كن من متابعين نهر الحب عبر تويتر

اضغط اعجبني ليصلك جديدنا بالفيسبوك
قديم 02-10-2011, 09:13 PM   #11
آخشآكـ يآ قدريـ
 
الصورة الرمزية mesoo
 
تاريخ التسجيل: Aug 2010
الدولة: فلسطين
المشاركات: 6,559
mesoo is on a distinguished road
افتراضي




انتهى بنا الحديث في الرد السابق عند خشية زعماء المشركين من تعرف الناس خارج مكة على دعوة الإسلام أثناء موسم الحج ، واجتماعهم لبحث السبل التي يحولون بها بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين الاحتكاك بأفواج الحجيج ، لكنه صلى الله عليه وسلم لم يعبأ بما فعلوا ، وانطلق متوكلا على ربه يطوف بين القبائل العربية التي نزلت في المشاعر المقدسة ـ لأداء مناسك الحج ـ ويتبع الناس في منازلهم بالأسواق (عُكَاظ ومَجَنَّة وذى المَجَاز) يدعوهم إلى الله ، ويقول لهم متوددا: "اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ".



ويمشي وراء الناس في الطرقات ، وينادي "قولوا لا إله إلا الله تفلحوا " وأبو جهل أو أبو لهب يسير خلفه يسفّ عليه التّراب، ويقول: لا يغرّنّكم هذا عن دينكم، فإنّما يريد أن تتركوا عبادة اللات والعزّى (1)..

وذُكر أيضا أنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان ينادي بأعلى صوته : أيها الناس ! قولوا : لا إله إلا الله ، وأبولهب يتبعه يرميه بالحجارة حتى أدمى كعبيه وعرقوبيه ويقول : يا أيها الناس ! لا تطيعوه فإنه كذاب ! (2).


وليتخيل معي القارئ هذا المشهد الذي ترسمه هذا الكلمات ؛ ليعرف الجهد الذي بذله رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في جذب الناس إلى الفلاح والنجاح ، إلى رضوان الله سبحانه ، وكيف يكون حال البشرية لو اتبع الدعاة الآن هذا الأسلوب في دعوتهم ، وانطلقوا داعين إلى الله بتلك الحمية .


لذلك لم ينته موسم الحج حتى وصل أمر دعوته إلى مسامع كثير من العرب الذين تناقلوها إلى أنحاء الجزيرة العربية ، وانتشر ذكره كما يقول ابن إسحاق في بلاد العرب ‏، ولم تفلح جهود معانديه في الحيلولة دون ذلك ، بل جاءت مع بعض الأفراد بعكس ما أرادوا.


فهذا " الطفيل بن عمرو الدوسي " يذكر أنه لما قدم مكة مشى إليه رجال من مشركي قريش فقالوا: يا طفيل ! إنك قدمت بلادنا ، وهذا الرجل ( يقصدون رسول الله ) بين أظهرنا قد أعضل بنا ، وفرق جماعتنا ، وإن قوله كالسحر ، يفرق بين الرجل وبين أبيه، وبين الرجل وبين أخيه ، وبينه وبين زوجه، وإنما نخشى عليك وعلى قومك ، فلا تكلمه ولا تسمع منه.


يقول الطفيل : فواللّه ما زالوا بي حتى أجمعت أن لا أسمع منه شيئا ، ولا أكلمه حتى حشوت أذني كُرْسفُاً ـ أي قطنا ـ فرقا ( خوفا ) أن يبلغني من قوله ، وأنا أريد أن لا أسمعه، فغدوت إلى المسجد الحرام ، فإذا رسول اللّه ـ صلى اللّه عليه وسلم ـ قائم يصلي عند الكعبة، فقمت قريباً منه ، فأبى اللّه إلا أن يسمعني قوله، فسمعت كلاماً حسناً ، فقلت في نفسي : وا ثكل أمي ! واللّه إني لرجل شاعر لبيب ! ما يخفى عليّ الحسن من القبيح ، فما يمنعني أن أسمع من هذا الرجل ما يقول؟ إن كان الذي يأتي حسنا قبلته ، وإن كان قبيحاً تركته.



ثم يقول : فمكثت حتى انصرف رسول اللّه ـ صلى اللّه عليه وسلم ـ إلى بيته ، فأتبعته حتى إذا دخل بيته دخلت عليه ، فقلت : يا محمد ، إن قومك قالوا لي كذا وكذا ، ثم إن اللّه أبى إلا أن أسمع قولك ، فسمعت قولاً حسناً ، فأعرض عليّ أمرك، فعرض عليّ الإسلام ، وتلا عليّ القرآن ، فواللّه ما سمعت قولاً قط أحسن منه ! ولا أمرا أعدل منه ! فأسلمت (3)


وإسلام مثل هذه الشخصيات قد غاظ الملأ من قريش ، وزاد من هذا الغضب أن القرآن بدأ يشتد في نقاشهم ، ويقدم الأدلة والبراهين على بطلان معتقداتهم ، وزيف آلهتهم .


فعادوا إلى أبي طالب مرة ثانية وقالوا له : يا أبا طالب إنَّ لك سِنّاً وشرفاً ومنزِلة فينا ، وإنّا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنّا، وإنّا والله لا نصبر على هذا حتى تكفّه عنا أو ننازله وإيّاك في ذلك ( نقاتلكم )حتى يهلِك أحد الفريقين.


فبعث إليه من يحضره ، فلما جاءه قال: يا ابن أخي! ..أبقِ عليَّ وعلى نفسك ، ولا تُحمِّلْني من الأمر ما لا أُطيق ، فظنّ رسول الله -صلّى الله عليه وسلَّم- أنه خاذِله ومُسلِمه، وأنه قد ضعُف عن نصرته والقيام معه ، فقال: "يا عم ! والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك فيهِ ما تَرَكْتُهُ " ثم بكى صلّى الله عليه وسلَّم ليس خوفا ، وإنما حسرة على هؤلاء ، ثم قام منصرفا، فلما ولّى ناداه أبو طالب فقال: أقبِل يا ابن أخي فقل ما أحببت ، فوالله لا أُسلمك لشيء أبداً (4).


وذُكر أيضا : أنه - صلّى الله عليه وسلَّم- قال لهم وقد حلّق ببصره إلى السّماء : أما تَرَوْنَ هذه الشّمس ؟ قالوا: نعم، قال: مَا أَنا بأقْدَرَ على أن أدعَ ذلكَ مِنكُم على أَنْ تَسشْعِلوا مِنها شُعْلَةً، فقال أبو طالب: ما كذبنا ابن أخي قطّ فارجعوا.


فالنبي الذي يصطفيه الله ، ويكلفه بتيليغ دعوته ، ليس مخيرا في هذا الأمر ، فيقبله أو يدعه ، وإنما هو إلزام من الله تعالى ، وسيؤدي ما عليه رضي الناس أم أبوا ، سالموه أو عادوه ، ولا راد لقضاء الله ...


أما زعماء المشركين فقد انصرفوا ثم عادوا إلى أبي طالب مرة ثالثة بحيلة أخرى ، حيث أحضروا معهم فتى يسمى "عُمارَة بن الوليد بن المغيرة " فقالوا له: يا أبا طالب! قد جئناك بفتى قريش جمالاً ونسباً ، فخذه فلك نصره وعَقْله وميراثه، واتخذه ولداً فهو لك، وأسلِم إلينا ابن أخيك هذا الذي قد خالف دينك، ودين آبائك .. فنقتله ، فإن ذلك أجمع للعشيرة وأفضل في عواقب الأمور مَغَبَّة ، وإنما هو رجل برجل ، ولم يجد أبو طالب ردا لهذا الطلب المضحك سوى قوله : والله ما أنصفتموني، أتعطونني ابنكم أغذوه ( أطعمه وأسقيه ) لكم، وأعطيكم ابني تقتلونه؟! هذا والله لا يكون أبداً (5)


وأمام هذا التصميم من رسول الله صلى الله عليه وسلم على تبليغ رسالة الله ، وإصرار إبي طالب على عدم التخلي عنه وعن نصرته لجأ ملأ قريش من المشركين إلى أساليب أشد حدة لمواجهة دعوة الإسلام ، ومنع انتشاره بين الناس ، وتمثلت تلك المواجهات في :


1ـ أسلوب السخرية والاستهزاء
وإشاعة الأكاذيب عن رسول الله ، والافتراء عليه بما يجعل الناس تنفر منه ، وقد أكثروا من ذلك ، وتفننوا فيه بحيث لا يبقى لعامة الناس مجال للتدبر في دعوته والتفكير فيها ، فكانوا يقولون عن القرآن‏:‏ " أضغاث أحلام "‏ يراها محمد بالليل ويتلوها بالنهار، ويقولون‏ :‏ ‏"‏بَلِ افْتَرَاهُ‏"‏ من عند نفسه ويقولون‏:‏ ‏"‏إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ‏"‏ وقالوا‏:‏ ‏"‏إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ‏" أي اشترك هو وزملاؤه في اختلاقه‏.‏ ‏"‏ورد الله عليهم أن " أْتُوا بعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ".


وهذا الأسلوب كان يحزن رسول صلى الله عليه وسلم ، إنه رجل يتعب ليلا ونهارا ، وأجهد نفسه من أجل هدايتهم إلى ما فيه سعادة الدنيا والآخرة يكون هذا جزاؤه منهم.


لكن الله طمأنه بأن هذا قد حصل مع الأنبياء السابقين ، فقال تعالى : "‏وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُواْ مِنْهُم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ‏‏ " (6). وقال تعالى : "ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا" ثم كفاه الله مئونة الرد عليهم ، وقال له سبحانه وتعالى : "إنا كفيناك المستهزئين" (7).


2ـ أسلوب الإغراء بالمال :
فقد جاء في كتب السيرة أن عتبة بن ربيعة لما رأى أصحاب النبي يزدادون كل يوم كثرة قال: يا معشر قريش ألا أقوم إلى محمد فأكلمه وأعرض عليه أموراً ؛ لعله يقبل بعضها فنعطيه أيها شاء ، ويكف عنا ؟ فقالوا: بلى يا أبا الوليد ، فقم إليه فكلمه، فقام إليه عُتبة حتى جلس إلى رسول اللّه ، فقال: يا ابن أخي إنك منا حيث قد علمت من الشرف في العشيرة والمكان في النسب ، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم ..، فاسمع مني أعرض عليك أموراً تنظر فيها ؛ لعلك تقبل منا بعضها ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: قل يا أبا الوليد أسمع.





قال : يا ابن أخي إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً ، وإن كنت تريد به شرفاً سوّدناك علينا حتى لا نقطع أمراً دونك ، وإن كنت تريد ملكا ملكناك علينا ..، فلما فرغ عتبة من عروضه قال له صلى الله عليه وسلم : أقد فرغت يا أبا الوليد؟ قال : نعم ، قال : فاسمع مني. ثم قرأ عليه قول الله تعالى : "بِسْمِ اللّه الرَّحَمَنِ الرَّحِيمِ. حَم تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ بَشِيراً وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أكْثَرُهُمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ " ثم مضى رسول اللّه فيها يقرؤها عليه ، فلما سمعها عتبة منه أنصت لها ، وألقى يديه خلف ظهره ، متعمداً عليهما يستمع منه ، ثم انتهى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى السجدة منها فسجد ، ثم قال : قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت فأنت وذاك .


ولما أكثر الجدال معه قال : يا أبا الوليد : ما جئت بما جئتكم به أطلب أموالكم ، ولا الشرف فيكم ، ولا الملك عليكم ، ولكن الله بعثني فيكم رسولا ، وأنزل عليّ كتابا ، وأمرني أن أكون بشيرا ونذيرا ، فبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ، فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة ، وإن تردوه عليّ أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم .


فقام عتية إلى أصحابه ، ولما رآه بعضهم من بعيد قالوا : نحلف والله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به ، فلما جلس قالوا: ما وراءك ؟ قال : ورائي أنّي سمعت قولاً، والله ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالشّعر ولا بالسّحر ولا بالكهانة، يا معشر قريش أطيعوني، واجعلوها بي ، خلّوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه ، فوالله ليكوننّ لقوله نبأ ، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب ، فملكه ملككم ، وعزّه عزّكم ، وكنتم أسعد النّاس به ..


