 455 456 457 458 459 460 461 462 463 464 465 466 467 468 469 470 471 472 473 474 475 476 477 478 479 480 481 482 483 484 485 486 487 488 489 490 491 492 493 494 495 496 497 498 499 500 501 502 503 504 505 506 507 508 509 510 511 512 513 514 515 516 517 518 519 520 521 522 523 524 525 526 527 528 529 530 531 532 533 534 535 536 537 538 539 540 541 542 543 544 545 546 547 548 549 550 551 552 553 554 555 556 557 558 559 560 561 562 563 564 565 566 567 568 569 570 571 572 573 574 575 576 577 578 579 580 581 582 583 584 585 586 587 588 589 590 591 592 593 594 595 596 597 598 599 600 601 602 603 604 605 606 607 608 609 610 611 612 613 614 615 616 617 618 619 620 621 622 623 624 625 626 627 628 629 630 631 632 633 634 635 636 637 638 639 640 641 642 643 644 645 646 647 648 649 650 651 652 653 654 655 656 657 658 659 660 661 662 663 664 665 666 667 668 669 670 671 672 673 674 675 676 677 678 679 680 681 682 683 684 685 686 687 688 689 690 691 692 693 694 695 696 697 698 699 700 701 702 703 704 705 706 707 708 709 710 711 712 713 714 715 716 717 718 719 720 721 722 723 724 725 726 727 728 729 730 731 732 733 734 735 736 737 738 739 740 741 742 743 744 745 746 747 748 749 750 751 752 753 754 755 756 757 758 759 760 761 762 763 764 765 766 767 768 769 770 771 772 773 774 775 776 777 778 779 780 781 782 783 784 785 786 787 788 789 790 791 792 793 794 795 796 797 798 799 800 801 802 803 804 805 806 807 808 809 810 811 812 813 814 815 816 817 818 819 820 821 822 823 824 825 826 827 828 829 830 831 832 833 834 835 836 837 838 839 840 841 842 843 844 845 846 847 848 849 850 851 852 853 854 855 856 857 858 859 860 861 862 863 864 865 866 867 868 869 870 871 872 873 874 875 876 877 878 879 880 881 882 883 884 885 886 887 888 889 890 891 892 893 894 895 896 897 898 899 900 901 902 903 904 905 906 907 908 909 910 911 912 913 914 915 916 917 918 919 920 921 922 923 924 925 926 927 928 929 930 931 932 933 934 935 936 937 938 939 940 941 942 943 944 945 946 947 948 949 950 951 952 953 954 955 956 957 958 959 960 961 962 963 964 965 966 967 968 969 970 971 972 973 974 975 976 977 978 979 980 981 982 983 984 985 986 987 988 989 990 991 992 993 994 995 996 997 998 999 1000 1001 1002 1003 1004 1005 1006 1007 1008 1009 1010 1011 1012 1013 1014 1015 1016 1017 1018 1019 1020 1021 1022 1023 1024 1025 1026 1027 1028 1029 1030 1031 1032 1033 1034 1035 1036 1037 1038 1039 1040 1041 1042 1043 1044 1045 1046 1047 1048 1049 1050 1051 1052 1053 1054 1055 1056 1057 1058 1059 1060 1061 1062 1063 1064 1065 1066 1067 1068 1069 1070 1071 1072 1073 1074 1075 1076 1077 1078 1079 1080 1081 1082 1083 1084 1085 1086 1087 1088 1089 1090 1091 1092 1093 1094 1095 1096 1097 1098 1099 1100 1101 1102 1103 1104 1105 1106 1107 1108 1109 1110 1111 1112 1113 1114 1115 1116 1117 1118 1119 1120 1121 1122 1123 1124 1125 1126 1127 1128 1129 1130 1131 1132 1133 1134 1135 1136 1137 1138 1139 1140 1141 1142 1143 1144 1145 1146 1147 1148 1149 1150 1151 1152 1153 1154 1155 1156 1157 1158 1159 1160 1161 1162 1163 1164 1165 1166 1167 1168 1169 1170 1171 1172 1173 1174 1175 1176 1177 1178 1179 1180 1181 1182 1183 1184 1185 1186 1187 1188 1189 1190 1191 1192 1193 1194 1195 1196 1197 1198 1199 1200 1201 1202 1203 1204 1205 1206 1207 1208 1209 1210 1211 1212 1213 1214 1215 1216 1217 1218 1219 1220 1221 1222 1223 1224 1225 1226 1227 1228 1229 1230 1231 1232 1233 1234 1235 1236 1237 1238 1239 1240 1241 1242 1243 1244 1245 1246 1247 1248 1249 1250 1251 1252 1253 1254 1255 1256 1257 1258 1259 1260 1261 1262 1263 1264 1265 1266 1267 1268 1269 1270 1271 1272 1273 1274 1275 1276 1277 1278 1279 1280 1281 1282 1283 1284 1285 1286 1287 1288 1289 1290 1291 1292 1293 1294 1295 1296 1297 1298 1299 1300 1301 1302 1303 1304 1305 1306 1307 1308 1309 1310 1311 1312 1313 1314 1315 1316 1317 1318 1319 1320 1321 1322 1323 1324 1325 1326 1327 1328 1329 1330 1331 1332 1333 1334 1335 1336 1337 1338 1339 1340 1341 1342 1343 1344 1345 1346 1347 1348 1349 1350 1351 1352 1353 1354 1355 1356 1357 1358 1359 1360 1361 1362 1363 1364 1365 1366 1367 1368 1369 1370 1371 1372 1373 1374 1375 1376 1377 1378 1379 1380 1381 1382 1383 1384 1385 1386 1387 1388 1389 1390 1391 1392 1393 1394 1395 1396 1397 1398 1399 1400 1401 1402 1403 1404 1405 1406 1407 1408 1409 1410 1411 1412 1413 1414 1415 1416 1417 1418 1419 1420 1421 1422 1423 1424 1425 1426 1427 1428 1429 1430 1431 1432 1433 1434 1435 1436 1437 1438 1439 1440 1441 1442 1443 1444 1445 1446 1447 1448 1449 1450 1451 1452 1453 1454 1455 1456 1457 1458 1459 1460 1461 1462 1463 1464 1465 1466 1467 1468 1469 1470 1471 1472 1473 1474 1475 1476 1477 1478 1479 1480 1481 1482 1483 1484 1485 1486 1487 1488 1489 1490 1491 1492 1493 1494 1495 1496 1497 1498 1499 1500 1501 1502 1503 1504 1505 1506 1507 1508 1509 1510 1511 1512 1513 1514 1515 1516 1517 1518 1519 1520 1521 1522 1523 1524 1525 1526 1527 1528 1529 1530 1531 1532 1533 1534 1535 1536 1537 1538 1539 1540 1541 1542 1543 1544 1545 1546 1547 1548 1549 1550 1551 1552 1553 1554 1555 1556 1557 1558 1559 1560 1561 1562 1563 1564 1565 1566 1567 1568 1569