كن من متابعين نهر الحب عبر تويتر

اضغط اعجبني ليصلك جديدنا بالفيسبوك
قديم 07-22-2011, 05:47 PM   #91
آخشآكـ يآ قدريـ
 
الصورة الرمزية mesoo
 
تاريخ التسجيل: Aug 2010
الدولة: فلسطين
المشاركات: 6,503
mesoo is on a distinguished road
افتراضي

بسم الله الرحمن الرحيم
مع الجزء الرابع والعشرون

( 3 )

وبعض أيات من سورة غافر

مبدأ الدفاع عن الحق

استكمالا للقاء السابق الذي تحدثنا فيه عن الذين يجادلون بالباطل
لرد آيات الله ومقابلتها بالباطل، وهم حين يقفون في صف من يجادلون في آيات الله ; يقفون في موجهة الكون الهائل كله المسبح لله و المعترف له بخلق كل شئ.

واليوم نعيش مع الصورة الحية لرجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه , ويدافع عن رسول الله موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام . بعد أن أصدر فرعون قرار بقتله. وذلك لأنه يبلغ رسالة ربه , ويدعو إلى عبادة الله الخالق الرازق المهيمن, ويبطل عبادة فرعون,

﴿ وقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ ﴾ وذلك إمعانا في إستخفاف قومه, فقال: ﴿ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ ﴾ الذي أنتم عليه وهي عبادة فرعون ﴿ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ ﴾ .

فقام المؤمن ليرد تلك المزاعم الباطلة ويدافع عن رسول الله موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام .


******

وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّي اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ – 28
يَا قَوْمِ لَكُمْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأَرْضِ فَمَنْ يَنصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ -29

وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الأَحْزَابِ – 30

مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبَادِ – 31

وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ - 32

يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنْ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ -33

وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولاً كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ – 34

الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ – 35

********
يبدأ الدفاع بتفظيع ما هم مقدمون عليه - أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّي اللَّهُ

أي: كيف تستحلون قتله، ولا ذنب له إلا، أنه يقول ربي الله، ولم يكن أيضا قولاً مجردًا عن البينات، ولهذا قال: ﴿ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾ لأن بينته اشتهرت عندهم اشتهارًا علم به الصغير والكبير، أي: فهذا لا يوجب قتله. حيث ظهرت حجته واستعلى برهانه .

ثم قال لهم مقالة عقلية تقنع كل عاقل، فقال: ﴿ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ ﴾أي: موسى بين أمرين، إما كاذب في دعواه أو صادق فيها، فإن كان كاذبًا فكذبه عليه، وضرره مختص به، وليس عليكم في ذلك ضرر . وإن كان صادقًا وقد جاءكم بالبينات، وأخبركم أنكم إن لم تجيبوه عذبكم الله عذابًا في الدنيا وعذابًا في الآخرة، فإنه لا بد أن يصيبكم بعض الذي يعدكم، وهو عذاب الدنيا.

ثم انتقل رضي الله عنه وأرضاه وغفر له ورحمه - إلى أمر أعلى من ذلك، وبيان قرب موسى من الحق فقال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ ﴾ فلأمر كله لله تعالى فهو الذي أرسل موسى , وأنه تعالى لا يهدي من يدعي عليه كذبا . أو يكذب برسالته إستكبارا .

وقد أيد الله تعالى "موسى" بمعجزات لا ينكرها إلا متكبر كذاب.

ثم حذر قومه ونصحهم، وخوفهم عذاب الآخرة، ونهاهم عن الاغترار بالملك الظاهر، فقال: ﴿ يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ﴾ أي: في الدنيا ﴿ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا ﴾ ؟ وهذا من حسن دعوته، ليفهمهم أنه ينصح لهم كما ينصح لنفسه، ويرضى لهم ما يرضى لنفسه.
﴿ قَالَ فِرْعَوْنُ ﴾ معارضًا له في ذلك، ومغررًا لقومه أن يتبعوا موسى: ﴿ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ ﴾ أي الديكتاتورية الحمقاء والرأي الواحد حتي ولو كان خطأ.

رأى أن يستخف قومه فيتابعوه، ليقيم بهم ملكه على الباطل.

﴿ وَقَالَ الَّذِي آمَنَ ﴾ مكررًا دعوة قومه غير آيس من هدايتهم، كما هي حالة الدعاة إلى الله تعالى، لا يزالون يدعون إلى ربهم، ولا يردهم عن ذلك راد،

فقال لهم: ﴿ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ ﴾ يعني الأمم المكذبين، الذين تحزبوا على أنبيائهم، واجتمعوا على معارضتهم، ثم بينهم فقال: ﴿ مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ ﴾ أي: مثل عادتهم في الكفر والتكذيب وعادة الله فيهم بالعقوبة العاجلة في الدنيا قبل الآخرة، ﴿ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ ﴾ فيعذبهم بغير ذنب أذنبوه، ولا جرم أسلفوه.

ولما خوفهم العقوبات الدنيوية، خوفهم العقوبات الأخروية، فقال: ﴿ وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمِ التَّنَادِ ﴾ أي: يوم القيامة، حين ينادي أهل الجنة أهل النار: ﴿ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا ﴾ 44 الأعراف إلى آخر الآيات.

﴿ وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ ﴾ 50 الأعراف

وحين ينادي أهل النار مالكًا ( وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُم مَاكِثُونَ ) 77 الزخرف

فخوفهم رضي الله عنه هذا اليوم المهول، وتوجع لهم أن أقاموا على شركهم بذلك، ولهذا قال: ﴿ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِين مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ ﴾ لا من أنفسكم قوة تدفعون بها عذاب الله، ولا ينصركم من دونه من أحد .

﴿ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ﴾ لأن الهدى بيد الله تعالى، فإذا منع عبده الهدى لعلمه أنه غير لائق به، لخبثه، فلا سبيل إلى هدايته.

﴿ وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ ﴾ أي أمركم بعبادة ربكم وحده لا شريك له، ﴿ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ ﴾ في حياته ﴿ حَتَّى إِذَا هَلَكَ ﴾ ازداد شككم وشرككم، و ﴿ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا ﴾ أي: هذا ظنكم الباطل، وحسبانكم الذي لا يليق بالله تعالى، فإنه تعالى لا يترك خلقه سدى، لا يأمرهم وينهاهم، ولهذا قال: ﴿ كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ ﴾ وهذا هو وصفهم الحقيقي الذي وصفوا به موسى ظلمًا وعلوا، فهم المسرفون بتجاوزهم الحق وعدولهم عنه إلى الضلال، وهم الكذبة.

فالذي وصفه السرف والكذب، لا ينفك عنهما، لا يهديه الله، ولا يوفقه للخير، لأنه رد الحق بعد أن وصل إليه وعرفه، فجزاؤه أن يعاقبه الله، بأن يمنعه الهدى، كما قال تعالى: ﴿ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ﴾5 الصف.. و قال تعالى :﴿ وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾110 الأنعام . وقال تعالى: ﴿ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾258 البقرة

ثم ذكر وصف المسرف الكذاب فقال: ﴿ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ ﴾ التي بينت الحق من الباطل، وصارت -من ظهورها- بمنزلة الشمس للبصر، فهم يجادلون فيها على وضوحها، ليدفعوها ويبطلوها ﴿ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ ﴾ أي: بغير حجة وبرهان، وهذا وصف لازم لكل من جادل في آيات الله، فإنه من المحال أن يجادل بسلطان، لأن الحق لا يعارضه معارض، فلا يمكن أن يعارض بدليل شرعي أو عقلي أصلا،

﴿ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ لأنه تضمن التكذيب بالحق والتصديق بالباطل ونسبته إليه، وهذه أمور يشتد بغض الله لها ولمن اتصف بها، وكذلك عباده المؤمنون يمقتون على ذلك أشد المقت موافقة لربهم،

﴿ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ ﴾ متكبر في نفسه على الحق برده وعلى الخلق باحتقارهم، جبار بكثرة ظلمه وعدوانه.

وهذا ما حدث لفرعون أصبح يتخبط في أقوله ويستخف بعقول العوام

وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ – 36 أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِباً وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنْ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلاَّ فِي تَبَابٍ – 37


******


وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِي أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ – 38

يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ – 39

مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ – 40

وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ – 41

تَدْعُونَنِي لأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ – 42

لا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلا فِي الآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ – 43

فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ – 44

فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ – 45


*******

وهكذا كانت عاقبة الذين يجادلون بالباطل مهما بلغوا من قوة وأثار في الأرض , لم تنفعهم لأن الحضارة لا تبنى على الكذب والإستعلاء على الحق, إنما تبنى الحضارات وتبقى مادامت بجانب الحق والصدق.

وأن الله تعالى يدافع عن الذين أمنوا طالما دافعوا عن مبادئ الحق.


فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ – 45

**********

يتبع

 

 

من مواضيع mesoo في المنتدى

mesoo غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 07-22-2011, 05:48 PM   #92
آخشآكـ يآ قدريـ
 
الصورة الرمزية mesoo
 
تاريخ التسجيل: Aug 2010
الدولة: فلسطين
المشاركات: 6,503
mesoo is on a distinguished road
افتراضي

بسم الله الرحمن الرحيم

مع الجزء الرابع والعشرون
( 4 )
وبعض أيات من سورة فصلت

مبدأ العلم

حم – 1 تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ - 2 كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ – 3

يخبر تعالى عباده أن هذا القرآن العظيم ﴿ تَنْزِيلُ ﴾ صادر ﴿ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ الذي وسعت رحمته كل شيء، الذي من أعظم رحمته وأجلها، إنزال هذا الكتاب، الذي حصل به، من العلم والهدى، والنور، والشفاء، والرحمة، والخير الكثير، فهو الطريق للسعادة في الدارين.
ثم أثنى على الكتاب بتمام البيان فقال: ﴿ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ﴾ أي: فصل كل شيء , وهذا يستلزم من علماء المسلمين تدبر آياته والبحث في كافة العلوم التي أتى بها على الإجمال حتى يستوعبها البشر في كافة العصور .
﴿ قُرْآنًا عَرَبِيًّا ﴾ أي: باللغة الفصحى أكمل اللغات، فصلت آياته وجعل عربيًا. ﴿ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ أي: لأجل أن يتبين لهم معناه، كما تبين لفظه، ويتضح لهم الهدى من الضلال، والْغَيِّ من الرشاد.
وقد حافظ القرآن العظيم على اللغة العربية ونشرها في ربوع الأرض وجعلها من اللغات الحية في العالم.
وقد استوعبت اللغة العربية جميع علوم الأرض , والدليل على ذلك ما قام به علماء الإسلام بالترجمة لكتب العلوم في العصر الذهبي للدولة الإسلامية , والبحث العلمي في جميع أصول المعرفة سواء الرياضية في الجبر والهندسة أو العلوم الكيمائية أو الطبية أو علم الفلك من نجوم وكواكب أو الجغرافية أو التاريخية والشريعة والقانون.
والتفوق في العلوم الصناعية في كافة المجالات مثل صناعة السفن والأساطيل البحرية وإنشاء الترع والسدود و إنشاء المدن وما ترتب عليها من مرافق وإضاءة .