ولو كان في الناس بقية عقل لسلموا بما قاله عتبة ، ولكن العناد غلبهم فجعلوا يقولون: سحرك والله محمد بلسانه ، فقال لهم : هذا رأيي فيه ، فاصنعوا ما بدا لكم (8)


3ـ أسلوب التعجيز :
بمعنى أنهم بدءوا يسألونه أشياء فوق قدرة البشر ، فقالوا له : يا محمد إن كنت غير قابل منا شيئا مما عرضناه عليك فإنك قد علمت أنه ليس من الناس أحد أضيق بلداً ، ولا أقل ماء ، ولا أشد عيشا منا ، فسل لنا ربك الذي بعثك بما بعثك به فليسير عنا هذه الجبال التي ضيقت علينا ، وليبسط لنا بلادنا ، وليخرق لنا فيها أنهارا كأنهار الشام والعراق ، وليبعث لنا من مضى من آبائنا ..


وليكن فيمن يبعث لنا منهم قصي بن كلاب (وهو من أجداد رسول اللّه) فإنه كان شيخ صدق ، فنسألهم عما تقول أحق هو أم باطل؟ فإن صدقوك وصنعت ما سألناك صدقناك ، وعرفنا منزلتك من اللّه، وأنه بعثك رسولا كما تقول.


فقال لهم : ما بهذا بعثت إليكم ، إنما جئتكم من اللّه بما بعثني به ، وقد بلغتكم ما أرسلت به ، فإن تقبلوا فهو حظكم في الدنيا والآخرة ، وأن تردوه علي أصبر لأمر اللّه حتى يحكم اللّه بيني وبينكم.


قالوا : فإذا لم تفعل هذا لنا فسل ربك أن يبعث معك ملكا يصدقك بما تقول ، ويراجعنا عنك ، وسله فليجعل لك جنانا وقصورا وكنوزاً من ذهب وفضة ، يغنيك بها عما نراك تبتغي، فإنك تقوم بالأسواق ، وتلتمس المعاش كما نلتمسه ، حتى نعرف فضلك ومنزلتك من ربك ، إن كنت رسولا كما تزعم (9)


ولو كان هؤلاء يسألونه الآيات أو المعجزات لتطمئن بها قلوبهم ؛ لاستجاب لهم في ذلك ، ولكنهم قصدوا تعجيزه ، بدليل أن أحدهم قال : " فواللّه لا أؤمن بك أبداً حتى تتخذ في السماء سلماً ، ثم ترقى فيه وأنا أنظر حتى تأتيها ، ثم تأتي معك بصك معه أربعة من الملائكة ، يشهدون لك أنك كما تقول ، وايم اللّه لو فعلت ذلك ما ظننت أني أصدقك " وبالفعل فإن رسول الله لما رُقي إلى السماء ليلة الإسراء والمعراج ، وآتاهم بالبينات لم يزدادوا إلا نفورا .


فهذه سنة متبعة على مدار التاريخ ، يسأل المعاندون عن الآيات ، فإذا جاءت لا يؤمنون بها ، فقديما قال فرعون لموسى عله السلام " إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآَيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ " فكانت آيته أن" أَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاء لِلنَّاظِرِينَ " فردوا عليه " إِنَّ هَـذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ " (10)


لذلك كان جوابه صلى الله عليه وسلم " ما أنا بفاعل ، وما أنا بالذي يسأل ربه هذا ، وما بعثت إليكم بهذا، ولكن اللّه بعثني بشيراً ونذيراً ، فإن تقبلوا ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرّ ، وإن تردوه علي أصبر لأمر اللّه حتى يحكم اللّه بيني وبينكم " (11)


4ـ أسلوب التعذيب والاضطهاد :
وذلك أنهم لما فشلوا في أساليبهم السابقة اتفقوا فيما بينهم على أن يؤذوا ويعذبوا من تبعه بكل ما يستطيعون ؛ ليصرفوا الناس عنه ، فوثبت كل قبيلة على من فيها من المسلمين ، فجعلوا يحبسونهم ، ويعذبونهم بالضرب والجوع والعطش ، ويسحبونهم على الصخر إذا اشتد الحر ، يفتنونهم عن دينهم ، فمنهم من يُفتن من شدة البلاء الذي يصيبه ، ومنهم من يصلب ( يقوى ويشتد ) لهم ، ويعصمه الله منهم ‏‏.‏


وكان أبو جهل إذا سمع بالرجل قد أسلم ، له شرف ومنعة ، أنَّبه وأخزاه ‏‏، وقال ‏‏:‏‏ تركت دين أبيك وهو خير منك ، لنسفهن حلمك ، ولَنُفيِّلَنّ رأيك ، ولنضعن شرفك ؛ وإن كان تاجرا قال ‏‏:‏‏ والله لنُكسدنّ تجارتك ، ولنهلكن مالك ؛ وإن كان ضعيفا ضربه وأغرى به ، وجروا عليهم ويلات تقشعر منها الجلود، وأخذوهم بنقمات تتفطر لسماعها القلوب.


يقول عبد الله بن عباس ‏ : إن كانوا ليضربون أحدهم ويجُيعونه ويعطشونه حتى ما يقدر أن يستوي جالسا من شدة الضر الذي نزل به ، حتى يعطيهم ما سألوه من الفتنة ، حتى يقولوا له : آللات والعزى إلهك من دون الله ؟ فيقول : نعم ، حتى إن الجُعَل ليمر بهم ، فيقولون له : أهذا الجعل إلهك من دون الله ؟ فيقول : نعم ، افتداء منهم مما يبلغون من جهده (12)


ولم يقف أثرياء المسلمين مكتوفي الأيدي أمام هؤلاء ، والإسلام يأمر بالتكافل ، وإنما سعوا في شراء هؤلاء العبيد المعذبين وتحريرهم ، وعلى رأس هؤلاء أبو بكر الصديق الذي اشترى سبعة من ماله الخاص ، وأعتقهم لوجه الله تعالى (13).


ومن العجب أن هؤلاء المستضعفين المعذبين لم ينسوا القيم والفضائل التي رباهم عليها محمد صلى الله عليه ، وامتلأت قلوبهم بالعطف حتى على من يعذبهم ، فقد مر أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ يوما بامرأتين منهما ، وقد بعثتهما سيدتهما بطحين لها ، وهي تقول ‏‏:‏‏ والله لا أعتقكما أبدا ، فقال لها :‏‏ حل يا أم فلان ؛ فقالت ‏‏:‏‏ حل ، أنت أفسدتهما فأعتقهما ؛ قال ‏‏:‏‏ فبكم هما ‏‏؟‏‏ قالت ‏‏:‏‏ بكذا وكذا ؛ فقال لها‏‏:‏‏ قد أخذتهما وهما حرتان ، ثم دفع ما طلبته المرأة من ثمن ، والتفت إلى الجاريتين وقال لهما : أرجعا إليها طحينها ، فإذا بهما تطلبان منه وتستسمحانه أن يمهلهما حتى يطحنا لها طحينها ، فقال : " وذلك إن شئتما ‏‏" (14).



ولا يدري الإنسان من أيّ يعجب ، أمن سرعة أبي بكر رضي الله عنه في تحرير الجاريتين ؟؟ أمن رقة قلبيهما حيث آثرتا إلا تتركا للمرأة طحينها وقد خرجتا من تحت عبوديتها ؟ أم من جهل البشرية الآن ـ بمن فيهم بعض المسلمين ـ بتلك النماذج الملائكية التي رباها رسول الله صلى الله عليه وسلم.


هذا ولم يقتصر التعذيب على هؤلاء الموالي أو العبيد ، وإنما طال كثيرا من المسلمين إلا من كان له عشيرة تحميه ، فها هو عثمان بن عفان كان له عم يلفه في حصير من ورق النخيل ، ثم يدخنه من تحته ، ومصعب بن عمير لما علمت أمه بإسلامه منعته الطعام والشراب ، وأخرجته من بيته ، وكان من أنعم الناس عيشًا، فتَخَشَّفَ جلده تخشف الحية ، وصهيب بن سنان الرومي كان يُعذَّب حتى يفقد وعيه ولا يدرى ما يقول‏.‏



‏هذه نماذج معدودة لما كان يلقاه المسلمون من الظلم والخسف والجور على أيدي طغاة المشركين ، الذين كانوا يزعمون أنهم أهل الله وسكان حرمه ، كما يزعم طغاة اليوم أنهم دعاة سلام وحماة لحقوق الإنسان، وهؤلاء الناس وغيرهم ممن يعذب من المؤمنين المستضعفين في كل عصر ما رفعوا سلاحا في وجه أحد ، وما أساءوا إلى أحد بقول أو فعل ، وكل ما فعلوه أنهم قالوا : "ربنا الله"‏.‏



هذا ولم يقتصر ترهيبهم على من أسلم فقط ، بل كانوا يبطشون حتى بمن حاول أن يستفسر عن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فهذا رجل من خارج مكة يقول : "جئت إلى مكة فسألت أين هذا الرجل الذي تدعونه الصابئ ؟ ... فمال أهل الوادي عليّ بكل مدَرَةٍ وعظم، حتى خررت مغشياً عليّ ، فارتفعت حين ارتفعت كأني نُصُب أحمر" (15)


وحتى رسول الله رغم حماية وحراسة عائلته له لم يسلم من أذاهم واعتداءاتهم ، فقد قال صلى الله عليه :" لقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد، وأُخفت في الله وما يخاف أحد ، ولقد أتت عليّ ثلاثون من بين يوم وليلة ، وما لي ولبلال ما يأكله ذو كبد؛ إلا ما يواري إبط بلال (16).


ورغم هذا البلاء استمر يدعو إلى الله تعالى ليلاً نهاراً، سراً وجهراً، لا يصرفه عن ذلك صارف، ولا يرده عن ذلك راد، ولا يصده عن ذلك صاد، يتبع الناس في أنديتهم ومجامعهم ومحافلهم، وفي المواسم ومواقف الحج، يدعو من لقيه من حر وعبد، وضعيف وقوي، وغني وفقير، جميع الخلق في ذلك عنده سواء ، ويوصي من يشكو إليه إيذاء المشركين له بالصبر.



يقول أحد أصحابه أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو متوسد ببردة( ملتف بعبايته) وهو في ظل الكعبة ، وقد لقينا من المشركين شدة ، فقلت: ألا تدعو الله؟ فقعد وهو محمر وجهه ، فقال : " لقد كان من كان قبلكم ليمشط بأمشاط الحديد ، ما دون عظامه من لحم أو عصب ؛ ما يصرفه ذلك عن دينه ، ويوضع المنشار على مفرق رأسه فيشق باثنتين ، ما يصرفه ذلك عن دينه ، وليُتمّنّ الله هذا الأمر ؛ حتى يسير الراكب من (صنعاء) إلى (حضر موت) ما يخاف إلا الله عز وجل والذئب على غنمه ، ولكنكم تستعجلون" (17).

 

 

من مواضيع mesoo في المنتدى

mesoo غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس

قديم 02-10-2011, 09:19 PM   #12
آخشآكـ يآ قدريـ
 
الصورة الرمزية mesoo
 
تاريخ التسجيل: Aug 2010
الدولة: فلسطين
المشاركات: 6,559
mesoo is on a distinguished road
افتراضي




تحدثنا عن العوائق التي وضعها مشركو مكة أمام المد الإسلامي ، وكيف أنهم أردوا أن يدخلوا في مفاوضات مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكنهم سرعان ما تملصوا منها لما مات أبو طالب ؛ ووقفوا لرسول الله في كل طريق ، وتسلطوا عليه بالإيذاء هو وأصحابه الكرام .



ولكنه صلى الله عليه وسلم كان إذا وجدهم وقفوا له في طريق التمس آخر , وإذا سدوا عليه منفذا جد في البحث عن غيره ، ينشر عن طريقه دعوته ، لذا خرج بعد وفاة أبي طالب إلى قبيلة تسمى " ثقيف " بالطائف ، وهي بلدة تبعد عن مكة نحو ستين ميلا ، قطعها ماشيًا على قدميه ، جيئة وذهابًا، ومعه مولاه زيد بن حارثة؛ لعله يجد هناك من يستجيب لأمره ، وأقام بها عشرة أيام ، لا يدع أحدًا من أشرافهم إلا جاءه وكلمه .

لكنه وجدهم أكثر إعراضا وكفرا من أهل مكة ، وقالوا ‏:‏ اخرج من بلادنا‏ ، وأغروا به سفهاءهم وعبيدهم يسبونه ، ويصيحونبه حتى اجتمع الناس عليه ، وقعدوا له صفين على طريقه ، وصاروا يقذفونه بالحجارة ، وجعل لا يرفع رجليه ولا يضعهما إلا رضخوهما بالحجارة ، حتى سال الدم من قدميه ، وشُجت رأس مولاه زيد بن حارثة (1)


.

فعلوا ذلك به لأنه قال لهم : اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ، ولأنه أراد لهم أن يخرجوا من الظلمات إلى النور ، من غضب الله وعقابه إلى رضوان الله وجنته .





وهذا الموقف لو عاشه أحد غير رسول الله لغلبه اليأس ، ولما فكر في أن يعود إلى دعوة الناس مرة أخرى ؛ لكنه صلى الله عليه وسلم ما ضجر ، ولم يزد على أن رفع يديه إلى السماء ، وردد هذه الكلمات " اللّهم إليك أشكو ضعف قوتي ، وقلة حيلتي ، وهواني على الناس ، يا أرحم الراحمين أنت رب المستضعفين وأنت ربي، إلى من تكلني ؟ إلى بعيد يتجهمني ! أو إلى عدوّ ملّكته أمري ! إن لم يكن بك عليَّ غضب فلا أبالي ، ولكن عافيتك هي أوسع لي ، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت به الظلمات ، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل بي غضبك ، أو تحل بي سخطك لك العتبى حتى ترضى لا حول ولا قوة إلا بك"(2) .



كلمات تدل على كمال تجرده لله ، تجرد جعل نفسه تسلم بكل ما قضاه الله ، وإخلاص جعل نفسه تتحمل كل عسير في سبيل رضا الله وعدم غضبه ، وثقة في موعود الله سبحانه وتعالى بأنه سيجعل له بعد العسر يسرا ، طمأن بها مولاه قائلا : إن الله جاعل لما ترى فرجا ومخرجا ، وإن الله ناصر دينه ، مظهر نبيه .




وعاد إلى مكة بعد هذه الرحلة المضنية ، وكانت الأخبار قد سبقته إليها بما لاقاه على يد أهل الطائف من إهانة ، فازدادوا في تعنتهم ، وعزموا على عدم إدخاله إليهم ، لولا أنه استجار برجل من كبار قريش ، ممن سعوا في رفع الحصار من قبل وهو "المطعم بن عدي" مما جعل أبا جهل يسخر منه قائلا : هذا نبيكم يا بني عبد مناف .



وكانت تلك الفترة أشد الفترات حرجا في تاريخ الإسلام ، إذ انكمش مده ، واستتر المؤمنون بإيمانهم بعد أن اشتدت وطأة المشركين عليهم لدرجة أن أبا بكر الذي كان لا يصبر على فراق رسول الله استأذنه في الخروج إلى الحبشة ؛ ليستريح من عنتهم فأذن له ، وهمّ بالخروج لولا أن رجلا من أصحاب الزعامة في قومه ويسمى "ابن الدغنة" عز عليه أن يخرج من مكة رجل مثل أبي بكر ، يستفيد من خيراته الصغير والكبير ، فقال له وهو في طريقه : إلى أين يا أبا بكر ؟ قال : أخرجني قومي ، فأريد أن أسيح في الأرض ، وأعبد ربي ، فقال ابن الدغنة : فإن مثلك يا أبا بكر لا يخرج ولا يخرج ، إنك تكسب المعدوم ، وتصل الرحم ، وتحمل الكل ، وتقري الضيف ، وتعين على نوائب الحق ، فأنا لك جار ، ارجع واعبد ربك ببلدك (3).

وشاء الله أن يُري رسوله صلى الله عليه وسلم حقيقة هؤلاء المعاندين ، وغيرهم من سائر المشركين الذين وقفوا في وجه المد الإسلامي ، وحجم الأرض التي يتفاخرون بقوتهم عليها بالنسبة للكون الذي بسطه الله سبحانه وتعالى ، فأرسل جبريل "الملاك" واصطحبه إلى بيت المقدس ، حيث كان يعيش كثير من الأنبياء الذين سبقوه ؛ ليذكره بحالهم وحال الأمم التي سبقتهم في مخالفة أوامر الله سبحانه وتعالى ، ثم عرج به إلى السماء ، إلى حيث لم يبلغ أحد من البشر ؛ لينظر من هناك إلى ملك الله الواسع الفسيح ، وينظر إلى الأرض ، ويعلم أين هي وسط مليارات النجوم التي تسبح في الفضاء ، وكم تساوي هي ومن عليها بالنسبة لكون الله الواسع ، وحجم الذين يصدونه عن دين الله ، ويتحدون بكل ما أوتوا من قوة .





ثم عاد به الملاك بعد أن رأى من آيات ربه الكبرى ما ازداد به يقينا على يقينه ، وقد فرض الله عليه وعلى المسلمين في هذه الرحلة الصلوات الخمس ، وكأن الله تعالى يقول له : بعد أن وقفت أمامي ورأيت عظمتي وعظمة ملكي ؛ فصغرت في عينك الأرض ومن عليها ، ها هي الصلوات الخمس تقف فيها أنت والمسلمون أمامي خمس مرات كل يوم ، تكبرون الله فيها ، فتزدادوا يقينا وثقة وعزا ، ويصغر في عينكم كل متكبر يظن في نفسه القوة والعظمة .



فأقبل رسول الله بعد عوده من تلك الرحلة على دعوته ورسالته يواصل تبليغها إلى كل من يلقى ، وقد زال عنه كل هم ، وكان موسم الحج الذي يجمع العرب بمكة قد أقبل ، فصار لا يسمع بقبيلة إلا وذهب ليدعوها ، ويعرض عليها ما أرسله الله به ، ويقول : يا بني فلان ! إني رسول الله إليكم ، آمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا ، وأن تخلعوا ما تعبدون من دونه من هذه الأنداد ، وأن تؤمنوا بي ، وتصدقوا بي ، وتمنعوني حتى أبين عن الله ما بعثني به .


ويقول : لا أُكره أحدا منكم على شيء ، من رضي منكم بالذي أدعوه إليه فذلك له، ومن كره لم أُكرهه .




ولكن مع شدة حرصه على جذب الناس إليه لم يشأ أن يسلك غير سبيل الدعوة إلى الإيمان المجرد من كل مصلحة دنيوية ، ولم يجعل لمن وافق على اتباعه سوى الوعد بجنة الله سبحانه ، فقد أتى على قوم يسمون " بني عامر" فقال له سيدهم : أرأيت إن نحن تابعناك في أمرك هذا ثم أظهرك الله على من يخالفك ، أيكون لنا الأمر من بعدك ؟ فقال صلى الله عليه وسلم : الأمر لله يضعه حيث يشاء ، فقال له : أفنعرض نحورنا للعرب دونك فإذا أظهرك الله كان الأمر لغيرنا ، لا حاجة لنا بأمرك(4) ...



لم يقبل رسول الله من هؤلاء الإسلام المشروط بمكاسب الدنيا ؛ لأن الله يريد من المسلم أن تكون عبادته له خالصة من كل شائبة ، ولا ينتظر على إسلامه أجرا .



وأتى على قوم من أهل اليمن ممن جاوروا الفرس ، فقالوا : له إلام تدعو؟ فقال صلى الله عليه وسلم أدعوكم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأني رسول الله ، وأن تؤووني وتنصروني حتى أؤدي عن الله الذي أمرني به ، فان قريشا قد تظاهرت على أمر الله ، وكذبت رسوله ، واستغنت بالباطل عن الحق ، والله هو الغني الحميد ، فقال له أحدهم : وإلا مَ تدعو أيضا يا أخا قريش ؟.





فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه قوله تعالى :" قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا " (5) إلى قوله : "ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون " فقال له : وإلامَ تدعو أيضا يا أخا قريش ؟ فوالله ما هذا من كلام أهل الأرض ، ولو كان من كلامهم لعرفناه ، فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم" إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون"(6) فقال له : دعوت والله يا أخا قريش إلى مكارم الأخلاق ، ومحاسن الأعمال ، ولقد أفك( قالوا بهتانا ) قوم كذبوك وظاهروا عليك(7) .





وأشار إلى رجل آخر منهم يسمى " هانئ بن قبيصة "وقال : وهذا هانئ بن قبيصة شيخنا وصاحب ديننا ، فرد عليه هانئ هذا قائلا : قد سمعت مقالتك يا أخا قريش ، وصدقت قولك ، وإني أرى إن تركنا ديننا واتبعناك على دينك لمجلس جلسته إلينا ليس له أول ولا آخر ، ولم نتفكر في أمرك وننظر في عاقبة ما تدعو إليه فإن هذا زلة في الرأي ، وطيشة في العقل ، وقلة نظر في العاقبة ، وإنما تكون الزلة مع العجلة ، وإن من ورائنا قوما نكره أن نعقد عليهم عقدا ، ولكن ترجع ونرجع وتنظر وننظر.



والتفت إلى رجل ثالث أحب أن يشركه في الكلام يسمى "المثنى بن حارثة " فقال : وهذا المثنى شيخنا وصاحب حربنا ، فقال المثنى : قد سمعت مقالتك ، واستحسنت قولك يا أخا قريش ، وأعجبني ما تكلمت به ، والجواب هو جواب هانئ بن قبيصة ، وإنا إنما نزلنا بين صريين ، أحدهما اليمامة ، والآخر السماوة .




فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : وما هذان الصريان ؟ فقال له أما أحدهما : فطفوف البر وأرض العرب ، وأما الآخر فارض فارس وأنهار كسرى ، وإنما نزلنا على عهد أخذه علينا كسرى ، أن لا نحدث حدثا ، ولا نؤوى محدثا ، ولعل هذا الأمر الذي تدعونا إليه مما تكرهه الملوك ، فأما ما كان مما يلي بلاد العرب فذنب صاحبه مغفور ، وعذره مقبول ، وأما ما كان يلي بلاد فارس فذنب صاحبه غير مغفور ، وعذره غير مقبول ، فإن أردت أن ننصرك ونمنعك مما يلي العرب فعلنا .




ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ذكرنا من قبل يهمه جذب الناس إليه فقط ، وبأي وسيلة كما يحدث من كثيرين من أصحاب الأفكار والمذاهب والأحزاب، وإنما غايته إرشاد الناس إلى الله وتعاليمه ؛ ليكونوا بعد ذلك متبعين لأمره سبحانه وتعالى ؛ لذا عذر صلى الله عليه وسلم هؤلاء فيما قالوا ، كان رده عليهم : ما أسأتم الرد إذ أفصحتم بالصدق إنه ، لا يقوم بدين الله إلا من أحاطه من جميع جوانبه .



غير أنه بث في قلوبهم التفاؤل ، وبشرهم بمستقبل المد الإسلامي ، وبموعود الله الذي ينتظره وينتظر من آمن معه ، فقال لهم صلى الله عليه وسلم : أرأيتم إن لم تلبثوا إلا يسيرا حتى يمنحكم الله بلادهم وأموالهم ، أتسبحون الله وتقدسونه ؟ فقال له أحدهم وكأنه ذهل لما سمع هذا الكلام : اللهم !! وإن ذلك لك يا أخا قريش ؟! (8).



ويبدو أن سطوة كسرى وبطشه كانت تماثل سطوة بوش الأمريكي الآن ، الذي يرهب الناس عن مخالفة أمره ، ولو كان خطأ ، ولذا كان ذهول الرجل ، ولكن الواقع أجاب بصدق رسول الله ، فما هي إلا سنوات حتى كان المثنى بن حارثة أحد المتكلمين الثلاثة يتوغل بقومه هؤلاء في أرض فارس كما سنرى فيما بعد ، فاتحا منها ما شاء الله أن يفتح في خلافة أبي بكر الصديق ، وصدقت فيهم نبوءة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي أدهشتهم .


وواصل رسول الله صلى الله عليه وسلم طوافه على القبائل ، وبينما هو يسير عند مكان يسمى "العقبة " بمنى (مكان تجمع الحجاج بمكة) لقي رهطا من أهل يثرب فقال لهم : من أنتم ؟ قالوا : نفر من الخزرج ، قال أفلا تجلسون أكلمكم ؟ قالوا: بلى ، فجلسوا معه فدعاهم إلى الله ، وعرض عليهم الإسلام ، وتلا عليهم القرآن ، فأجابوه فيما دعاهم إليه ، وصدقوه وقبلوا منه ما عرض عليهم من الإسلام ، وقالوا له : إنا قد تركنا قومنا ، ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم ، وعسى أن يجمعهم الله بك فسنقدم عليهم فندعوهم إلى أمرك ، ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين ، فإن يجمعهم الله عليك فلا رجل أعز منك ، ثم انصرفوا راجعين إلى بلادهم (9) .



وكان إسلامهم بداية للتوسع الحقيقي للمد الإسلامي خارج مكة ؛ لأن هؤلاء المسلمين الجدد ما إن رجعوا إلى قومهم بيثرب حتى وفوا لرسول الله بما قالوا ، إذ انطلقوا داعين إلى الإسلام فأسلم كثير من أهلهم ، حتى إذا كان العام المقبل وافى موسم الحج منهم اثنا عشر رجلاً ، فلقوه عند العقبة التي لقوه فيها العام الماضي ، فبايعوه على ألا يشركوا بالله شيئاً ، ولا يسرقوا ، ولا يزنوا ، ولا يقتلوا أولادهم ، ولا يأتوا ببهتان يفترونه بين أيديهم وأرجلهم ، ولا يعصونه في معروف .