وأما الجاهلون، الذين لا يزيدهم الهدى إلا ضلالاً، ولا البيان إلا عَمًى فهؤلاء لم يُسَقِ الكلام لأجلهم، ﴿ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾ 6 البقرة

******
أما الإعتماد على القوة الغاشمة دون هداية من الله تعالى, فتهلك أصحابها عاجلا أو أجلا , وقد ورد في سورة فصلت نموذج لأمتين عاد وثمود.

فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ – 15 فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ – 16

هذا تفصيل لقصة هاتين الأمتين، عاد، وثمود. ﴿ فَأَمَّا عَادٌ ﴾ فكانوا - مع كفرهم باللّه، وجحدهم بآيات اللّه، وكفرهم برسله - مستكبرين في الأرض، قاهرين لمن حولهم من العباد، ظالمين لهم، قد أعجبتهم قوتهم.
﴿ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ﴾ قال تعالى ردًا عليهم : ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ﴾ فلولا خلقه إياهم، لم يوجدوا فلو نظروا إلى هذه الحال نظرًا صحيحًا، لم يغتروا بقوتهم، فعاقبهم اللّه عقوبة، تناسب قوتهم، التي اغتروا بها.
﴿ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ ﴾ أي: ريحًا عظيمة، من قوتها وشدتها، لها صوت مزعج، كالرعد القاصف. فسخرها اللّه عليهم ﴿ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ ﴾
7 الحاقة - فدمرتهم وأهلكتهم، فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم. وقال هنا: ﴿ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ الذي فضحهم بين الخليقة. ﴿ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ ﴾ أي: لا يمنعون من عذاب اللّه، ولا ينفعون أنفسهم.

وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ – 17 وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ – 18

وأما ثمود وهم القبيلة المعروفة الذين سكنوا الحجر وحواليه، الذين أرسل اللّه إليهم صالحًا عليه السلام، يدعوهم إلى توحيد ربهم، وينهاهم عن الشرك وآتاهم اللّه الناقة، آية عظيمة، لها شرب ولهم شرب يوم معلوم، يشربون لبنها يومًا ويشربون من الماء يومًا، وليسوا ينفقون عليها، بل تأكل من أرض اللّه، ولهذا قال هنا: ﴿ وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ ﴾ أي: هداية بيان.
ولكنهم - من ظلمهم وشرهم - استحبوا العمى - الذي هو الكفر والضلال- على الهدى - الذي هو: العلم والإيمان - ﴿ فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾.

﴿ وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ )

*******

يتبع

 

 

من مواضيع mesoo في المنتدى

mesoo غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 07-22-2011, 05:48 PM   #93
آخشآكـ يآ قدريـ
 
الصورة الرمزية mesoo
 
تاريخ التسجيل: Aug 2010
الدولة: فلسطين
المشاركات: 6,503
mesoo is on a distinguished road
افتراضي

بسم الله الرحمن الرحيم

مع الجزء الرابع والعشرون

( 5 )

وبعض أيات من سورة فصلت

استكمالا للقاء السابق - الذي تحدثنا فيه عن أهمية العلم والعلماء في الإسلام - نتحدث اليوم إن شاء الله عن عوامل صيانة ذلك العلم من الإنحراف وجعله في خدمة الإنسانية لا وبالا ودمارا عليها.
ويبدأ ذلك بإعلان أن كل ما بنا من نعم فمن الله وحده لا شريك له. فهو وحده الوهاب والممد لكل المواهب والعلوم والمنعم برزق كل الكائنات.

ومع هذا اليقين يجب الإلتزام بالاستقامة على طريق الحق والعدل التي بينته رسالة الله القرآن العظيم وسنة رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم.

وفي ظل تلك المبادئ والمعاملات والأخلاق والأداب ينعم المؤمن في الدنيا وتتحقق له العزة والكرامة في هذا العالم المليئ بالمتناقضات.

ويعيش المؤمن في أنوار الاستقامة على شرع الله إلى أن تتنزل عليه ملائكة الرحمة تبشره بالنعيم الأبدي .


إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ - 30 نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ – 31 نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ – 32


يخبر تعالى عن أوليائه، وفي ضمن ذلك، تنشيطهم، والحث على الاقتداء بهم، فقال: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا ﴾ أي: اعترفوا ونطقوا ورضوا بربوبية الله تعالى، واستسلموا لأمره، ثم استقاموا على الصراط المستقيم، علمًا وعملاً، فلهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة.

﴿ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ ﴾ الكرام، أي: يتكرر نزولهم عليهم، مبشرين لهم عند الاحتضار. ﴿ أَلَّا تَخَافُوا ﴾ على ما يستقبل من أمركم، ﴿ وَلَا تَحْزَنُوا ﴾ على ما مضى، فنفوا عنهم المكروه الماضي والمستقبل، ﴿ وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ﴾ فإنها قد وجبت لكم وثبتت، وكان وعد الله مفعولاً، ويقولون لهم أيضا - مثبتين لهم، ومبشرين: ﴿ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ﴾ يحثونهم في الدنيا على الخير، ويزينونه لهم، ويرهبونهم عن الشر، ويقبحونه في قلوبهم، ويدعون الله لهم، ويثبتونهم عند المصائب والمخاوف، وخصوصًا عند الموت وشدته، والقبر وظلمته، وفي القيامة وأهوالها، وعلى الصراط، وفي الجنة يهنئونهم بكرامة ربهم، ويدخلون عليهم من كل باب ﴿ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ -24 الرعد ﴾ ويقولون لهم أيضا: ﴿ وَلَكُمْ فِيهَا ﴾ أي: في الجنة ﴿ مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ ﴾ قد أعد وهيئ. ﴿ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ ﴾ أي: تطلبون من كل ما تتعلق به إرادتكم وتطلبونه من أنواع اللذات والمشتهيات، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.

﴿ نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ ﴾ أي: هذا الثواب الجزيل، والنعيم المقيم، نُزُلٌ وضيافة ﴿ مِنْ غَفُورٍ ﴾ غفر لكم السيئات، ﴿ رَحِيمٌ ﴾ حيث وفقكم لفعل الحسنات، ثم قبلها منكم. فبمغفرته أزال عنكم المحذور، وبرحمته، أنالكم المطلوب.


******

وهذه بعض النماذج لأقوال وأعمال المؤمنين ...


وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ – 33


هذا استفهام بمعنى النفي المتقرر أي: لا أحد أحسن قولا. أي: كلامًا وطريقة، وحالة ﴿ مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ ﴾ بتعليم الجاهلين، ووعظ الغافلين والمعرضين، ومجادلة المبطلين، بالأمر بعبادة الله، بجميع أنواعها،والحث عليها، وتحسينها مهما أمكن، والزجر عما نهى الله عنه، وتقبيحه بكل طريق يوجب تركه، خصوصًا من هذه الدعوة إلى أصل دين الإسلام وتحسينه، ومجادلة أعدائه بالتي هي أحسن، والنهي عما يضاده من الكفر والشرك، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.

ومن الدعوة إلى الله، تحبيبه إلى عباده، بذكر تفاصيل نعمه، وسعة جوده، وكمال رحمته، وذكر أوصاف كماله، ونعوت جلاله.

ومن الدعوة إلى الله، الترغيب في اقتباس العلم والهدى من كتاب الله وسنة رسوله، والحث على ذلك، بكل طريق موصل إليه، ومن ذلك، الحث على مكارم الأخلاق، والإحسان إلى عموم الخلق، ومقابلة المسيء بالإحسان، والأمر بصلة الأرحام، وبر الوالدين.

ومن ذلك، الوعظ لعموم الناس، في أوقات المواسم، والعوارض، والمصائب، بما يناسب ذلك الحال، إلى غير ذلك، مما لا تنحصر أفراده، مما تشمله الدعوة إلى الخير كله، والترهيب من جميع الشر.

ثم قال تعالى: ﴿ وَعَمِلَ صَالِحًا ﴾ أي: مع دعوته الخلق إلى الله، بادر هو بنفسه، إلى امتثال أمر الله، بالعمل الصالح، الذي يُرْضِي ربه. ﴿ وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾ أي: المنقادين لأمره، السالكين في طريقه، وهذه مرتبة الصديقين.


*******

والمؤمن ليس عنده الوقت ليقابل السيئة بالسيئة , فهو صاحب مهمة أكبر في هذا الوجود , وهي أشرف مهمة تتعلق بجذب القلوب لتعريفهم برسالة الله تعالى ودعوتهم إلى الخير.


وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ – 34

وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ – 35

وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ – 35

﴿ وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ﴾ أي: لا يستوي فعل الحسنات والطاعات لأجل رضا الله تعالى، ولا فعل السيئات والمعاصي التي تسخطه ولا ترضيه، ولا يستوي الإحسان إلى الخلق، ولا الإساءة إليهم، لا في ذاتها، ولا في وصفها، ولا في جزائها ﴿ هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ – 60 الرحمن ﴾
ثم أمر بإحسان خاص، له موقع كبير، وهو الإحسان إلى من أساء إليك، فقال:﴿ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ أي: فإذا أساء إليك مسيء من الخلق، خصوصًا من له حق كبير عليك، كالأقارب، والأصحاب، ونحوهم، إساءة بالقول أو بالفعل، فقابله بالإحسان إليه، فإن قطعك فَصلْهُ، وإن ظلمك، فاعف عنه، وإن تكلم فيك، غائبًا أو حاضرًا، فلا تقابله، بل اعف عنه، وعامله بالقول اللين. وإن هجرك، وترك خطابك، فَطيِّبْ له الكلام، وابذل له السلام، فإذا قابلت الإساءة بالإحسان، حصل فائدة عظيمة.