ثم قال لهم - صلّى الله عليه وسلَّم -:" فإن وفيتم فلكم الجنة ، وإن غشيتم من ذلك شيئاً فأخذتم بحدّه في الدنيا (أي عوقبتم عليه) فهو كفارة له ، وإن سترتم عليه إلى يوم القيامة فأمركم إلى الله تعالى ، إنْ شاء عذب ، وإن شاء غفر" وقد سمي هؤلاء ومن تبعهم فيما بعد من قومهم باسم الأنصار ؛ لأنهم نصروا رسول الله (10).


وبعد أن تمت مبايعتهم بعث صلى اللّه عليه وسلم معهم رجلا من أصحابه يسمى " مصعب بن عمير" يقرئهم القرآن ويعلمهم الإسلام ، ويقيم لهم الصلاة ، ويساعدهم في دعوة باقي قومهم ، ويهيء له الوضع بيثرب قبل أن ينتقل إليها ـ كما وعده هؤلاء ـ وأوصاه بالصبر والإخلاص والوضوح والحكمة وحبّ الخير .



فقام مصعب بما كلفه به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وصار يلتقي بهم في إحدى الحدائق ؛ ليفقههم في أمور الإسلام ، وبينما هو جالس معهم ذات يوم إذ رآه اثنان من سادتهم ممن لم يسلموا بعد ، فتوجه إليه أحدهم ويسمى"أسيد بن حضير" شاتما ومهددا ، وقال : ما جاء بك إلينا تسفه ضعفاءنا ، اعتزلنا إن كانت لك بنفسك حاجة !.


ولم يكن قوله هذا إلا بناء على أفكار مسبقة استقرت في ذهنه دون أن يعرف حقيقة الإسلام ، وقد قدر ذلك مصعب رضي الله عنه ؛ لذا لم يعاتبه على قوله ، أو يبادله الرد القاسي ، وإنما قال له : أو تجلس فتسمع فان رضيت أمرا قبلته ، وإن كرهته كُف عنك ما تكره ؟؟ والرجل وأي رجل مهما كان عناده أحسب أنه لن يجد أمامه غير التسليم لمصعب بما قال ، بل والحرج على ما بدر منه .


وهذا ما حصل بالفعل ، إذ قال له في حياء : أنصفت ، وجلس إليه فكلمه مصعب بالإسلام ، وقرأ عليه ما تيسر من القرآن ، فقال : ما أحسن هذا وأجمله ! كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدين ؟ قال له : تغتسل فتطهر ، وتطهر ثوبيك ، ثم تشهد شهادة الحق ، ثم تصلي ، فقام فاغتسل وطهر ثوبيه ، وتشهد شهادة الحق ، ثم قام فركع ركعتين ، ثم قال له : إن ورائي رجلا إن اتبعك لم يتخلف عنه أحد من قومه وسأرسله إليك الآن .


وأتى إليه الثاني ويسمى " سعد بن معاذ " فقال له : ما قاله للأول فأسلم في الحال ، وعاد إلى عشيرته ، فلما وقف عليهم قال: يا بني عبد الأشهل كيف تعلمون أمري فيكم ؟ قالوا : سيدنا وأفضلنا رأيا ، وأيمننا نقيبة ، قال : فإن كلام رجالكم ونسائكم علي حرام حتى تؤمنوا بالله ورسوله ، يقول الراوي : فوالله ما أمسى في دار بني عبد الأشهل ( قومه) رجل ولا امرأة إلا مسلما أو مسلمة.



ثم ذهب سعد بن معاذ ومصعب رضي الله عنهما إلى منزل أحد الذين أسلموا بمكة من قبل وهو " أسعد بن زرارة " فأقاما عنده يدعوان الناس إلى الإسلام ، حتى لم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رجال ونساء مسلمون إلا ثلاثة أو أربعة دور

 

 

من مواضيع mesoo في المنتدى

mesoo غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس

قديم 02-10-2011, 09:22 PM   #13
آخشآكـ يآ قدريـ
 
الصورة الرمزية mesoo
 
تاريخ التسجيل: Aug 2010
الدولة: فلسطين
المشاركات: 6,559
mesoo is on a distinguished road
افتراضي





انتهى بنا الحديث عند انتقال الإسلام إلى يثرب ( المدينة ) بعد بيعة العقبة الأولى وانتشاره بين كثير من سكانها على يد مصعب بن عمير ومن ساعده من سادة الأنصار ، واليوم نكمل حديثا فنقول ـ وبالله التوفيق ـ

إن مصعب بن عمير عاد إلى مكة في العام التالي لحضور موسم الحج , وبرفقته من تبعه على الإسلام من أهل يثرب ، إضافة إلى الفوج الأول الذي بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم في العام الماضي ..

وقد خرجوا فرادى وجماعات مع حجاج قومهم من أهل الشرك حتى قدموا مكة , وهناك علم رسول الله صلى الله عليه وسلم بحضورهم فأرسل من يتفق معهم على أن يلتقوا به صلى الله عليه وسلم سرا عند العقبة التي التقوا عندها في العام الماضي في أواسط أيام التشريق ؛ كي لا يعلم بهذا اللقاء أحد من المشركين فتقع الفتنة بين الطائفتين ( المسلمة والكافرة ) في مكان قدسه الله وعظمه ، وجعله ملتقى لأداء مناسك الحج ..
فخرجوا إليها متسللين رجلا ورجلين بعد أن مضى ثلث الليل , حتى اجتمعوا كلهم دون أن يشعر بهم أحد من المشركين , وكانوا قرابة السبعين أو ثلاثة وسبعين, وبايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا المكان بيعة سميت ببيعة "العقبة الثانية"(1). .


وكان مما قاله لهم رسول الله : تبايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل , والنفقة في العسر واليسر , وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, وأن تقولوا الحق لا تخافوا في الله لومة لائم ،

وعلى أن تنصروني فتمنعوني إذا قدمت عليكم مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم , فقالوا : فما لنا إن بايعنك على ذلك ؟ قال : لكم الجنة , فأخذ بيده رجل منهم يسمى " البراء بن معرور" و قال : نعم .

فو الذي بعثك بالحق لنمنعنك مما نمنع منه أزرنا (أهلينا وأنفسنا) فبايعنا يا رسول الله فنحن والله أبناء الحروب ورثناها كابرا عن كابر , فرد عليه رسول الله بقوله: "وأنا منكم وأنتم مني ، أحارب من حاربتم ، وأسالم من سالمتم ".


فقام ثان ويسمى " أسعد بن زرارة " وقال : رويدا يا أهل يثرب !! فإنا لم نضرب إليه أكباد الإبل (أي نسافر المسافات الطويلة) إلا ونحن نعلم أنه رسول الله , وإن إخراجه اليوم مناوأة ( معاداة ) للعرب كافة ، وقتل خياركم , فإن كنتم قوما تصبرون على ذلك فخذوه وأجركم على الله ، وأن كنتم قوما تخافون من أنفسكم خيفة فذروه , فبينوا ذلك فهو أعذر لكم عند الله , فقالوا : أبط عنا يا أسعد فوالله لا ندع هذه البيعة ، ولا نسلبها أبدا .


وأراد "العباس بن عبادة" أن يؤكد على كلام أسعد فقال : يا معشر الخزرج ! هل تدرون علام تبايعون هذا الرجل ؟ قالوا : نعم , قال: إنكم تبايعونه على حرب الأحمر والأسود من الناس , فان كنتم ترون أنكم إذا أنهكت أموالكم مصيبة وأشرافكم قتلا أسلمتموه فمن الآن فهو والله إن فعلتم خزي الدنيا والآخرة , وإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه على نهكة الأموال , وقتل الأشراف فخذوه فهو والله خير الدنيا والآخرة .

قالوا: فإنا نأخذه على مصيبة الأموال وقتل الأشراف, فما لنا بذلك يا رسول الله إن نحن وفينا؟ قال : الجنة, قالوا :أبسط يدك فبسط يده فبايعوه , فأنزل الله فيهم " إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم"(2)..


هؤلاء هم الناس الذين قامت على أكتافهم الدولة الإسلامية في يثرب التي سماها رسول الله فيما بعد "المدينة المنورة" وهذه هي الشروط التي اشترطها رسول الله على من يريد أن ينضم إلى حزبه (حزب الله) في إقامة دولة الإسلام , وفي نشره على مر التاريخ ، شروط بعيدة كل البعد عن مكاسب الدنيا , بل تجعل الواحد يتجرد من كل شيء , ويبذل كل غال ورخيص , ويضحي بماله ونفسه في سبيل شيء واحد فقط وهو الجنة , ومع إن رسول الله كان في أمس الحاجة إلى هؤلاء لينصروا دعوته بمفهومنا الدنيوي إلا أنه وضح لهم حقيقة الطريق الذي سيسيرون عليه معه وتبعاته (3)..


كما أن هذه الشروط التي أخذها الأنصار على أنفسهم لم تكن مجرد وعود يرضون بها رسول الله , وإنما وفوا بها خير وفاء , فقد فتحوا بيوتهم لمن هاجر إليهم من مكة , وأشركوهم في أموالهم وهم سعداء بذلك , حتى قال عنهم القرآن "والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة " (4). ..


وخاضوا معه كل المعارك التي خاضها حتى كانوا أكثر العرب شهداء , فقد قتل منهم يوم أحد سبعون، ويوم بئر معونة سبعون، ويوم اليمامة سبعون .


وبعد أن بايعهم رسول الله قال : أخرجوا إليّ منكم اثني عشر نقيبا يكونون على قومهم بما فيهم, فأخرجوا تسعة من الخزرج , وثلاثة من الأوس عينهم عليهم ليتولوا شئونهم؛ لأنه كان يحب النظام , ويحب أن يدير أصحابه شئونهم على النظام .


ثم عادوا إلى يثرب جميعا دعاة إلى الله , وفي عنقهم بيعة الحق، وأخذوا يدعون من بقي من قومهم على شركه لاعتناق الإسلام , حتى إذا صارت الغلبة فيها للإسلام وأهله ، وأن من بقوا على شركهم صاروا قلة قليلة ولا شوكة لهم أمر صلى الله عليه وسلم أتباعه من أهل مكة بالهجرة إليها ، وقال لهم ‏‏:"‏‏ إن الله عز وجل قد جعل لكم إخوانا ودارا تأمنون بها , فاخرجوا إلى يثرب " .


فخرجوا مستخفين متسللين ؛ كي لا يعلم بهم أحد من مشركي قريش , تاركين وراءهم أموالهم وأمتعتهم , إلا ما خف منها وسهل حمله , وهجروا منازلهم مفتحة تعصف بها الريح , تثير شجن كل من ينظر إليها إلا غلاظ الأكباد من طغاة الكافرين, حيث كان أحدهم يمر بالدار منها فيفرح لما حل بها من خراب .


ليس فقط بل وسطوا على ديار الأغنياء من المهاجرين ، وباعوها كأنها ملك لهم , فلما بلغهم ذلك شكوا لرسول الله فقال لهم :‏‏ ألا ترضون أن يعطيكم الله بها دارا خيرا منها في الجنة ‏‏؟‏‏ قالوا ‏‏:‏‏ بلى ؛ قال ‏‏:‏‏ فذلك لكم ‏‏.‏‏


ولم يقتصر المهاجرون على التضحية بأموالهم وديارهم , وإنما اضطر بعضهم إلى ترك كل شيء حتى أهله وأولاده , وخرجوا تعلوهم مشاعر الحزن والفرح في آن واحد , حزن على فراق الأحبة وترك الوطن الذي نشئوا وترعرعوا فيه , وهي مشاعر لا يحسها إلا من عاشها , وفرح لأن الله جعل لهم مخرجا من بين الطغاة , وهيأ لهم أرض صدق يعبدون الله فيها وهم آمنون , وأصحابا يحبونهم ويؤثرونهم على أنفسهم‏‏ , حتى كان أحدهم يقول لصاحبه : إن لي بيتين فاختر أحدهما أعطه لك.‏‏


أما هو صلى الله عليه وسلم فقد مكث وأبو بكر الصديق بمكة بقيّة ذي الحجّة والمحرّم وصفر حتى اطمـأن إلى خروج كل أصحابه ، ولم يبق إلا نفر قليل حبسهم قومهم , وحالوا بينهم وبين الهجرة .


ويبدو والله أعلم أنه كان عازما على عدم الخروج حتى يتأكد من خروجهم جميعا لولا أن مشركي قريش عاجلوه وأجمعوا على قتله أو حبسه , حيث اجتمعوا في دار تسمى " دار الندوة " وقالوا فيما بينهم :إننا والله ما نأمنه على الوثوب علينا بمن اتبعه من غيرنا , وقال بعضهم: لكأنه قد كرّ عليكم بالرجال، فأثبتوه( أي اسجنوه) أو اقتلوه حتى لا يتمكن من الالتقاء بأصحابه في المدينة، فأخبره الله بمكرهم , وأنهم اتفقوا على قتله ليلا , وأمره ألا يبيت في بيته الليلة القادمة (5)..


فخرج صلى الله عليه وسلم حتى أتى أبا بكر في وقت الظّهيرة, فلما استأذن ودخل عليه قال: قد أُذن لي في الخروج, ثم اتفق معه على أن يأتيه ليلا , فأمر أبو بكر أهل بيته بأن يجهزوه سريعا , ويعدوا له رحله وما يحتاجانه من زاد .




ثم خرج يبحث عن دليل ماهر يرشدهما إلى طريق آمن في هجرتهما , وبعد أن اتفق معه دفع إليه راحلتين كان قد أعدهما لذلك من قبل , وواعده غار ثور بعد ثلاث ليال(6)وهو الغار الذي اتفق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يختفيا فيه قبل أن يبدأ السفر , ويقع هذا الغار في جبل بأسفل مكة في الاتجاه المخالف لطريق المدينة, على بعد خمسة أميال من مكة القديمة , وهو جبل شامخ، وَعِر الطريق، صعب المرتقى، ذو أحجار كثيرة.


وأما رسول الله فقد عاد إلى بيته , واتفق مع ابن عمه علي بن أبي طالب على أن يؤخر هجرته حتى يؤدي الودائع التي كانت عنده للناس ( لأنه صلى الله عليه وسلم لم يكن بمكة أحد عنده شيء يخشى عليه إلا وضعه عنده ، لما يُعلم من صدقه وأمانته) (7) ثم يلحق به بعد ذلك. ‏




وخرج صلى الله عليه وسلم آخر الليل من خلف بيته كي لا يحس به أحد من المشركين , وترك عليا نائما في فراشه ؛ ليوهم من يتصنتوا عليه أنه مازال نائما فلا يتبعوا أثره , وطمأن عليا بأنه لن يناله منهم مكروه , وقد كانوا ينتظرون خروجه للصلاة بالمسجد الحرام ليلا كعادته , فيقتلوه في الظلام كي لا يُعرف قاتله.


واصطحب أبا بكر إلى الغار المتفق عليه , واختفيا فيه ثلاث ليال , سعى فيها مشركو مكة كل السعي في العثور عليهما , وبثوا عيونهم في كل مكان , واستعانوا بخبراء الأثر من الأعراب في تتبع أثر أقدامهما, حتى وصلوا إلى الغار أو قريبا منه ؛ لكن الله عم عليهم , وصار أبو بكر يقول : يا رسول الله لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا تحت قدميه (8) فقال : يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما, يا أبا بكر لا تخف إن الله معنا , ثم قام يصلي ، وقد كان عليه السلام إذا أحزنه أمر قام فصلى , فوقوفه أمام الله كان يصغر في عينه كل عظيم.


وسجل الله في القرآن الكريم هذا المشهد في قوله تعالى " ‏إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم "(9) ليعلم المؤمن أن معية الله تحفظ من كل سوء ، وتحمي من كل عدو , وأن هذه المعية تحصل للمؤمن بالوقوف أمامه سبحانه وتعالى , وبالتضرع إليه في الصلاة .


وخلال الأيام الثلاثة التي مكثا فيها في الغار كان عبد الله بن أبي بكر يطوف بمكة يتسمع الأخبار , وما يقوله المشركون في شأنهما , ثم يأتي إليهما بما سمع من أخبار دون أن يشعر به أحد، ويتبعه خادم أبي بكر الصديق "عامر بن فهيرة "بالغنم ليخفي آثار أقدامه, حتى إذا اطمأنا إلى أن الطلب قد هدأ خرج بهما الدليل تجاه ساحل البحر الأحمر , ثم صار بهم في طريق غير مألوف .


وقبل أن يتحركوا التفت رسول الله -صلّى الله عليه وسلَّم- إلى مكة , وأخذ ينظر إليها ويقول في شوق: ما أَطيبَكِ من بلدٍ وأَحبَّكَ إلي! ولولا أنَّ قومكِ أخرجُوني منكِ ما خرجتُ ، ثم ابتهل إلى الله تعالى بالدعاء فقال: الحمد لله الذي خلقني ولم أكُ شيئاً، اللَّهمَّ أَعِنِّي على هَوْلِ الدنيا، وبوائق الدهرِ، ومصائبِ اللَّيالي والأيامِ، اللَّهُمَّ! اصحبني في سفري، واخلُفْني في أهلي، وبارِكْ لي فيما رَزَقتني، ولكَ فَذلِّلْني، وعلى صالحِ خُلُقي فقَوِّمْني، وإليكَ رَبِّي فحببني، وإلى الناس فلا تكلني، رب المستضعفين وأنت ربي، أعوذ بوجهك الكريم الذي أشرقت له السموات والأرض، وكشفت به الظلمات، وصَلُحَ عليه أمر الأولين والآخرين أن تُحِلَّ عليَّ غضبك، وتنزِلَ بي سخَطَك، أعوذُ بكَ من زَوالِ نِعمتكَ، وفَجاءةِ نِقمتك، وتحَوُّلِ عافيتِك، وجميع سَخَطِكَ، لك العُتْبَى حتى ترضى ولكن عافيتك أوسع عندي، ولا حولَ ولا قوَّة إلا بك "(10).


وقد أشار القرآن إلى إن تضرع رسول الله في تلك الأوقات كان بأمر من الله تعالى ، وذلك في قوله : " وقل رب أخرجني مخرج صدق وأدخلني مدخل صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا" (11) فمن في مثل حاله من المطاردة ينبغي أن يكون دائم الاستغاثة بالله تعالى.


ولما عجز المشركون عن العثور عليهما أذاعوا في سائر القبائل العربية المحيطة بمكة أن من عثر عليه أو دل عليه فله مائة ناقة , فجن جنون الأعراب لسماع هذا الخبر , وبدأت الأحلام تراود الكثير منهم بأنه سيصبح من أثرى الأثرياء لو فاز بتلك المكافئة , فانطلقوا في كل اتجاه ـ وهم أهل خبرة بسبل الصحراء ـ حتى رآهما أعرابي من قبيلة تسمى " بني مُدْلج" فجاء إلى قومه وهم جلوس، فقال‏ ، إني رأيت آنفًا أسْوِدَة بالساحل، أراها محمدًا وأصحابه‏.


فسمعه رجل يسمى " سراقة" فطمع في المكافئة دون غيره , فقال له‏:‏ إنهم ليسوا بهم، ولكنك رأيت فلانًا وفلانًا انطلقوا بأعيننا، وذلك حتى يضلله ولا يخبر أحدا غيره , ثم انطلق يريد اللحاق بهما ؛ حتى إذا دنا منهما وسمع قراءة رسول الله -صلّى الله عليه وسلَّم- عَثَرَتْ به فرسه فخر عنها، فقام وركبها حتى إذا دنا منهما مرة أخرى وسمع قراءة رسول الله عَثَرَتْ به وسقط من فوقها , وأبو بكر يكثر الالتفات إليه , والرسول غير عابئ .
فلما ركبها في المرة الثالثة غاصت أرجلها في الأرض كما حكى سراقة نفسه , وخرج من تحتها دخان كالإعصار , وعلم حينئذ أن رسول الله محفوظ من ربه , وأنه لن يستطيع أن يصل إليه بسوء , فناداه بالأمان وقال له‏:‏ إن قومك قد جعلوا فيك الدية، وأخبره بما يريد الناس به، وعرض عليه المساعدة فلم يسأله شيئا غير أنه قال‏ له:‏ ‏أَخْفِ عنا(12) ‏.‏


وقول رسول الله له " أَخْفِ عنا" لم يكن سوى التزام منه بسنن الكون , والأخذ بالأسباب , وإلا فكما عجز هذا الرجل ومن وصلوا إليه في الغار عن النيل منه سيعجز غيره, وكان صلى الله عليه وسلم يعلم هذه الحقيقة جيدا ؛ لأن الله سبحانه وتعالى أخبره قبل أن يستعد للهجرة بأن مكر أعدائه لن يكون شيئا أمام حفظ الله , فقال تعالى : " ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين "(13) بل إن الله تكفل له بحفظه قبل أن يأمره بإعلان الدعوة على الملأ , فقال تعالى : " والله يعصمك من الناس " (14).


وأحسب ـ والله أعلم ـ أن رسول الله حرص على الحيطة والحذر والأخذ بكل الأسباب ؛ ليبدو أمام الناس ببشريته التي يريد الله للناس أن يسيروا عليها ويقتدوا به , فهو نموذج قدمه الله تعالى للبشرية ليحتذوه , وليرفع عنه القداسة التي قد يظنها بعض الناس , وذلك لأمرين :


الأول :أن رسول الله نشأ في بيئة عبد الناس فيها كل ما تخيلوا فيه النفع أو الضر, ورفعوه إلى مرتبة الألوهية .


والثاني : أنه صلى الله عليه وسلم بعث بعد عيسى عليه السلام الذي أدى الغلو فيه إلى وقوع أكثر البشرية وإلى الآن في مشاكل عقدية في منتهى الخطورة , وذلك بسبب سوء تفسير بعض الناس للآيات التي أيد بها مثل " إحياء الموتى " "وشفاء المرضى" .

وقد زجر صلى الله عليه وسلم من أراد أن يرفعه فوق مكانته البشرية بقوله : " لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، فإنما أنا عبد ، فقولوا عبد اللّه ورسوله(15) ".
ومع ذلك فقد أكد الله على أن الأخذ بالأسباب ليس منتهى كل شيء فهناك معيته , وهناك مشيئته , إذ نجح المطاردون له في الوصول إليه في أكثر من موطن , وكادت أيديهم أن تصل إليه لولا تلك المعية وهذه المشيئة .

 

 

من مواضيع mesoo في المنتدى

mesoo غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس

قديم 02-10-2011, 09:23 PM   #14
آخشآكـ يآ قدريـ
 
الصورة الرمزية mesoo
 
تاريخ التسجيل: Aug 2010
الدولة: فلسطين
المشاركات: 6,559
mesoo is on a distinguished road
افتراضي




الأخوة في المجتمع الإِسلامي الأول


إن الأساس الأول الذي شاد عليه الإسلام بناءه الاجتماعي هو الأخوة بين أفراده جميعا.. فمن الطبيعي وهو مجتمع يقوم على عقيدة تجمع بين أبنائه أن يجعل منها رابطة قوية تشدّ كل المسلمين ، وتؤلف بين قلوبهم.


إنه يجعل هذه الأخوّة علاقة حقيقية تزيد على علاقة الدم والنسب وتفضلها.. وقد كان الإسلام بذلك أول من أقام مجتمعا على أساس رابطة روحية يجعل لها الاعتبار الأول، ويعتمد عليها في تقرير الحقوق والواجبات.

إنه يجعل هذه الأخوّة علاقة حقيقية تزيد على علاقة الدم والنسب وتفضلها.. وقد كان الإسلام بذلك أول من أقام مجتمعا على أساس رابطة روحية يجعل لها الاعتبار الأول، ويعتمد عليها في تقرير الحقوق والواجبات..

ففي المجتمع المكي كان رباط الأخوة هو الأساس المتين الذي يتجمع حوله المسلمون دون اعتبار لما كان بين العرب قبل الإسلام من روابط تقوم على الأنساب والأجناس والتعصب لها.. ففي الإسلام لا تفاخر بالأنساب ولا اعتبار للجنس، فالإسلام يرفض أن يفترق الناس أجناساً مختلفة ، وأن تفصل بينهم فواصل من صنع أيديهم.

ولهذا فقد احتضن المجتمع الإسلامي الأول المسلمين من كل جنس ومن كل لون، ولم يجد الفارسي أو الرومي أو الحبشي حائلاً يمنعهم من الانتساب لهذا المجتمع ، بل والتصدر فيه..

وكانت هذه الأخوة نوعا جديداً من العلاقات لم يعهده المجتمع العربي قبل الإسلام، إذ كان ذلك المجتمع يقوم على رباط النسب والجنس ، فجاء الإسلام ليجعل الترابط في مجتمعه يقوم على أساس روحي وفكري من وحدة العقيدة ووحدة الغاية، متخطياً في ذلك الروابط التي تحمل في طياتها عوامل التفكك وبذور الانهيار.