﴿ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴾ أي: كأنه قريب شفيق.

﴿ وَمَا يُلَقَّاهَا ﴾ أي: وما يوفق لهذه الخصلة الحميدة ﴿ إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا ﴾ نفوسهم على ما تكره، وأجبروها على ما يحبه الله، فإن النفوس مجبولة على مقابلة المسيء بإساءته وعدم العفو عنه، فكيف بالإحسان؟".

فإذا صبر الإنسان نفسه، وامتثل أمر ربه، وعرف جزيل الثواب، وعلم أن مقابلته للمسيء بجنس عمله، لا يفيده شيئًا، ولا يزيد العداوة إلا شدة، وأن إحسانه إليه، ليس بواضع قدره، بل من تواضع للّه رفعه، هان عليه الأمر، وفعل ذلك بطيب خاطر.

﴿ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ﴾ لكونها من خصال خواص الخلق، التي ينال بها العبد الرفعة في الدنيا والآخرة، التي هي من أكبر خصال مكارم الأخلاق.

*******

يتبع

 

 

من مواضيع mesoo في المنتدى

mesoo غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 07-22-2011, 05:49 PM   #94
آخشآكـ يآ قدريـ
 
الصورة الرمزية mesoo
 
تاريخ التسجيل: Aug 2010
الدولة: فلسطين
المشاركات: 6,503
mesoo is on a distinguished road
افتراضي

بسم الله الرحمن الرحيم

مع الجزء الخامس و العشرون

(1)

وبعض أيات من سورة الشورى


شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ , كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ, اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ – 13


لقد جاء في مطلع السورة قوله تعالى : كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم...

فكانت هذه إشارة إجمالية إلى وحدة المصدر , ووحدة المنهج , ووحدة الاتجاه . وهنا يقرر أن ما شرعه الله للمسلمين هو - في عمومه - ما وصى به نوحا وإبراهيم وموسى وعيسى . وهو أن يقيموا دين الله الواحد , ولا يتفرقوا فيه . ويرتب عليها نتائجها من وجوب الثبات على المنهج الإلهي القديم , دون التفات إلى أهواء المختلفين .

والدين هو المنهاج أو الدستور للدولة بما تحويه من قوانين ولوائح, ونفهم ذلك من الأية الكريمة ( لكم دينكم ولي دين ) فهل للكافرين دين ؟ نعم لهم دين يحكم تحركاتهم متمثل في القوانين المطبقة لديهم , بعيدة كانت أو قريبة من شريعة الإسلام .

وللمسلمين دين أي شريعة تحكم تصرفاتهم وتبنى عليها كافة المعاملات . والفرق كبير بين دين الله تعالى ودين البشر.

فشريعة الله رغم كونها تحكم جميع التصرفات للإنسان الظاهرة , فهي أيضا تحكم ضميره حيث تجعل منه رقيبا على تصرفاته, قال تعالى في سورة المجادلة :

أَلَمْ تَرَى أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ, مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا, ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ, إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ - 7

بينما لا يوجد ذلك في شرائع البشر , وبالتالي كثرت الجرائم الأخلاقية بينهم .

ولهذا كان الأمر بإقامة الدين, أي شريعة الله المتثلة في العبادات والمعاملات حسب التقسيمات الفقهية , والإجتهاد في جعل التشريعات المستحدثة تسير وفق هذه الشريعة الغراء.

وهذه أكبر منة أنعم الله بها على عباده، أن شرع لهم من الدين خير الأديان وأفضلها، وأزكاها وأطهرها، دين الإسلام، الذي شرعه الله للمصطفين المختارين من عباده، بل شرعه الله لخيار الخيار، وصفوة الصفوة، وهم أولو العزم من المرسلين المذكورون في هذه الآية، أعلى الخلق درجة، وأكملهم من كل وجه، فالدين الذي شرعه الله لهم، لا بد أن يكون مناسبا لأحوالهم، موافقا لكمالهم، بل إنما كملهم الله واصطفاهم، بسبب قيامهم به، فلولا الدين الإسلامي، ما ارتفع أحد من الخلق، فهو روح السعادة، وقطب رحى الكمال، وهو ما تضمنه هذا الكتاب الكريم، ودعا إليه من التوحيد والأعمال والأخلاق والآداب.

فقد جاء الإسلام لينقذ البشرية كلها مما انتهت إليه من انحلال وفساد واضطهاد . وجاء لهداية البشرية يدلها الطريق إلى الله على هدى وعلى نور . فتم تحرير الشعوب المستضعفة في معظم الأرض وأصبحت الشمس لا تغيب عن أرض الإسلام . وكان ذلك في ظل إقامة الدين الإسلامي الذي هو شريعة الله تنظم حياة البشر وتحقق العدل والمساواة بين الناس ولا تجبر إنسان على الدخول في الإسلام بل تحميهم وتحمي أماكن عبادتهم , وتنشر نور الإسلام في حرية , فدخل الناس في دين الله أفواجا.

ولهذا قال تعالى : ﴿ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ ﴾ أي: أمركم أن تقيموا جميع شرائع الدين أصوله وفروعه، تقيمونه بأنفسكم، وتجتهدون في إقامته على غيركم، وتعاونون على البر والتقوى ولا تعاونون على الإثم والعدوان. ﴿ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ﴾ أي: ليحصل منكم الاتفاق على أصول الدين وفروعه، واحرصوا على أن لا تفرقكم المسائل وتحزبكم أحزابا، وتكونون شيعا يعادي بعضكم بعضا مع اتفاقكم على أصل دينكم.

ومن أنواع الاجتماع على الدين وعدم التفرق فيه، ما أمر به الشارع من الاجتماعات العامة، كاجتماع الحج والأعياد، والجمع والصلوات الخمس والجهاد، وغير ذلك من العبادات التي لا تتم ولا تكمل إلا بالاجتماع لها وعدم التفرق.

﴿ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْه ﴾ أي: شق عليهم غاية المشقة، حيث دعوتهم إلى الإخلاص للّه وحده، كما قال عنهم: ﴿ وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ﴾45 الزمر

﴿ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ ﴾ أي يختار من خليقته من يعلم أنه يصلح للاجتباء لرسالته وولايته ومنه أن اجتبى هذه الأمة وفضلها على سائر الأمم، واختار لها أفضل الأديان وخيرها.

﴿ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ ﴾ هذا السبب الذي من العبد، يتوصل به إلى هداية الله تعالى، وهو إنابته لربه، وانجذاب دواعي قلبه إليه، وكونه قاصدا وجهه، فحسن مقصد العبد مع اجتهاده في طلب الهداية، من أسباب التيسير لها، كما قال تعالى: ﴿ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ ﴾16 المائدة

وفي هذه الآية، أن الله ﴿ يَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ ﴾ .مع العلم بأحوال الصحابة رضي الله عنهم، وشدة إنابتهم، دليل على أن قولهم حجة، خصوصا الخلفاء الراشدين، رضي الله عنهم أجمعين.


*******


وَمَا تَفَرَّقُوا إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ - 14

فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لأعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ – 15

لما أمر تعالى باجتماع المسلمين على دينهم، ونهاهم عن التفرق، أخبرهم: أنكم لا تغتروا بما أنزل الله عليكم من الكتاب، فإن أهل الكتاب لم يتفرقوا حتى أنزل الله عليهم الكتاب الموجب للاجتماع، ففعلوا ضد ما يأمر به كتابهم، وذلك كله بغيا وعدوانا منهم، فإنهم تباغضوا وتحاسدوا، وحصلت بينهم المشاحنة والعداوة، فوقع الاختلاف، فاحذروا أيها المسلمون أن تكونوا مثلهم.
﴿ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ ﴾ أي: بتأخير العذاب القاضي ﴿ إلى أجل مسمى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ﴾ ولكن حكمته وحلمه، اقتضى تأخير ذلك عنهم. ﴿ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ ﴾ أي: الذين ورثوهم وصاروا خلفا لهم ممن ينتسب إلى العلم منهم ﴿ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ ﴾ أي: لفي اشتباه كثير يوقع في الاختلاف، حيث اختلف سلفهم بغيا وعنادا، فإن خلفهم اختلفوا شكا وارتيابا، والجميع مشتركون في الاختلاف المذموم.

﴿ فَلِذَلِكَ فَادْعُ ﴾ أي: فللدين القويم والصراط المستقيم، الذي أنزل الله به كتبه وأرسل رسله، فادع إليه أمتك وحضهم عليه، وجاهد عليه، من لم يقبله، ﴿ وَاسْتَقِمْ ﴾ بنفسك ﴿ كَمَا أُمِرْتَ ﴾ أي: استقامة موافقة لأمر الله، لا تفريط ولا إفراط، بل امتثالا لأوامر الله واجتنابا لنواهيه، على وجه الاستمرار على ذلك.

ومن المعلوم أن أمر الرسول صلى الله عليه وسلم أمر لأمته إذا لم يرد تخصيص له.

﴿ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ ﴾ أي: أهواء المنحرفين عن الدين، من الكفرة والمنافقين .

﴿ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ ﴾ أي: لتكن مناظرتك لهم مبنية على هذا الأصل العظيم، الدال على شرف الإسلام وجلالته وهيمنته على سائر الأديان .

وقوله تعالى: ﴿ وَأُمِرْتُ لأعْدِلَ بَيْنَكُمُ ﴾ أي: في الحكم فيما اختلفتم فيه.

﴿ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ ﴾ أي: هو رب الجميع، لستم بأحق به منا. ﴿ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ ﴾ من خير وشر ﴿ لا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ﴾ أي: بعد ما تبينت الحقائق، واتضح الحق من الباطل، والهدى من الضلال، لم يبق للجدال والمنازعة محل.