وكان المسلمون في المجتمع المكي صفاً من العاملين، أخذوا هذه الدعوة أول أمرها ألماً وعناءً ، ولم يكن في طبيعة الدعوة الإسلامية ما يجذب غير العاملين المخلصين.. وكان الرسول صلى الله عليه وسلم رمزاً للإسلام وأفقاً واسعاً من الصبر والاحتمال، وظلّ يلاقي من العنت ما ذهب بماله ومال زوجه وأصحابه، وكان يمرّ على المستضعفين من أصحابه فيقول:" صبراً لا املك لكم من الله شيئاً".

وبذلك خلّى ما بينهم وبين ربهم وعرضهم عرضاً مباشراً للمحنة ، واحتمل معهم ما يحتملون..

والمؤمنون يرون هذا ، ويحمل كل فرد ما يطيق من البلاء.. لقد دخلوا الإسلام مغارم من أول يوم عرفوا فيه الإسلام ، وآمنوا بالرسول صلى الله عليه وسلم على أنّه مبلّغ لا على أنه قادر على حمايتهم أو الانتصار لهم.

ورغم هذه الآلام جميعاً كانت لهم عبادتهم المحبّبة ، وأخوّتهم الخالصة ، ووقفاتهم الطويلة التي يفرضونها على أنفسهم.. وتكوّنت المجموعة الإسلامية الأولى، فكانت مجموعة عالمية تدعو لدين عالمي ، وأُخوة عالمية تفنى فيها فروق الجنس واللون والطبقات، فالناس كلهم إخوة ينتسبون إلى أب واحد، ويعبدون رباً واحداً..

وقام المجتمع الإسلامي على أساس من التكافل والتكامل والتفاهم.. وكان في تكامله وتفاهم أعضائه ما جعل كل عضو فيه يؤدي واجبه، ويقوم بالعمل الذي تؤهله له مواهبه، ويمنحه المجتمع من الطاقة ما يكفيه للسير في هذه المهمة.. فإذا اشتكى عضو ظهر التكافل واضحاً فيتداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى..



فالإسلام أقام عدالته الاجتماعية على هذا المعنى الدقيق من التكافل ووحدة الشعور.. بل وكان في هذا المجتمع الكريم ما هو أسمى من العدالة الاجتماعية.. كان فيه الكرم الاجتماعي والغذاء الاجتماعي.. وبه كان يدفع الفرد أكثر مما يُطلب منه، ويبذل أكثر مما طلب منه الشرع الإسلامي.. إذ لم يكن الأمر أمر مال فقط ، ولكنهم كانوا جسداً واحداً له شعور واحد ، وهدف واحد ، وكيان واحد ، ومصلحة واحدة.

ومن أهم المظاهر التي تدلّ على هذا:

1_ التكافل الاقتصادي: كان أغنياء المسلمين ينفقون الأموال لتحرير إخوانهم من الرّق، ومن الأمثلة على ذلك أبو بكر الصديق كان له مال كثير، أنفقه على عتق الرقيق المعذبين.. وهم قوم خالط الدين قلوبهم ، وخالفوا ساداتهم في الإيمان، وثبت هؤلاء الضعفاء على إيمانهم رغم ما أصابهم من أذى وإرهاق.. ويروي لنا التاريخ أن أبا فكيهة كان عبداً لصفوان بن أمية ، وأنه أسلم مع بلال فكان من السابقين الأول، وقد أخذه أمية بن خلف وربط في رجله حبلا، وأمر به فجرّ ، ثم ألقاه في الرمضاء، وخنقه خنفاً شديداً.

وكان أخوه أبي بن خلف يقول زده عذاباً حتى يأتي محمد فيخلصه بسحره، ولم يزل على تلك الحال حتى ظنّوا أنه مات ، ثم أفاق فمرّ به أبو بكر فاشتراه وأعتقه.

وتكرّرت هذه الحوادث مع عمار وبلال وغيرهم كثير، فما كان من أغنياء المسلمين إلا أن جعلوا مالهم فداء لإِخوانهم في العقيدة حتى يخففوا عنهم بعض ما يحملون من الألم.

واشتد العذاب بالمسلمين جميعاً حين قاطعتهم قريش اقتصادياً ، وألجأتهم إلى شعب أبي طالب، فوضع المسلمون مالهم بين يدي المحنة ترعاه حتى أتت عليه ، ومضت الأعوام الثلاثة ، وفنيت أموال المسلمين حتى أكلوا ورق الشجر من الفقر والجوع.

2_ رد الجوار: لقد دخل بعض الصحابة في جوار نفر من أقوياء الكفار، ولكن أمر الأذى اشتد بإخوانهم فلم تطب نفوسهم بأن يعيشوا في مكة آمنين وإخوانهم في العذاب ، فما كان منهم إلا أن ردّوا الجوار إلى أصحابه ، واقتحموا لهيب العذاب سعداء بما يلقون في جنب الله..

ويروي ابن هشام في كتابه (السيرة النبوية) فيقول: لما رأى عثمان بن مظعون ما فيه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من بلاء وهو يغدو ويروح في أمان من الوليد بن المغيرة قال: والله إن غدوّي ورواحي آمنا بجوار رجل من أهل الشرك، وأصحابي وأهل ديني يلقون من البلاء والأذى في الله ما لا يصيبني لنقص كبير في نفسي، فمشى إلى الوليد بن المغيرة فقال له: يا أبا عبد شمس وفت ذمتك ، وقد رددت إليك جوارك، قال له: يا ابن أخي لعله آذاك أحد من قومي: قال: لا ولكنني أرضى بجوار الله ، ولا أريد أن أستجير بغيره.

قال: فانطلق إلى المسجد فاردد علي جواري علانية كما أجرتك علانية ،

قال: فانطلقنا فخرجا حتى أتيا المسجد فقال الوليد: هذا عثمان قد جاء يرد علي جواري: قال: صدق قد وجدته وفيا كريم الجوار ، ولكني أحببت أن لا أستجير بغير الله فقد رددت عليه جواره ، ثم انصرف وعثمان ولبيد بن ربيعة بن مالك بن جعفر بن كلاب في مجلس من قريش ينشدهم فجلس معهم عثمان ، فقال لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل، فقال عثمان صدقت قال: وكل نعيم لا محالة زائل، قال عثمان: كذبت، نعيم الجنة لا يزول.

قال لبيد بن ربيعة: يا معشر قريش والله ما كان يؤذى جليسكم ، فمتى حدث هذا فيكم؟ فقال رجل من القوم: إن هذا سفيه في سفهاء معه، قد فارقوا ديننا فلا تجدن في نفسك من قوله.

فرد عليه عثمان حتى سرى أمرهما ، فقام إليه ذلك الرجل فلطم عينه فخفرها ، والوليد بن المغيرة قريب يرى ما بلغ من عثمان.

فقال: أما والله يا ابن أخي إن كانت عينك عما أصابها لغنية ، لقد كنت في ذمة منيعة ،قال عثمان: بل والله إنّ عيني الصحيحة لفقيرة إلى مثل ما أصاب أختها في الله ، واني والله لفي جوار من هو أعز منك وأقدر يا أبا عبد شمس ، فقال له الوليد: هلمّ يا ابن أخي إن شئت إلى جوارك فعد ، فقال: لا.

كما ردّ أبو بكر جوار ابن الدغنة سيد الأحابيش حينما طلب إليه أن يكف عن تلاوة القرآن في المسجد قائلا: أرد عليك جوارك ، وأرضى بجوار الله.

3_ الفداء: ومن نتائج وحدة الشعور عند المسلمين تقديرهم العميق لرسول الله صلى الله عليه وسلم كرمز لهذه الدعوة، ومما يدل على هذا ما حدث وقت الهجرة حين نام علي بن أبي طالب في فراش الرسول ، وتسجّى ببرده وخرج الرسول مهاجراً إلى ربّه..

وهكذا كانت أخوة الإسلام تملأ قلوب المسلمين وأرواحهم ، وتجعل منهم دروعاً تحمي رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفديه.

لقد كانوا قوما أحبّوا هذا الدين من قلوبهم حباً صادقاً، ولم يأخذوا الإسلام (وظيفة) يؤدون منها عملا، أو وراثة يحيون فيها، وإنما أخذوه روحاً وعقيدة توجه كل أوضاع حياتهم.

ولهذا لم ير العالم كأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم قوماً من مختلف العناصر والبيئات والأجناس والطبقات اجتمعوا على التضحية هذا الاجتماع الرائع، وبذلوا لأخوّتهم هذا البذل السّخي.

في المجتمع المدني:

عندما وصل المهاجرون إلى المدينة تنافس فيهم الأنصار فحكّموا القرعة بينهم ، فما نزل مهاجر على أنصاري إلا بقرعة.. وكانوا يؤثرون إخوانهم المهاجرين على أنفسهم.. وسجل القرآن ذلك الموقف الفريد: "والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجةً مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، ومن يوق شحّ نفسه فأولئك هم المفلحون".

وحتى يُمكّن الرسول صلى الله عليه وسلم بينهم هذا الإخاء آخى بين المهاجرين والأنصار ، فكان كل أنصاري ونزيله أخوين في الله ، ويستطيع الإنسان أن يدرك بحسه الإسلامي أن هذه الأخوة كانت أرقى بكثير من الأخوة العصبية.. فهي قلوب ألّف الله بينها حتى صارت شيئاً واحداً في أجسام متفرقة.. حتى إنهم كانوا يتوارثون بعد الموت دون ذوي الأرحام، والرسول عليه السلام يقول لكل اثنين "تآخيا في الله أخوين أخوين".. ودام هذا الميراث إلى أن أنزل الله سبحانه قوله في سورة الأحزاب: "وأولو الأرحام بعضهم أولى بعض في كتاب الله".

ولتثبيت دعائم الأخوة في هذا المجتمع الكريم فإن الرسول صلى الله عليه وسلم ابتدأ عمله في المدينة بإيجاد الروابط التي تربط أفراد الجماعة الإسلامية، وكوّن وحدة تضم العناصر المختلفة الأنساب والأماكن، وجعل من ذلك المجتمع المختلف أنساباً وقبائل مجتمعاً مؤتلفا في شعوره، تُمحى فيه الفوارق.

لقد وجد النبي صلى الله عليه وسلم مهاجرين من بطون مختلفة، ووجد أنصاراً آووا ونصروا، ولكن الدماء لم تكن قد جفت بينهم ، فجاء إلى ذلك المجتمع الذي كان متنافراً؛ ليؤلف بين قلوبهم، والأمم إنما تتكون بتأليف القلوب المتنافرة، وجمعها على الحق، وأشد ما يجمع الناس على الحق _الإيمان بالله والخضوع لأحكامه..

قال السهيلي في كتابه الروض الأنف: "آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أصحابه حين نزلوا بالمدينة ؛ ليذهب عنهم وحشة الغربة، ويؤنسهم من مفارقة الأهل والعشيرة ، ويشد أزرهم بعضهم ببعض"..

وهذا أحد أغراض المؤاخاة.. فالمؤاخاة أولا تتجه إلى تكوين وحدة الجماعة المؤمنة، ولذلك كانت المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار أولاً، وكانت بين المهاجرين بعضهم مع بعض ثانياً، وبين الأنصار بعضهم مع بعض ثالثاً، أوسهم مع خزرجهم؛ ليقضي الرسول على الثغرة السابقة بالألفة التي تجمع القلوب، وتزيل نفورها.

فالمؤاخاة كانت لتجعل رابطة الأخوّة هي العلاقة الوثيقة بين النسيب الشريف، والمولى الضعيف، ولذلك كانت المؤاخاة بين حمزة بن عبد المطلب وزيد بن حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

والمؤاخاة كانت لتضع مبدأ المساواة عمليا بين أفراد الجماعة المسلمة.. قال ابن إسحاق: "وآخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أصحابه من المهاجرين والأنصار، فقال _فيما بلغنا، ونعوذ بالله أن نقول عليه ما لم يُقل: تآخوا في الله أخَوين أخَوين، ثم أخذ بيد علي بن أبي طالب، فقال: هذا أخي. فكان رسول الله سيد المرسلين، وإمام المتقين، ورسول رب العالمين، الذي ليس له خطير ولا نظير من العباد، وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه، أخَوين، وكان حمزة بن عبد المطلب، أسد الله وأسد رسوله صلى الله عليه وسلم وعم رسول الله صلى الله عليه وسلم وزيد بن حارثة، مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أخَوين، وإليه أوصى حمزة يوم أحد حين حضره القتال إن حدث بن حادث الموت.

وجعفر بن أبي طالب ذو الجناحين، الطيّار في الجنة، ومعاذ بن جبل، أخو بني سلمة، أخَوين.

وكان أبو بكر الصديق رضي الله عنه، ابن أبي قحافة، وخارجة بن زهير، أخو بلحارث بن الخزرج، أخوين. وعمر بن الخطاب رضي الله عنه، وعتبان بن مالك، أخو بني سالم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج أخوين ، وأبو عبيدة بن عبد الله بن الجرّاح، واسمه عامر بن عبد الله، وسعد بن معاذ بن النعمان، أخو بني عبد الأشهل، أخوين، وعبد الرحمن بن عَوف، وسعد بن الربيع، أخو بلحارث بن الخزرج، أخوين، والزبير بن العوّام، وسلامة بن سلامة بن وَقش، أخو بني عبد الأشهل، أخوين، ويقال: بل الزبير وعبد الله بن مسعود، حليف بني زهرة، أخوين.

وعثمان بن عفّان، وأوس بن ثابت بن المنذر، أخو بني النجار، أخوين وطلحة بن عبيد الله، وكعب بن مالك، أخو بني سلمة، أخوين، وسعد بن زيد بن عمرو بن نُفيل، وأبي بن كعب، أخو بني النجار، أخوين. ومصعب بن عمير بن هاشم، وأبو أيوب خالد بن زيد، أخو بني النجار، أخوين. وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وعبّاد بن بشر بن وقش، أخو بني عبد الأشهل، أخوين. وعمار بن ياسر، حليف بني مخزوم، وحُذيفة بن اليمان، أخو بني عبد عَبس، حليف بني عبد الأشهل أخوين.

ويقال ثابت بن قيس بن الشماس، أخو بلحارث بن الخزرج، خطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعمار بن ياسر، أخوين. وأبو ذرّ، وهو بُرير بن جُنادة الغفاري، والمنذر بن عمرو، أخو بني ساعدة بن كعب بن الخزرج، أخوين.

وكان حاطب بن أبي بلتعة، حليف بني أسد بن عبد العزىّ، وعُويم بن ساعدة، أخو بني عمرو بن عوف، أخوين ، وسلمان الفارسي، وأبو الدرداء، عُوَيمر بن ثعلبة، أخو بلحارث بن الخزرج أخوين.

وبلال، مولى أبي بكر رضي الله عنهما، مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو رُويحة، عبد الله بن عبد الرحمن الخثعمي أخوين.

فهؤلاء من سُمي لنا، ممّن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم آخى بينهم من أصحابه ، وقال ابن إسحاق: فلمّا دوّن عمر بن الخطاب الدواوين بالشام، وكان بلال قد خرج إلى الشام، فأقام بها مُجاهداً، فقال عمر لبلال: إلى من تجعل ديوانك يا بلال؟ قال: مع أبي رُويحة، لا أفارقه أبدا، للأخوة التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عقد بينه وبيني، فضمّ إليه، وضُمّ ديوان الحبشة إلى خَثعم، لمكان بلال منهم، فهو في خثعم إلى هذا اليوم بالشام ".

يتبين لنا من هذا العرض الكبير لعقد الإخاء العام بين المسلمين بعضهم وبعض أن هذا الإخاء يرتبط بمعنى العقيدة التي يقررها القرآن الكريم بقوله تعالى: "إنما المؤمنون إخوة".. فالإسلام دين تجميع وأُلفة.

ومن هنا يجيء الإخاء مظهراً من مظاهر الهدي الإسلامي الذي يستحق المؤمن عليه ثواب الله ورضوانه ،يقول الشيخ محمد أبو زهرة في كتابه "خاتم النبيين".

إن المقصود من هذه المؤاخاة:

أولاً: عقد الألفة بين الضعيف والقوي، وتمكين الصحبة بين المؤمنين، وألاّ يتعالى مؤمن على مؤمن.

ثانياً: أن المهاجرين كانوا من قبائل مختلفة، والقرشيون منهم كانوا من بيوت متنافسة، فكان لا بد من محو العصبية والدمج بينهم بحكم أخوة الإسلام.

ثالثاً: أن الأنصار لم يكونوا متآلفين فيما بينهم، فكانت على مقربة من هدايتهم العداوة المستعرة الأوار بينهم، بين الأوس والخزرج، فكان لا بد من العمل على نسيانها، وذلك بالمؤاخاة الإسلامية.

رابعاً: أن النبي صلى الله عليه وسلم عندما عقد المؤاخاة كان يشرع للأمة من بعده هذا النظام الذي يجمع المسلمين، ولم يكن حكما لحادثة واقعة، ولا علاجاً مقصوراً، على ما بين المهاجرين والأنصار ، بل هو تأليف للمؤمنين ، ونظام متبع، وربما تكون الحاجة إليه من بعد أشد وأكبر.

ولهذا فإن الأخوة الإسلامية تمتاز على كل أساس يهتدي إليه البشر، لأنها عقيدة قوية تحوي ركائز روحية وإنسانية، لا افتعال فيها ولا تزوير.. ولقد أصبحت هذه الأخوّة الصادقة في المجتمع الإسلامي مقياساً من مقاييس الإيمان ، يزكو بها العمل ، وتعلو بها الدرجة.. بل ترقى المحبة في الله والأخوة في الإيمان به حتى تصير أفضل الأعمال وأولاها بالقبول.. يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "أفضل الأعمال الحب في الله".

إن هذا التصور لمنزلة الأخوة في الله يحيط العلاقة في المجتمع المسلم بهالة من نور العقيدة ، تحميها من الانفصام ، وتثبتها على الدوام، وتكفل للمجتمع الإسلامي أن يظل بمنأى عن الصراع والمنافسة..

يقول الدكتور مصطفى عبد الواحد في كتابه "المجتمع الإسلامي": "والإسلام يعلنها واضحة في مجتمعه على لسان رسوله: "لا تؤمنوا حتى تحابّوا".. والقرآن يعلن هذه الحقيقة ، وحين يبين أن الرابطة التي جمعت بين أبنائه لم تكن صنع قانون يفرض، ولم تُجتلب بغايات مادية ، ولم تدخل في نطاق المنفعة، بل صدرت عن العقيدة ونبعت من الأخوة، وتلك الآصرة لا تُشترى بشيء من الدنيا ، ولو كانت كل ما فيها من أموال، ولكنها تنبع ببساطة من القلوب المؤمنة ، حتى تسيطر عليها العقيدة ، ويدفعها الإيمان.. يقول الله سبحانه: "وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألّفت بين قلوبهم، ولكن الله ألف بينهم".

وهذا ما حدث في المدينة فعلاً حين قام أول مجتمع إسلامي بعد هجرة المسلمين إليها، فكانت الأخوة بين المؤمنين الدعامة الأولى التي قام عليها المجتمع.. حيث أفلحت الأخوة في شدهم برباط متين من المحبة والإيثار.. فقد فتح أهل يثرب الذين اعتنقوا الإسلام قلوبهم لإخوانهم الذين وفدوا من مكة، على غير أرحام بينهم، بعيداً عن نطاق العصبية للقبيلة فقط، واتسعت ديارهم وأموالهم وأسواقهم لأولئك الذين هاجروا إليهم.

وهذا الذي قام به الأنصار نحو إخوانهم المهاجرين لم يصدر عن طبع أو كرم اعتاده العرب نحو من ينزل عليهم، ولكنه صدر عن إدراك لعلاقة جديدة أنشأها الإسلام بين أتباعه، هي أن المسلم أخو المسلم، وأن لتلك الأخوة حقوقاً تقتضيها، ليست عاطفة مجردة، بل هي تنظيم عملي للمجتمع الجديد يربط بين الأفراد برباط وثيق..

ولذا لم يتحرج المهاجرون من بقائهم في ديار الأنصار ، ومن اعتمادهم على عونهم فترة من الزمان، فقد قضت الأخوة على التقاليد الجاهلية التي لا تعرف ارتباطاً إلا بالقبيلة ، ولا تأوي إلا إلى العصبية والنسب.

 

 

من مواضيع mesoo في المنتدى

mesoo غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس

قديم 02-10-2011, 09:25 PM   #15
آخشآكـ يآ قدريـ
 
الصورة الرمزية mesoo
 
تاريخ التسجيل: Aug 2010
الدولة: فلسطين
المشاركات: 6,559
mesoo is on a distinguished road
افتراضي





لقد أمر الله تعالى بأن يُعاشر النساء بالمعروف فقال جل ذكره: (وعاشروهن بالمعروف) والمعروف كلمة جامعة لكل فعل وقول وخلق نبيل ، يقول الحافظ ابن كثير ـ رحمه الله ـ في التفسير: أي طيبوا أقوالكم لهن ، وحسنوا أفعالكم وهيئاتكم بحسب قدرتكم ، كما تحب ذلك منها فافعل أنت بها مثله ، كما قال تعالى: (ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي) وكان من أخلاقه صلى الله عليه وسلم أنه جميل العشرة ، دائم البشر ، يداعب أهله ، ويتلطف بهم ، ويوسعهم نفقته ، ويضاحك نساءه.



لقد كان عليه الصلاة والسلام القدوة الحسنة لأمته، والنموذج البشري الكامل ، قال جلّ ذكره: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) والحديث عن هديه عليه الصلاة والسلام مع النساء حديث طويل متشعب ، ولا غرو فقد أوضح لأمته: (أنهن شقائق الرجال) ولعلي أقصر حديثي عن هديه الشريف مع نسائه، أو بعبارة أخرى: كيف عاش عليه الصلاة والسلام زوجًا؟ وكيف تعامل مع نسائه؟ وكيف راعى نفسياتهن؟ وما هي وصاياه وإرشاداته للرجال بضرورة رعاية حقهن زوجات، وأمهات لأولادهم؟ وحسبي أن أسوق بعض الأحاديث دون شرح أو تعليق ، فهي كافية في إيضاح المراد مكتفيا بالإشارة إلى بعض ما تدل عليه تلك الأحاديث الشريفة:
* فقد أوصى بهن خيرًا في نصوص كثيرة: منها حديث أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (اللهم إني أحرج حق الضعيفين اليتيم والمرأة) وحديث أبي ذر عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن المرأة خلقت من ضلع فإن أقمتها كسرتها فدارها تعش بها). وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا وخياركم خيارهم لنسائهم)وفي لفظ(وألطفهم بأهله).

وعن بهز قال : حدثني أبي عن جدي قال : قلت : يا رسول الله نساؤنا ما نأتي منها و ما ندع؟ قال: (حرثك أنى شئت ، غير أن لا تقبح الوجه ، ولا تضرب ، وأطعمها إذا طعمت ، واكسها إذا اكتسيت ، ولا تهجرها إلا في بيتها ، كيف وقد أفضى بعضكم إلى بعض إلا بما حل عليها).
* وخوّف ورهّب من تزوج بأكثر من واحدة ثم لم يعدل بينهن: عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من كان له امرأتان يميل لإحداهما على الأخرى جاء يوم القيامة أحد شقيه مائل).
* وأرشد بفعاله ومقاله إلى أهمية مراعاة ما طبعن عليه من الغيرة: عن أنس قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم عند إحدى أمهات المؤمنين فأرسلت أخرى بقصعة فيها طعام ، فضربت يد الرسول فسقطت القصعة فانكسرت ، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم الكسرتين فضم إحداهما إلى الأخرى ، فجعل يجمع فيها الطعام ويقول : غارت أمكم كلوا ، فأكلوا فأمر حتى جاءت بقصعتها التي في بيتها فدفع القصعة الصحيحة إلى الرسول ، وترك المكسورة في بيت التي كسرتها"، وعن عائشة قالت: "افتقدت النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فظننت أنه ذهب إلى بعض نسائه ، فتحسست ثم رجعت فإذا هو راكع أو ساجد يقول : سبحانك وبحمدك لا إله إلا أنت ، فقلت بأبي وأمي إنك لفي شأن ، وإني لفي آخر"، وقالت أيضاً: " التمست رسول الله صلى الله عليه وسلم فأدخلت يدي في شعره ، فقال : قد جاءك شيطانك ! فقلت : أما لك شيطان؟ قال: بلى، ولكن الله أعانني عليه فأسلم" .