﴿ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ﴾ يوم القيامة، فيجزي كلا بعمله، ويتبين حينئذ الصادق من الكاذب.


********

يتبع

 

 

من مواضيع mesoo في المنتدى

mesoo غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 07-22-2011, 05:50 PM   #95
آخشآكـ يآ قدريـ
 
الصورة الرمزية mesoo
 
تاريخ التسجيل: Aug 2010
الدولة: فلسطين
المشاركات: 6,503
mesoo is on a distinguished road
افتراضي

بسم الله الرحمن الرحيم

مع الجزء الخامس و العشرون

(2)

وبعض أيات من سورة الشورى


فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ - 36 وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ - 37

وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ - 38

وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ – 39


تقرر الآيات السابقة ثلاثة مبادئ هامة لبناء المجتمعات المتحضرة..

أولا . طهارة الأفراد , بالزهد وإجتناب الكبائر والفواحش.

ثانيا . الاستجابة لأوامر الله تعالى وعلى رأسها إقامة الصلاة وتفعيل أوقاتها كما ذكرنا من قبل , ثم تفعيل مبدء الشورى كأهم مبدء في تسير أمور الدول والمجتمعات... ثم النهوض بالجانب الأقتصادي بحيث يزيد وتنفق على الفقراء سواء في مجتمعك أو للأمم الفقيرة وتحبيبهم في الإسلام .

ثالثا . يترتب على المبدئين السابقين العزة والنصر للأمة الإسلامية.


*******


فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ - 36 وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ - 37

هذا تزهيد في الدنيا وترغيب في الآخرة، وذكر الأعمال الموصلة إليها فقال: ﴿ فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ ﴾ من ملك ورياسة، وأموال وبنين، وصحة وعافية بدنية. ﴿ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ لذة منغصة منقطعة. ﴿ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ ﴾ من الثواب الجزيل، والأجر الجليل، والنعيم المقيم ﴿ خَيْرٌ ﴾ من لذات الدنيا، خيرية لا نسبة بينهما ﴿ وَأَبْقَى ﴾ لأنه نعيم لا منغص فيه ولا كدر، ولا انتقال.
ثم ذكر لمن هذا الثواب فقال: ﴿ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ أي: جمعوا بين الإيمان الصحيح، المستلزم لأعمال الإيمان الظاهرة والباطنة، وبين التوكل الذي هو أساس لكل عمل، فكل عمل لا يصحبه التوكل غير تام.

والتوكل هو الاعتماد بالقلب على الله في جلب ما يحبه العبد، ودفع ما يكرهه, مع الثقة به تعالى.

﴿ وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ وَالْفَوَاحِشَ ﴾ والفرق بين الكبائر والفواحش - مع أن جميعهما كبائر- أن الفواحش هي الذنوب الكبار التي في النفوس داع إليها، كالزنا ونحوه، والكبائر ما ليس كذلك، هذا عند الاقتران، وأما مع إفراد كل منهما عن الآخر فإن الآخر يدخل فيه.

﴿ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ ﴾ أي: قد تخلقوا بمكارم الأخلاق ومحاسن الشيم، فصار الحلم لهم سجية، وحسن الخلق لهم طبيعة حتى إذا أغضبهم أحد بمقاله أو فعاله، كظموا ذلك الغضب فلم ينفذوه، بل غفروه، ولم يقابلوا المسيء إلا بالإحسان والعفو والصفح.

فترتب على هذا العفو والصفح، من المصالح ودفع المفاسد في أنفسهم وغيرهم شيء كثير، كما قال تعالى: ﴿ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ – 34 وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ – 35 فصلت ﴾


*****

مبدأ الشورى


وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ - 38


﴿ وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ ﴾ أي: انقادوا لطاعته، ولبَّوْا دعوته، وصار قصدهم رضوانه، وغايتهم الفوز بقربه.

﴿ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴾

﴿ وَأَمْرُهُمْ ﴾ الديني والدنيوي ﴿ شُورَى بَيْنَهُمْ ﴾ أي: لا يستبد أحد منهم برأيه في أمر من الأمور المشتركة بينهم، وهذا لا يكون إلا فرعا عن اجتماعهم وتوالفهم وتواددهم وتحاببهم وكمال عقولهم، أنهم إذا أرادوا أمرا من الأمور التي تحتاج إلى إعمال الفكر والرأي فيها، اجتمعوا لها وتشاوروا وبحثوا فيها، حتى إذا تبينت لهم المصلحة، انتهزوها وبادروها، وذلك كالرأي في مصالح البلاد العليا والدفاع والجهاد لصد المعتدين، وإعداد الميزانيات المالية لجميع القطاعات بحيث ينشأ التوازن لتلبية الحاجات الملحة للإنسان من التطوير والبحث العلمي والتصنيع الثقيل كتصنيع الطائرات والبوارج البحرية والغواصات والتعمير وتوفير المساكن والخدمات اللازمة من طعام وشراب والعمل على التنمية المستمرة في مجال إنشاء المدن وشبكات الطرق والعمل على صيانتها, وتولية الموظفين لإمارة أو قضاء، أو غيره، وكالبحث في المسائل الدينية عموما، فإنها من الأمور المشتركة، والبحث فيها لبيان الصواب مما يحبه الله، وهو داخل في هذه الآية.

والشورى كأهم مبدأ تنادي به اليوم الدول المتحضرة تحت مسمى الديمقرطية , وجد في الإسلام منذ 15 قرن كمعيار من أهم معاير الحكم في الإسلام القائم على الشورى وعدم الاستبداد بالرأي.

وقد أمر الله تعالى نبيه بالإلتزام بذلك المبدأ كي يكون ملزما للأمة من بعده فقال تعالى :

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ – 159 ال عمران ﴾

﴿وشاورهم في الأمر﴾ أي: الأمور التي تحتاج إلى استشارة ونظر وفكر، فإن في الاستشارة من الفوائد والمصالح الدينية والدنيوية ما لا يمكن حصره:

منها: أن المشاورة من العبادات المتقرب بها إلى الله.

فإن من له الأمر على الناس -إذا جمع أهل الرأي: والفضل وشاورهم في حادثة من الحوادث- اطمأنت نفوسهم وأحبوه، وعلموا أنه ليس بمستبد عليهم، وإنما ينظر إلى المصلحة الكلية العامة للجميع، فبذلوا جهدهم ومقدورهم في طاعته، لعلمهم بسعيه في مصالح العموم، بخلاف من ليس كذلك، فإنهم لا يكادون يحبونه محبة صادقة، ولا يطيعونه وإن أطاعوه فطاعة غير تامة.

ومنها: أن في الاستشارة تنور الأفكار، بسبب إعمالها فيما وضعت له، فصار في ذلك زيادة للعقول.

ومنها: ما تنتجه الاستشارة من الرأي: المصيب، فإن المشاور لا يكاد يخطئ في فعله، وإن أخطأ أو لم يتم له مطلوب، فليس بملوم، فإذا كان الله يقول لرسوله -صلى الله عليه وسلم- وهو أكمل الناس عقلا، وأغزرهم علما، وأفضلهم رأيا-: ﴿ وشاورهم في الأمر ﴾ فكيف بغيره؟!

ثم قال تعالى: ﴿ فإذا عزمت ﴾ أي: على أمر من الأمور بعد الاستشارة فيه، إن كان يحتاج إلى استشارة ﴿ فتوكل على الله ﴾ أي: اعتمد على حول الله وقوته، متبرئا من حولك وقوتك، ﴿ إن الله يحب المتوكلين ﴾ عليه، اللاجئين إليه.


*******


وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ – 39


﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ ﴾ أي: وصل إليهم من أعدائهم ﴿ هُمْ يَنْتَصِرُونَ ﴾ لقوتهم وعزتهم، ولم يكونوا أذلاء عاجزين عن الانتصار.

فوصفهم بالإيمان، وعلى الله، واجتناب الكبائر والفواحش الذي تكفر به الصغائر، والانقياد التام، والاستجابة لربهم، وإقامة الصلاة، والمشاورة في أمورهم ، والإنفاق في وجوه الإحسان ، والقوة والانتصار على أعدائهم، فهذه خصال الكمال قد جمعوها فحق لهم النصر والعزة والسعادة في الدنيا والأخرة.


*******

يتبع

 

 

من مواضيع mesoo في المنتدى

mesoo غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 07-22-2011, 05:51 PM   #96
آخشآكـ يآ قدريـ
 
الصورة الرمزية mesoo
 
تاريخ التسجيل: Aug 2010
الدولة: فلسطين
المشاركات: 6,503
mesoo is on a distinguished road
افتراضي

بسم الله الرحمن الرحيم

مع الجزء الخامس و العشرون

(3)

وبعض أيات من سورة الشورى


وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ - 40 وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ – 41 إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ – 42 وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ – 43


ومازالت المبادئ تتوالى مع سورة الشورى, ونعيش فيها مع مبدء العفو والانتصار للحق وعدم الظلم ثم نختم بمبدء الصبر والغفران لمن أساء من غير ضعف ولا تفريط للعدالة.


ذكر الله في هذه الآية، مراتب العقوبات، وأنها على ثلاث مراتب: عدل وفضل وظلم.


1- مرتبة العدل


جزاء السيئة بسيئة مثلها، لا زيادة ولا نقص، فالنفس بالنفس، وكل جارحة بالجارحة المماثلة لها، والمال يضمن بمثله.


2- مرتبة الفضل


وهي العفو والإصلاح عن المسيء، ولهذا قال: ﴿ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ﴾ يجزيه أجرا عظيما، وثوابا كثيرا، وشرط الله في العفو الإصلاح فيه، ليدل ذلك على أنه إذا كان الجاني لا يليق العفو عنه، وكانت المصلحة الشرعية تقتضي عقوبته، فإنه في هذه الحال لا يكون مأمورا به.

وفي جعل أجر العافي على الله ما يحث على العفو، وأن يعامل المؤمن غيره من الخلق بما يحب أن يعامله الله به، فكما يحب أن يعفو الله عنه، فَلْيَعْفُ عنهم، وكما يحب أن يسامحه الله، فليسامحهم، فإن الجزاء من جنس العمل.


3- مرتبة الظلم


وأما مرتبة الظلم فقد ذكرها بقوله: ﴿ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ﴾ الذين يعتدون على غيرهم ابتداء، أو يقابلون الجاني بأكثر من جنايته، فالزيادة ظلم.

﴿ وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ ﴾ أي: انتصر ممن ظلمه بعد وقوع الظلم عليه ﴿ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ ﴾ أي: لا حرج عليهم في ذلك.

فالذي ينتصر بعد ظلمه , ويجزي السيئة بالسيئة , ولا يعتدي , ليس عليه من جناح . وهو يزاول حقه المشروع . فما لأحد عليه من سلطان . ولا يجوز أن يقف في طريقه أحد . إنما الذين يجب الوقوف في طريقهم هم الذين يظلمون الناس , ويبغون في الأرض بغير الحق .

فإن الأرض لا تصلح وفيها ظالم لا يقف له الناس ليكفوه ويمنعوه من ظلمه ; وفيها باغ يجور ولا يجد من يقاومه ويقتص منه .

والله يتوعد الظالم الباغي بالعذاب الأليم . ولكن على الناس كذلك أن يقفوا له ويأخذوا عليه الطريق.

﴿ إِنَّمَا السَّبِيلُ ﴾ أي: إنما تتوجه الحجة بالعقوبة الشرعية ﴿ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ﴾ وهذا شامل للظلم والبغي على الناس، في دمائهم وأموالهم وأعراضهم. ﴿ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ أي: موجع للقلوب والأبدان، بحسب ظلمهم وبغيهم.


وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ – 43


ومجموعة النصوص في هذه القضية تصور الاعتدال والتوازن بين الاتجاهين ; وتحرص على صيانة النفس من الحقد والغيظ , ومن الضعف والذل , ومن الجور والبغي , وتعلقها بالله ورضاه في كل حال . وتجعل الصبر زاد الرحلة الأصيل .

ومجموعة صفات المؤمنين ترسم طابعاً مميزاً للأمة التي تقود البشرية وترجو ما عند الله وهو خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون.

﴿ وَلَمَنْ صَبَرَ ﴾ على ما يناله من أذى الخلق ﴿ وَغَفَرَ ﴾ لهم، بأن سامح لهم عما يصدر منهم، ﴿ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴾ أي: لمن الأمور التي حث الله عليها وأكدها، وأخبر أنه لا يلقاها إلا أهل الصبر والحظوظ العظيمة، ومن الأمور التي لا يوفق لها إلا أولو العزائم والهمم، وذوو الألباب والبصائر.
فإن ترك الانتصار للنفس بالقول أو الفعل، من أشق شيء عليها، والصبر على الأذى، والصفح عنه، ومغفرته، ومقابلته بالإحسان، أشق وأشق، ولكنه يسير على من يسره الله عليه، وجاهد نفسه على الاتصاف به، واستعان الله على ذلك، ثم إذا ذاق العبد حلاوته، ووجد آثاره، تلقاه برحب الصدر، وسعة الخلق.

قال تعالى:

وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ – 34 وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ – 35 فصلت


*******

يتبع

 

 

من مواضيع mesoo في المنتدى

mesoo غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 07-22-2011, 05:53 PM   #97
آخشآكـ يآ قدريـ
 
الصورة الرمزية mesoo
 
تاريخ التسجيل: Aug 2010
الدولة: فلسطين
المشاركات: 6,503
mesoo is on a distinguished road
افتراضي

بسم الله الرحمن الرحيم

مع الجزء الخامس و العشرون

(4)

وبعض أيات من سورة الزخرف


أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ - 32

وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّن فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ – 33 وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَاباً وَسُرُراً عَلَيْهَا يَتَّكِؤُونَ – 34 وَزُخْرُفاً وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ – 35


مبدأ التكامل وحقيقة السنن الإلهية.


ومبدأ التكامل بين البشر يقتضي أن يسخر الجميع لخدمة الجميع. وليس كما نرى من مبادئ البشر خدمة طبقة لصالح طبقة. أو استعلاء طبقة على طبقة , أو استعلاء فرد على فرد . . . إن كل البشر مسخر بعضهم لبعض . والأرض تدور بالجميع , والتفاوت في الرزق هو الذي يسخر هذا لذاك , ويسخر ذاك لهذا في دورة الحياة .

العامل مسخر للمهندس ومسخر لصاحب العمل . والمهندس مسخر للعامل ولصاحب العمل . وصاحب العمل مسخر للمهندس وللعامل على السواء . . وكلهم مسخرون للخلافة في الأرض بهذا التفاوت في المواهب والاستعدادات , والتفاوت في الأعمال والأرزاق . .


إن الإسلام يقرر الحقائق الخالدة المركوزة في فطرة هذا الوجود ; الثابتة ثبات السماوات والأرض ونواميسها التي لا تختل ولا تتزعزع .

وطبيعة هذه الحياة البشرية قائمة على أساس التفاوت في مواهب الأفراد والتفاوت فيما يمكن أن يؤديه كل فرد من عمل ; والتفاوت في مدى اتقان هذا العمل . وهذا التفاوت ضروري لتنوع الأدوار المطلوبة للخلافة في هذه الأرض .

ولو كان جميع الناس نسخاً مكرورة ما أمكن أن تقوم الحياة في هذه الأرض بهذه الصورة . ولبقيت أعمال كثيرة جداً لا تجد لها مقابلاً من الكفايات , ولا تجد من يقوم بها - والذي خلق الحياة وأراد لها البقاء والنمو , خلق الكفايات والاستعدادات متفاوتة تفاوت الأدوار المطلوب أداؤها .

ذلك شأن الرزق والمعاش في هذه الحياة الدنيا . ووراء ذلك رحمة الله تعالى.


( وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ )


والله يختار لهذه الرحمة من يشاء , ممن يعلم أنهم لها أهل . ولا علاقة بينها وبين عرض الحياة الدنيا ; ولا صلة لها بقيم هذه الحياة الدنيا . فهذه القيم عند الله زهيدة زهيدة . ومن ثم يشترك فيها الأبرار والفجار , وينالها الصالحون والطالحون . بينما يختص برحمته المختارين. .

وإن قيم هذه الأرض لمن الزهادة والرخص بحيث - لو شاء الله - لأغدقها إغداقاً على الكافرين به . ذلك إلا أن تكون فتنة للناس , تصدهم عن الإيمان بالله.


وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّن فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ – 33 وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَاباً وَسُرُراً عَلَيْهَا يَتَّكِؤُونَ – 34 وَزُخْرُفاً وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ – 35


فهكذا - لولا أن يفتتن الناس . والله أعلم بضعفهم وتأثير عرض الدنيا في قلوبهم - لجعل لمن يكفر بالرحمن صاحب الرحمة الكبيرة العميقة - بيوتاً سقفها من فضة , وسلالمها أو مصاعدها من ذهب. بيوتاً ذات أبواب كثيرة . قصورا . فيها سرر للاتكاء , وفيها زخرف للزينة . . رمزاً لهوان هذه الفضة والذهب والزخرف والمتاع ; بحيث تبذل هكذا رخيصة لمن يكفر بالرحمن.

( وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا )

متاع زائل , لا يتجاوز حدود هذه الدنيا . ومتاع زهيد يليق بالحياة الدنيا

( وَالْآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ )

وهؤلاء هم المكرمون عند الله بتقواهم ; فهو يدخر لهم ما هو أكرم وأبقى ; ويؤثرهم بما هو أقوم وأغلى . ويميزهم على من يكفر بالرحمن ممن يبذل لهم من ذلك المتاع الرخيص ما يبذله للحيوان.

وإن عرض الحياة الدنيا الذي ضرب الله له بعض الأمثال من المال والزينة والمتاع ليفتن الكثيرين . وأشد الفتنة حين يرونه في أيدي الفجار , ويرون أيادي الأبرار منه خالية ; أو يرون هؤلاء في عسر أو مشقة أو ابتلاء , وأولئك في قوة وثروة وسطوة واستعلاء . والله يعلم وقع هذه الفتنة في نفوس الناس . ولكنه يكشف لهم عن زهادة هذه القيم وهوانها عليه ; ويكشف لهم كذلك عن نفاسة ما يدخره للأبرار الأتقياء عنده . والقلب المؤمن يطمئن لاختيار الله للأبرار وللفجار.

فزخارف الدنيا لا تدل على قربى من الله تعالى ولا تنبىء عن رضى , ولا تشي باختيار.


وفي الحديث القدسي :

من أصبح منكم معافى في جسده آمنا في سربه عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا.

الراوي: عبيد الله بن محصن الأنصاري

- المصدر: صحيح ابن ماجه - لصفحة أو الرقم: 3357

خلاصة حكم المحدث: حسن


وهكذا يضع القرآن الأمور في نصابها ; ويكشف عن سنن الله في توزيع الأرزاق في الدنيا والآخرة ; ويقرر حقيقة القيم كما هي عند الله ثابتة .

******

يتبع

 

 

من مواضيع mesoo في المنتدى

mesoo غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 07-22-2011, 05:54 PM   #98
آخشآكـ يآ قدريـ
 
الصورة الرمزية mesoo
 
تاريخ التسجيل: Aug 2010
الدولة: فلسطين
المشاركات: 6,503
mesoo is on a distinguished road
افتراضي

بسم الله الرحمن الرحيم

مع الجزء الخامس و العشرون

(5)

وبعض أيات من سورة الدخان


بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ, حم - 1 وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ – 2 إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ – 3 فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ – 4 أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ – 5 رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ – 6 رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ – 7 لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ – 8

والليلة المباركة التي أنزل فيها القرآن هي - والله أعلم - الليلة التي بدأ فيها نزوله ; وهي إحدى ليالي رمضان , الذي قيل فيه: ( شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن ). وكانت هذه الليلة موعد هذا الاتصال المبارك .
قال تعالى:

إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ-1 وَمَآ أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ -2 لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ -3 تَنَزَّلُ ٱلْمَلاَئِكَةُ وَٱلرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ -4 سَلاَمٌ هِيَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ ٱلْفَجْرِ - 5

وهي ليلة بدء نزول هذا القرآن على قلب نبينا محمد ـ صلى الله عليه وأله وسلم ـ ليلة ذات الحدث العظيم الذي لم تشهد الأرض مثله في عظمته، وفي دلالته، وفي آثاره في حياة البشرية جميعاً . والعظمة التي لا يحيط بها الإدراك البشري.

وإنها لمباركة حقاً تلك الليلة التي يفتح فيها ذلك الفتح على البشرية , والتي يبدأ فيها استقرار هذا المنهج الإلهي في حياة البشر ; والتي يتصل فيها الناس بالنواميس الكونية الكبرى مترجمة في هذا القرآن ترجمة يسيرة , تستجيب لها الفطرة السليمة ; وتقيم على اساسها عالماً إنسانياً مستقراً على قواعد الفطرة واستجاباتها , متناسقاً مع الكون الذي يعيش فيه , طاهراً نظيفاً كريماً ; يعيش فيه الإنسان على الأرض موصولاً بالسماء في كل حين.
ولقد عاش الذين أنزل القرآن لهم أول مرة فترة عظيمة في كنف السماء , موصولين مباشرة بالله ; يطلعهم أولاً بأول على ما في نفوسهم ; ويشعرهم أولاً بأول بأن عينه عليهم , ويحسبون هم حساب هذه الرقابة , وحساب هذه الرعاية , في كل حركة وكل هاجسة تخطر في ضمائرهم ; ويلجأون إليه أول ما يلجأون , واثقين أنه قريب مجيب. وقد انسحب ذلك الإيمان في كل معاملاتهم وأخلاقهم .

ومضى ذلك الجيل وبقي بعده القرآن كتاباً مفتوحاً موصولاً بالقلب البشري , يصنع به حين يتفتح له ما صنعه في قلوب المؤمنين الأوائل ; خير أمة أخرجت للناس , نشروا رسالة ربهم في ربوع الأرض في أقل من ثلاثين سنة , مع السيادة المطلقة كدولة أولى في العالم استمرت أكثر من عشرة قرون متتالية,

وبقي هذا القرآن منهجاً واضحاً كاملاً صالحاً لإنشاء حياة إنسانية نموذجية في كل بيئة وفي كل زمان . حياة إنسانية تعيش في بيئتها وزمانها في نطاق ذلك المنهج الإلهي المتميز الطابع , بكل خصائصه دون تحريف . وهذه سمة المنهج الإلهي وحده . الذي يحمل طابع الدوام والكمال , والصلاحية المستمرة وتلبية الحاجات في كل ظرف وفي كل حين .

أنزل الله هذا القرآن في هذه الليلة المباركة . . أولاً للإنذار والتحذير: ( إنا كنا منذرين ). فالله يعلم غفلة هذا الإنسان ونسيانه وحاجته إلى الإنذار والتنبيه .

وهذه الليلة المباركة بنزول هذا القرآن كانت فيصلاً وفارقاً بهذا التنزيل:

( فيها يفرق كل أمر حكيم )

وقد فرق فيها بهذا القرآن في كل أمر , وفصل فيها كل شأن , وتميز الحق الخالد والباطل الزاهق , ووضعت الحدود , وأقيمت المعالم لرحلة البشرية كلها بعد تلك الليلة إلى يوم الدين ; فلم يبق هناك أصل من الأصول التي تقوم عليها الحياة غير واضح . فالقرآن العظيم أنار العقول والقلوب بنور العلم والإيمان.


*****


رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ - 5 رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ – 6 لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ – 7

و تتجلى رحمة الله بالبشر في تنزيل هذا القرآن , بهذا اليسر , الذي يجعله سريع اللصوق بالقلب , وتحول الكائن البشري إلى إنسان كريم , والمجتمع البشري إلى مجتمع متراحم مترابط في ظل عقيدة الرحمة.
إن هذه العقيدة - التي جاء بها القرآن - في تكاملها وتناسقها - جميلة في ذاتها جمالاً يحبّ ويعشق ; وتتعلق به القلوب ..


( رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ ) نزل بها هذا القرآن في الليلة المباركة . . ( إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ). يسمع ويعلم , وينزل ما ينزل للناس على علم وعلى معرفة بما يقولون وما يعملون , وما يصلح لهم ويصلحون به من السنن والشرائع والتوجيه السليم. .


( رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ )


فما ينزله للناس يربيهم به , هو طرف من ربوبيته للكون كله , وطرف من نواميسه التي تصرف الكون , بشرط الثبات واليقين.

وهو الإله الواحد الذي يملك الموت والحياة ; وهو رب الأولين والآخرين.


( لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ )


******

يتبع

 

 

من مواضيع mesoo في المنتدى

mesoo غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 07-22-2011, 05:54 PM   #99
آخشآكـ يآ قدريـ
 
الصورة الرمزية mesoo
 
تاريخ التسجيل: Aug 2010
الدولة: فلسطين
المشاركات: 6,503
mesoo is on a distinguished road
افتراضي

بسم الله الرحمن الرحيم

مع الجزء الخامس و العشرون
(6)

وبعض أيات من سورة الجاثية


حم - 1 تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ – 2 إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ لآيَاتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ - 3

وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِن دَابَّةٍ آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ – 4

وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن رِّزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ – 5 تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ - 6


مازلنا نعيش مع أنوار مبادئ الإسلام التي التزم بها المسلمون الأوائل فسادوا العالم , فملأوا الدنيا نورا وعدلا.

منطق العلم واليقين

آيات الله تعالى في الكون من حولنا لا تدع مجالا للشك لأي عاقل لأن يدرك أن للكون إله خالق مدبر حكيم عليم يدير هذا الكون الهائل. وكان يجب على هذا الإنسان العاقل أن يذعن لرسالة ربه التي تنير له طريق السعادة في الدنيا والأخرة, فلو أرسل لك شخص برسالة فمن السفه أن تلقها دون أن تعرف محتواها , فما بالك برسالة الله رب العالمين للبشر. فمن رحمة الله تعالى بالإنسانية أن أرسل لهم خير البشر صلوات ربي وسلامه عليه بخير كتاب على وجه الأرض القرآن العظيم لتحقيق الرحمة والعدل فيما بينهم والنجاة والنعيم في الأخرة.

تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ – 2 إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ لآيَاتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ - 3


وكتاب الله تعالى يطلب منك التدبر والتأكد والتفحص والعلم بالآيات المكتوبة والآيات الكونية من حولك , وذلك لكونه الحق من عند الله تعالى لا يأتيه الباطل من قريب أو بعيد بل هو الحق المطلق.

والآيات المبثوثة في السماوات والأرض لا تقتصر على شيء دون شيء , ولا حال دون حال . فحيثما مد الإنسان ببصره وجد آيات الله تطالعه في هذا الكون العجيب . .

وأي شيء ليس آية ؟

وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِن دَابَّةٍ آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ – 4

هذه السماوات بأجرامها الضخمة , وأفلاكها الهائلة , وهي - على ضخامتها – تدور في أفلاكها في دقة واطراد وتناسق .

وهذه الأرض الواسعة العريضة بالقياس إلى البشر , وهي ذرة , أو هباءة بالقياس إلى النجوم الكبيرة . ثم بالقياس إلى هذا الفضاء الفسيح . . تتوه لولا القدرة التي تمسك بها وتنتظمها في العقد الكوني الذي لا يتوه شيء فيه.

وقد أودع الله تعالى خصائص دقيقة مقصودة متراكبة متجمعة متناسقة . لو اختلت خصيصة واحدة منها أو تخلفت ما أمكن أن تقوم فيها الحياة أو تدوم على الأرض.

وكل شيء في هذه الأرض وكل حي . . آية . . وكل جزء من كل شيء ومن كل حي في هذه الأرض . . آية . . والصغير الدقيق كالضخم الكبير . . آية . . هذه الورقة الصغيرة في هذه الشجرة الضخمة أو النبتة الهزيلة . . آية . . آية في شكلها وحجمها , آية في لونها وملمسها . آية في وظيفتها وتركيبها . وهذه الشعرة في جسم الحيوان أو الإنسان . . آية . . آية في خصائصها ولونها وحجمها . وهذه الريشة في جناح الطائر . . آية . . آية في مادتها وتنسيقها ووظيفتها . وحيثما مد الإنسان ببصره في الأرض أو في السماء تزاحمت الآيات وتراكبت , وأعلنت عن نفسها لقلبه وسمعه وبصره.

ولكن , من الذي يرى هذه الآيات ويستشعرها ؟ لمن تعلن هذه الآيات عن نفسها ؟ لمن ؟

إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ – 3

فالإيمان هو الذي يفتح القلوب لتلقي الأصداء والأضواء والأنداء ; والإحساس بما فيها من آيات الله المبثوثة في الأرض والسماء . تشير كلها إلى الخالق العظيم .

ثم ينتقل بهم السياق من آفاق الكون إلى ذوات أنفسهم ; وهي أقرب إليهم , وهم بها أكثر حساسية.:

وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِن دَابَّةٍ آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ – 4

وخلق هذا الإنسان بهذا التكوين العجيب , وبهذه الخصائص الفريدة , وبهذه الوظائف اللطيفة الدقيقة المتنوعة الكثيرة . خارقة . خارقة نسيناها لطول تكرارها , ولقربها منا ! ولكن التركيب العضوي لجارحة واحدة من جوارح هذا الإنسان مسألة تدير الرأس عجباً ودهشة واستهوالاً لهذا التركيب العجيب.

إن الحياة في أبسط صورها معجزة . في الإميبا ذات الخلية الواحدة . وفيما هو أصغر من الإميبا ! فكيف بها في هذا الإنسان الشديد التركيب والتعقيد ؟ وهو في تركيبه النفسي أشد تركباً وتعقداً من تركيبه العضوي.

وحوله تلك الخلائق التي تدب على الأرض أنواعاً وأجناساً , وأشكالاً وأحجاماً , لا يحصيها إلا الله . وأصغرها كأكبرها معجز في خلقه . معجز في تصريفه . معجز في تناسب حياته على هذه الأرض , بحيث لا يزيد جنس عن حدود معينة , تحفظ وجوده وامتداده , وتمنع طغيانه على الأجناس الأخرى طغيان إبادة وإفناء . واليد الممسكة بزمام الأنواع والأجناس تزيد فيها وتنقص بحكمة وتقدير ; وتركب في كل منها من الخصائص والقوى والوظائف ما يحفظ التوازن بينها جميعاً . .

النسور جارحة ضارية وعمرها مديد . ولكنها في مقابل هذا نزرة قليلة البيض والفراخ بالقياس إلى العصافير والزرازير . . ولنا أن نتصور كيف كان الأمر يكون لو كان للنسور نسل العصافير ؟ وكيف كانت تقضي على جميع الطيور ؟

والأسود كذلك في عالم الحيوان كاسرة ضارية . فكيف لو كانت تنسل كالظباء والشاء ؟ إنها ما كانت تبقي على لحم في الغابة ولا غذاء . . ولكن اليد التي تمسك بالزمام تجعل نسلها محدوداً بالقدر المطلوب ! وتكثر من ذوات اللحوم من الظباء والشاء وما إليها لسبب معلوم... .

والذبابة الواحدة تبيض في الدورة الواحدة مئات الألوف . . وفي مقابل هذا لا تعيش إلا حوالي أسبوعين اثنين . فكيف لو افلت الزمام فعاشت الذبابة الواحدة أشهراً أو سنين ؟ لكان الذباب يغطي الأجسام ويأكل العيون ؟ ولكن اليد المدبرة هناك تضبط الأمور وفق تقدير دقيق محسوب فيه حساب كل الحاجات والأحوال والظروف... .

وهكذا وهكذا . في الخلق ذاته . وفي خصائصه . وفي تدبيره وتقديره . في عالم الناس , وعالم الدواب . . في هذا كله آيات . آيات ناطقة . ولكن لمن ؟ من الذي يراها ويتدبرها ويدركها ؟

إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ لآيَاتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ - 3

وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِن دَابَّةٍ آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ – 4

واليقين هو الحالة المهيئة للقلوب كي تحس , وكي تتأثر , وكي تنيب . . اليقين الذي يدع القلوب تقر وتثبت وتطمئن ; وتتلقى حقائق الكون في هدوء ويسر وثقة من غير شك أعمى يتخبط في ظلمات الجهل والشتات.

ثم ينتقل بهم من ذوات أنفسهم وحركة الأحياء حولهم , إلى الظواهر الكونية , وما ينشأ عنها من أسباب الحياة لهم وللأحياء جميعاً.

وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن رِّزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ – 5 تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ - 6

واختلاف الليل والنهار ظاهرتان قد لا يلحظهما الإنسان من كثرة التكرار,

ولكن أية عجيبة تطالع الحس البشري وهو يواجه الليل أول مرة أو يواجه النهار ؟ إن القلب الشاعر المتفتح يرى هذه العجيبة دائماً , وينتفض لها دائماً ; ويرى يد الله التي تدير الكون كله كلما رأى الليل والنهار.

وتنمو معارف البشر , ويتسع علمهم عن بعض الظواهر الكونية , ويعرفون أن الليل والنهار ظاهرتان تنشآن عن دورة الأرض حول محورها أمام الشمس مرة في كل أربع وعشرين ساعة . ولكن العجيبة لا تنقص شيئاً بهذه المعرفة . فإن دورة الأرض هذه عجيبة أخرى . دورة هذا الجرم حول نفسه بهذه السرعة المنتظمة , وهو عائم في الهواء , سابح في الفضاء , غير مستند إلى شيء إلا إلى القدرة التي تمسك به وتديره كما شاءت بهذا النظام الذي لا يتخلف , وبهذا القدر الذي يسمح للأحياء والأشياء أن تظل على سطح هذا الكوكب السابح السارح الدائر في الفضاء.

ويتوسع البشر في علمهم فيدركون أهمية هاتين الظاهرتين على سطح الأرض بالقياس إلى الحياة والأحياء ;ويعرفون أن تقسيم الأوقات بين الليل والنهار بهذه النسبة على سطح هذا الكوكب عامل رئيسي لوجود الحياة وبقاء الأحياء ; وأنه لو لم توجد هاتان الظاهرتان بهذا القدر وعلى هذا النظام لتغير كل شيء على هذه الأرض , وبخاصة تلك الحياة الإنسانية التي تخص المخاطبين . من الأحياء ! ومن ثم تزداد هاتان الظاهرتان أهمية في الحس البشري ولا تنقصان.

وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن رِّزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ – 5

فهذه الأشعة التي تنزل من السماء ليست أقل أثراً في إحياء الأرض من الماء . فحرارة الشمس تبخر الماء من البحار فتتكاثف وتنزل أمطاراً , وتجري عيوناً وأنهاراً ; وتحيا بها الأرض بعد موتها . تحيا بالماء وتحيا بالحرارة والضياء سواء.

وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ.

والرياح تمضي شمالاً وجنوباً , وشرقاً وغرباً , منحرفة ومستقيمة , دافئة وباردة , وفق النظام الدقيق المنسوق المقصود في تصميم هذا الكون العجيب ; وحساب كل شيء فيه حساباً دقيقاً لا يترك شيئاً للمصادفة العمياء . . ولتصريف الرياح علاقة معروفة بدورة الأرض , وبظاهرتي الليل والنهار , وبالرزق الذي ينزل من السماء . وكلها تتعاون في تحقيق مشيئة الله في خلق هذا الكون .

آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ.

فللعقل هنا عمل , وله في هذا الميدان مجال.

وبهذه المبادئ يعيش المؤمن حياة اليقين مع آيات الله تعالى , سواء المكتوبة في القرآن العظيم أو المبثوثة في الكون.

*******

يتبع

 

 

من مواضيع mesoo في المنتدى

mesoo غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 07-22-2011, 05:55 PM   #100
آخشآكـ يآ قدريـ
 
الصورة الرمزية mesoo
 
تاريخ التسجيل: Aug 2010
الدولة: فلسطين
المشاركات: 6,503
mesoo is on a distinguished road
افتراضي

بسم الله الرحمن الرحيم

مع الجزء الخامس و العشرون
(7)
وبعض أيات من سورة الجاثية

تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ - 6

لاحظنا في اللقاء السابق كيف بنيت مبادئ الإسلام على العلم والمنطق واليقين المحسوس. ورأينا كيف خاطب القرآن العقول والضمائر.
فمن لم يؤمن بهذه الآيات فلا رجاء في أن يؤمن بسواها ; ومن لم توقظه هذه الإشارات الموحية فلن توقظه الصرخات من غير هذا الصوت المستجاب.

تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ - 6

إن أي كلام لن يبلغ كلام الله في القرآن . وإن أي إبداع لن يبلغ إبداع الله في الكون . وإن أية حقيقة لن تبلغ حقيقة الله في الثبوت والوضوح واليقين . فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ ...؟؟؟

*****

وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ - 7 يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ - 8 وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ – 9 مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا شَيْئًا وَلا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ – 10 هَذَا هُدًى وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ – 11

وهنا لا يليق بمن لا يؤمن إلا التهديد والتنكيل.:

﴿ وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ ﴾ أي: كذاب في مقاله أثيم في فعاله.
وأخبر أن له عذابا أليما وأن ﴿ مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ ﴾ تكفي في عقوبتهم البليغة.
وأنه ﴿ لا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا ﴾ من الأموال ﴿وَلا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ﴾ يستنصرون بهم. ( وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) . ولا سبيل للنجاة من هذا العذاب إلا بهداية الله تعالى.
﴿ هَذَا هُدًى ﴾ وهذا وصف عام لجميع القرآن فإنه يهدي إلى معرفة الله تعالى بصفاته المقدسة وأفعاله الحميدة، ويهدي إلى معرفة رسله وأوليائه وأعدائه، وأوصافهم، ويهدي إلى الأعمال الصالحة والمبادئ الخالدة في الأخلاق والمعاملات ويدعو إليها ويبين الأعمال السيئة وينهى عنها، ويهدي إلى بيان الجزاء على الأعمال ويبين الجزاء الدنيوي والأخروي، فالمهتدون اهتدوا به فأفلحوا وسعدوا، ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ ﴾ الواضحة القاطعة ﴿ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ ﴾

*******

وكما رأينا أيات الله تعالى في الأنفس والآفاق كالشمس لا ينكرها إلا من فقد عقله وقلبه. ثم بعد تلكموا الآيات الواضحة نجد شيئا في غاية الأهمية ألا وهو التسخير ..فلولا أن سخر لنا الله تعالى كل ماحولنا سواء في الأرض أو السماء لهلك الإنسان على ضعفه أمام كل هذا الكون المهول بكل بحاره وأنهاره و جباله وبراكينه وزلازله ووحوشه , ولكنها نعمة التسخير لذلك الإنسان.

اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ – 12 وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ – 13

يخبر تعالى بفضله على عباده وإحسانه إليهم بتسخير البحر لسير المراكب والسفن والغواصات بأمره وتيسيره، ﴿ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ ﴾ بأنواع التجارات والمكاسب، ﴿ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ الله تعالى فإنكم إذا شكرتموه زادكم من نعمه وأثابكم على شكركم أجرا جزيلا.
﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ ﴾ أي: من فضله وإحسانه، وهذا شامل لأجرام السماوات من نجوم وكواكب وأقمار, والأرض وأنواع الحيوانات وأصناف الأشجار والثمرات وأجناس المعادن وغير ذلك مما هو معد لمصالح بني آدم ومصالح ما هو من ضروراته، فهذا يوجب عليهم أن يبذلوا غاية جهدهم في شكر نعمته وأن تتغلغل أفكارهم في تدبر آياته وحكمه ولهذا قال: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ وجملة ذلك أن خلقها وتدبيرها وتسخيرها دال على نفوذ مشيئة الله وكمال قدرته، وما فيها من الإحكام والإتقان وبديع الصنعة وحسن الخلقة دال على كمال حكمته وعلمه، وما فيها من السعة والعظمة والكثرة دال على سعة ملكه وسلطانه، وما فيها من التخصيصات والأشياء المتضادات دليل على أنه الفعال لما يريد، وما فيها من المنافع والمصالح الدينية والدنيوية دليل على سعة رحمته، وشمول فضله وإحسانه وبديع لطفه وبره، وكل ذلك دال على أنه وحده المألوه المعبود الذي لا تنبغي العبادة والذل والمحبة إلا له وأن رسله صادقون فيما جاءوا به، فهذه أدلة عقلية واضحة لا تقبل ريبا ولا شكا.
فالعلم واليقين هما أساس جميع مبادئ الإسلام.
فلا مجال للشك والخرافات والأوهام.

********

يتبع

 

 

من مواضيع mesoo في المنتدى

mesoo غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
مبادئ، المعاملات، والأداب، من ،القرآن ،العظيم، نهر الحب

جديد قسم نهر القرأن الكريم

إعلانات عشوائية



أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are معطلة
Pingbacks are معطلة
Refbacks are معطلة



الساعة الآن 05:50 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.8
Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO 3.6.1
:: جميع الحقوق محفوظة لمنتديات نهر الحب ::

Security team

 

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92 93 94 95 96 97 98 99 100 101 102 103 104 105 106 107 108 109 110 111 112 113 114 115 116 117 118 119 120 121 122 123 124 125 126 127 128 129 130 131 132 133 134 135 136 137 138 139 140 141 142 143 144 145 146 147 148 149 150 151 152 153 154 155 156 157 158 159 160 161 162 163 164 165 166 167 168 169 170 171 172 173 174 175 176 177 178 179 180 181 182 183 184 185 186 187 188 189 190 191 192 193 194 195 196 197 198 199 200 201 202 203 204 205 206 207 208 209 210 211 212 213 214 215 216 217 218 219 220 221 222 223 224 225 226 227 228 229 230 231 232 233 234 235 236 237 238 239 240 241 242 243 244 245 246 247 248 249 250 251 252 253 254 255 256 257 258 259 260 261 262 263 264 265 266 267 268 269 270 271 272 273 274 275 276 277 278 279 280 281 282 283 284 285 286 287 288 289 290 291 292 293 294 295 296 297 298 299 300 301 302 303 304 305 306 307 308 309 310 311 312 313 314 315 316 317 318 319 320 321 322 323 324 325 326 327 328 329 330 331 332 333 334 335 336 337 338 339 340 341 342 343 344 345 346 347 348 349 350 351 352 353 354 355 356 357 358 359 360 361 362 363 364 365 366 367 368 369 370 371 372 373 374 375 376 377 378 379 380 381 382 383 384 385 386 387 388 389 390 391 392 393 394 395 396 397 398 399 400 401 402 403 404 405 406 407 408 409 410 411 412 413 414 415 416 417 418 419 420 421 422 423 424 425 426 427 428 429 430 431 432 433 434 435 436 437 438 439 440 441 442 443 444 445 446 447 448 449 450 451 452 453 454 455 456 457 458 459 460 461 462 463 464 465 466 467 468 469 470 471 472 473 474 475 476 477 478 479 480 481 482 483 484 485 486 487 488 489 490 491 492 493 494 495 496 497 498 499 500 501 502 503 504 505 506 507 508 509 510 511 512 513 514 515 516 517 518 519 520 521 522 523 524 525 526 527 528 529 530 531 532 533 534 535 536 537 538 539 540 541 542 543 544 545 546 547 548 549 550 551 552 553 554 555 556 557 558 559 560 561 562 563 564 565 566 567 568 569 570 571 572 573 574 575 576 577 578 579 580 581 582 583 584 585 586 587 588 589 590 591 592 593 594 595 596 597 598 599 600 601 602 603 604 605 606 607 608 609 610 611 612 613 614 615 616 617 618 619 620 621 622 623 624 625 626 627 628 629 630 631 632 633 634 635 636 637 638 639 640 641 642 643 644 645 646 647 648 649 650 651 652 653 654 655 656 657 658 659 660 661 662 663 664 665 666 667 668 669 670 671 672 673 674 675 676 677 678 679 680 681 682 683 684 685 686 687 688 689 690 691 692 693 694 695 696 697 698 699 700 701 702 703 704 705 706 707 708 709 710 711 712 713 714 715 716 717 718 719 720 721 722 723 724 725 726 727 728 729 730 731 732 733 734 735 736 737 738 739 740 741 742 743 744 745 746 747 748 749 750 751 752 753 754 755 756 757 758 759 760 761 762 763 764 765 766 767 768 769 770 771 772 773 774 775 776 777 778 779 780 781 782 783 784 785 786 787 788 789 790 791 792 793 794 795 796 797 798 799 800 801 802 803 804 805 806 807 808 809 810 811 812 813 814 815 816 817 818 819 820 821 822 823 824 825 826 827 828 829 830 831 832 833 834 835 836 837 838 839 840 841 842 843 844 845 846 847 848 849 850 851 852 853 854 855 856 857 858 859 860 861 862 863 864 865 866 867 868 869 870 871 872 873 874 875 876 877 878 879 880 881 882 883 884 885 886 887 888 889 890 891 892 893 894 895 896 897 898 899 900 901 902 903 904 905 906 907 908 909 910 911 912 913 914 915 916 917 918 919 920 921 922 923 924 925 926 927 928 929 930 931 932 933 934 935 936 937 938 939 940 941 942 943 944 945 946 947 948 949 950 951 952 953 954 955 956 957 958 959 960 961 962 963 964 965 966 967 968 969 970 971 972 973 974 975 976 977 978 979 980 981 982 983 984 985 986 987 988 989 990 991 992 993 994 995 996 997 998 999 1000 1001 1002 1003 1004 1005 1006 1007 1008 1009 1010 1011 1012 1013 1014 1015 1016 1017 1018 1019 1020 1021 1022 1023 1024 1025 1026 1027 1028 1029 1030 1031 1032 1033 1034 1035 1036 1037 1038 1039 1040 1041 1042 1043 1044 1045 1046 1047 1048 1049 1050 1051 1052 1053 1054 1055 1056 1057 1058 1059 1060 1061 1062 1063 1064 1065 1066 1067 1068 1069 1070 1071 1072 1073 1074 1075 1076 1077 1078 1079 1080 1081 1082 1083 1084 1085 1086 1087 1088 1089 1090 1091 1092 1093 1094 1095 1096 1097 1098 1099 1100 1101 1102 1103 1104 1105 1106 1107 1108 1109 1110 1111 1112 1113 1114 1115 1116 1117 1118 1119 1120 1121 1122 1123 1124 1125 1126 1127 1128 1129 1130 1131 1132 1133 1134 1135 1136 1137 1138 1139 1140 1141 1142 1143 1144 1145 1146 1147 1148 1149 1150 1151 1152 1153 1154 1155 1156 1157 1158 1159 1160 1161 1162 1163 1164 1165 1166 1167 1168 1169 1170 1171 1172 1173 1174 1175 1176 1177 1178 1179 1180 1181 1182 1183 1184 1185 1186 1187 1188 1189 1190 1191 1192 1193 1194 1195 1196 1197 1198 1199 1200 1201 1202 1203 1204 1205 1206 1207 1208 1209 1210 1211 1212 1213 1214 1215 1216 1217 1218 1219 1220 1221 1222 1223 1224 1225 1226 1227 1228 1229 1230 1231 1232 1233 1234 1235 1236 1237 1238 1239 1240 1241 1242 1243 1244 1245 1246 1247 1248 1249 1250 1251 1252 1253 1254 1255 1256 1257 1258 1259 1260 1261 1262 1263 1264 1265 1266 1267 1268 1269 1270 1271 1272 1273 1274 1275 1276 1277 1278 1279 1280 1281 1282 1283 1284 1285 1286 1287 1288 1289 1290 1291 1292 1293 1294 1295 1296 1297 1298 1299 1300 1301 1302 1303 1304 1305 1306 1307 1308 1309 1310 1311 1312 1313 1314 1315 1316 1317 1318 1319 1320 1321 1322 1323 1324 1325 1326 1327 1328 1329 1330 1331 1332 1333 1334 1335 1336 1337 1338 1339 1340 1341 1342 1343 1344 1345 1346 1347 1348 1349 1350 1351 1352 1353 1354 1355 1356 1357 1358 1359 1360 1361 1362 1363 1364 1365 1366 1367 1368 1369 1370 1371 1372 1373 1374 1375 1376 1377 1378 1379 1380 1381 1382 1383 1384 1385 1386 1387 1388 1389 1390 1391 1392 1393 1394 1395 1396 1397 1398 1399 1400 1401 1402 1403 1404 1405 1406 1407 1408 1409 1410 1411 1412 1413 1414 1415 1416 1417 1418 1419 1420 1421 1422 1423 1424 1425 1426 1427 1428 1429 1430 1431 1432 1433 1434 1435 1436 1437 1438 1439 1440 1441 1442 1443 1444 1445 1446 1447 1448 1449 1450 1451 1452 1453 1454 1455 1456 1457 1458 1459 1460 1461 1462 1463 1464 1465 1466 1467 1468 1469 1470 1471 1472 1473 1474 1475 1476 1477 1478 1479 1480 1481 1482 1483 1484 1485 1486 1487 1488 1489 1490 1491 1492 1493 1494 1495 1496 1497 1498 1499 1500 1501 1502 1503 1504 1505 1506 1507 1508 1509 1510 1511 1512 1513 1514 1515 1516 1517 1518 1519 1520 1521 1522 1523 1524 1525 1526 1527 1528 1529 1530 1531 1532 1533 1534 1535 1536 1537 1538 1539 1540 1541 1542 1543 1544 1545 1546 1547 1548 1549 1550 1551 1552 1553 1554 1555 1556 1557 1558 1559 1560 1561 1562 1563 1564 1565 1566 1567 1568 1569 1570 1571 1572 1573 1574 1575 1576 1577 1578 1579 1580 1581 1582 1583 1584 1585 1586 1587 1588 1589 1590 1591 1592 1593 1594 1595 1596 1597 1598 1599 1600 1601 1602 1603 1604 1605 1606 1607 1608 1609 1610 1611 1612