* وكان وفيا لبعض نسائه غاية الوفاء حتى بعد وفاتهن: فعن عائشة قالت: "ما غرت على امرأة ما غرت على خديجة ، من كثرة ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم لها ، قالت : وتزوجني بعدها بثلاث سنين ".
* كما كان عليه الصلاة والسلام يتيح لهن أن ينفذن شيئًا من غيرتهن بحيث لا يتجاوزن الحد المشروع، ويضفي على سلوكهن ذلك المرح والابتسامة: فعن أبي سلمة قال: قالت عائشة: ''زارتنا سودة يوما فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم بيني وبينها إحدى رجليه في حجري والأخرى في حجرها فعملت لها حريرة ، أو قال : خزيرة ، فقلت : كلي فأبت ، فقلت لتأكلي أو لألطخن وجهك فأبت ، فأخذت من القصعة شيئا فلطخت به وجهها ، فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجله من حجرها تستقيد مني ، فأخذت من القصعة شيئا فلطخت به وجهي ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يضحك ، فإذا عمر يقول: يا عبد الله بن عمر! يا عبد الله بن عمر ! فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: ''قوما فاغسلا وجوهكما فلا أحسب عمر إلا داخلا''.
* بل إنه عليه الصلاة والسلام بيّن لأمته أن اللهو واللعب مع الزوجة مما يثاب عليه الرجل ، بل لا يعد من اللهو أصلاً: ففي حديث عطاء بن أبي رباح قال: رأيت جابر بن عبد الله وجابر بن عمير الأنصاريين يرميان ، فمل أحدهما فجلس ، فقال الآخر كسلت ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (كل شيء ليس من ذكر الله فهو لغو ولهو ، إلا أربعة خصال مشي بين الغرضين ، وتأديبه فرسه ، وملاعبته أهله ، وتعليم السباحة).

* وكان يراعي فيهن حالهن والسن التي كان عليها بعضهن: فعن عائشة قالت: (كنت ألعب بالبنات ، فربما دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وصواحباتي عندي ، فإذا رأين رسول الله صلى الله عليه وسلم فررن ، فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم كما أنت ، وكما أنتن).
* وكان إذا بدر منهن شيء يسوؤه لم يكن يقابله إلا بالحكمة واللطف: فعن أنس بن مالك قال : كانت صفية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر ، وكان ذلك يومها ، فأبطت في المسير ، فاستقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي تبكي ، وتقول حملتني على بعير بطيء ، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح بيديه عينيها ويسكتها ، فأبت إلا بكاء ، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وتركها ، فقدمت فأتت عائشة فقالت : يومي هذا لك من رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أنت أرضيتيه عني ، فعمدت عائشة إلى خمارها وكانت صبغته بورس وزعفران فنضحته بشيء من ماء ، ثم جاءت حتى قعدت عند رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم .

فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما لك؟,فقالت: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديث فرضي عن صفية وانطلق إلى زينب فقال لها: إن صفية قد أعيا بها بعيرها فما عليك أن تعطيها بعيرك, قالت زينب أتعمد إلى بعيري فتعطيه اليهودية, فهاجرها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أشهر ، فلم يقرب بيتها ، وعطلت زينب نفسها ، وعطلت بيتها ، وعمدت إلى السرير فأسندته إلى مؤخر البيت ، وأيست أن يأتيها رسول الله صلى الله عليه وسلم فبينما هي ذات يوم إذا بوجس رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل البيت فوضع السرير موضعه ، فقالت زينب: يا رسول الله جاريتي فلانة قد طهرت من حيضتها اليوم هي لك ، فدخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ورضي عنها).

 

 

من مواضيع mesoo في المنتدى

mesoo غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس

قديم 02-10-2011, 09:27 PM   #16
آخشآكـ يآ قدريـ
 
الصورة الرمزية mesoo
 
تاريخ التسجيل: Aug 2010
الدولة: فلسطين
المشاركات: 6,559
mesoo is on a distinguished road
افتراضي



عالمية الدعوة :

مما لا ريب فيه أن النشاط الحربي والسياسي والاقتصادي في العهد المدني كان مرتبطاً بالدعوة الإسلامية ، والدعوة منذ أيامها الأُوَل كانت واضحة المعالم بأنها دعوة عالمية غايتها إقامة حكم الله في كل الأرض .

وإن نظرة سريعة في القرآن المكي بشكل عام تؤكد ذلك بوضوح ، قال تعالى : "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ" ( سبأ : 28 ) وقال تعالى : "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ" ( الأنبياء : 107 ) .

وقد باشر النبي صلى الله عليه وسلم عمله في المجال العالمي مع مطلع السنة السابعة للهجرة حينما أرسل رسله يحملون كتبه إلى الملوك والأمراء ، وجدير بالإشارة أن بلاد الشام كانت ضمن الإطار الحيوي للأمة الإسلامية الناشئة ، ولا بد من الربط بين الوجود الإسلامي القديم في الشام ( مسرى الأنبياء ، المسجد الأقصى ) وبين إيصال الدعوة إلى الناس في تلك البلاد .


تأمين طرق المواصلات إلى الشام بفتح خيبر ووادي القرى :

على أن سياسة الرسول صلى الله عليه وسلم بهذا الصدد كانت قائمة على فهم عميق لهذه العوامل الدينية والتاريخية ، مع تفهم واضح وواقعي للظروف السياسية والقبلية كما سنرى ، ونهج سياسة حكيمة وخطة ناجحة في تأمين طرق المواصلات إلى الشمال .

وقد كانت نقطة البدء في هذه الخطة هي إخضاع معاقل يهود في خيبر ، من منطلق وقوعها على إحدى الطرق المؤدية إلى بلاد الشام ، ولدور هؤلاء في حشد الأعراب مثل : غطفان وبني فزارة وقريش ضد المسلمين ، وكونهم مصدراً هاماً من مصادر الميسرة ، والدعم الاقتصادي والسياسي لمشركي قريش وحلفائهم من الأعراب .

ويضاف إلى خيبر صلح رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أهل فدك وأهل تيماء ، وفتحه لوادي القرى ؛ مما يدل على وضوح سياسته في إصراره على تأمين طريق الشام استراتيجياً وتجارياً , وتتضح أهمية هذه المراكز في الغزوات اللاحقة إلى الشمال .

ولا شك أن اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم بطريق الشام الواحات الشمالية يمكن أن يُفهم في ضوء التطورات الجديدة ؛ ليس فقط بسبب صلح الحديبية والتفرغ للمناطق الشمالية ، وإنما أيضاً فيما يتعلق بعودة الحكم البيزنطي إلى الشام بصورة خاصة ؛ حيث أصبح المسلمون في مواجهة البيزنطيين لأول مرة .
وعلى الرغم من انشغال النبي صلى الله عليه وسلم بعمرة القضاء ، ومواجهة مشاكل بعض القبائل العربية التي كانت تتربص بالمسلمين الدوائر من :

بني مُرّة وبني فَزارة وبني القُشير ، فقد ظلت طريق الشام تشغل حيّزاً هاماً في خطّته عليه الصلاة والسلام ؛ إذ حاول أن يوطّد علاقاته بفروع من جُذام ؛ حيث أعطى كتاباً بالأمان لرهط رافعة بن زيد الجذامي الذي قدم عليه في هدنة الحديبية قبل خيبر ، واتصل بفروة بن عمرو الجذامي الذي كان عاملاً لقيصر على عَمَّان من أرض البلقاء ، وقد دخل في الإسلام وسجنه الروم.

استطلاع الأوضاع في الشام بإرسال السرايا :

ويبدو أن النبي صلى الله عليه وسلم : « بدأ بمحاولة استطلاع الأوضاع في الشام بعد عودة السيطرة البيرنطية مباشرة » [9] , وعلى هذا الأساس يمكن فهم إرساله سريّة بقيادة عمرو بن كعب الغفاري على رأس خمسة عشر فارساً إلى ذات أطلاح في الشام .

والواقع أن خبر هذه السريّة يدلّ بوضوح على تتبّع الرسول صلى الله عليه وسلم لأخبار الروم في الشام ؛ حيث إن جيش فارس انسحب من الشام وسلم الإدارة للروم البيزنطيين في شهر حزيران ( يونية ) سنة 629 م الموافق شهر صفر سنة 8 هـ ، بينما أُرسلت سرية ذات أطلاح بعد ذلك مباشرة في شهر ربيع الأول سنة 8 هـ .

ولم يكن إرسالها مجرد مصادفة ، ومن الواضح أن هدفها لم يكن القتال ؛ لأن عدد أفرادها لم يتجاوز خمسة عشر رجلاً ، وإنما كان غرضها استطلاعياً .



غزوة مؤتة ومواجهة الروم البيزنطيين :

ولا شك أن تزايد اهتمام الرسول صلى الله عليه وسلم بالشام يتضح من إرساله جيش مؤتة بقيادة زيد بن حارثة على رأس ثلاثة آلاف مقاتل .

وتُعدّ غزوة مؤتة أول وقعة يصطدم فيها المسلمون بالبيزنطيين مباشرة ؛ فقد كانت في جمادى الأولى سنة 8 هـ أي بعد ذات أطلاح بشهرين ، وينبغي إدراك أهمية هذه الغزوة من عدد الجيش ؛ فهذا أكبر جيش يُسيّره النبي صلى الله عليه وسلم إلى أيّة جهة كانت حتى ذلك الوقت .

كما يبدو من هذه الغزوة تصميم المسلمين على مواجهة الروم وحلفائهم من متنصِّرة العرب بالشام ، وقد كان من بين القبائل المحالفة للروم : بَهراء ، ووائل ، و بَكر ، و لخم ، و جُذام ، و بُلَيّ .

وقد وصل جيش المسلمين إلى منطقة مُعَان من بلاد الشام ، ومعنى هذا أن القبائل في الطريق من المدينة إلى مؤتة كانت موادِعة للمسلمين ، كما أن عودته إلى المدينة تدلّ بوضوح على أن الطريق إلى بلاد الشام قد أصبحت مفتوحة أمام المسلمين .

وتتجلى أهمية مؤتة باعتبارها أول معركة هامة بين المسلمين من جهة ،والروم وحلفائهم من القبائل العربية في الشام من جهة ثانية ، فيما تذكره المصادر البيزنطية والأرمنية .

وقد أفاد المسلمون دروساً وخبرة من هذا اللقاء الأول مع الروم في مستقبل جهادهم معهم ؛ حيث تعرفوا على عددهم وعُدّتهم وخططهم العسكرية ، وطبيعة الأرض التي وقع فيها القتال ويبدو أن النبي صلى الله عليه وسلم أدرك بعد مؤتة ضرورة الحذر والتريث ، ومن هنا وجّه بعد ذلك مباشرة سرية بقيادة عمرو بن العاص رضي الله عنه المعروف بحنكته وتأنّيه ، وقد وصلت هذه السرية إلى ذات السلاسل في أطراف الشام في جمادى الثانية سنة 8 هـ .

لماذا غزوة تبوك ؟

على أن أهم غزوة قادها الرسول صلى الله عليه وسلم على الإطلاق كانت غزوة تبوك ، وهي باتجاه الشام أيضاً , فمن حيث العدد بلغ الجيش حسب ما ذكرته المصادر قرابة ثلاثين ألفاً . ومن حيث المدّة استغرقت هذه الغزوة قرابة شهرين ( رجب وشعبان سنة 9 هـ ) ، منها عشرون يوماً أقامها المسلمون في راحة في تبوك نفسها .

ولكن تبقى الأسئلة الرئيسة : لماذا هذه الغزوة بهذا الحجم الكبير ؟ ولماذا تبوك بالذات ؟ وهل كان هدفها غزو الروم فعلاً ؟ ولماذا أقام النبي صلى الله عليه وسلم عشرين يوماً في تبوك نفسها ، وهي أطول مدة يقيمها جيش إسلامي في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم في موقع واحد ؟

لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم حريصاً على توجيه المسلمين إلى جبهة الشمال التي تُعدّ في غاية الأهمية بالنسبة للمسلمين لأسباب تاريخية ودينية كما أسلفنا .

يضاف إليها كون الشام موطناً لقبائل عربية كثيرة تربطها بعرب الحجاز ونجد وتهامة صلات نسب ، وعلاقات تجارية وثقافية .

ومن الناحية الاقتصادية والجغرافية تظهر أهمية تبوك في كونها واحة كبيرة على طرف الشام ، وأهم محطة وراء خيبر وتيماء وفدك ووادي القرى ، ومن الناحية الاستراتيجية ، فهي تشكّل مركزاً هاماً يمكن الاتصال منه بمراكز كثيرة في الشمال ، كما حصل فعلاً أثناء الغزوة .

الإنجازات التي حققتها غزوة تبوك :

ويبدو أن الإنجازات التي حققتها هذه الغزوة ضمن خطة النبي صلى الله عليه وسلم العامة : جمعت بين الدبلوماسية والنشاط الحربي ، فكانت تقوم بالدرجة الأولى على كسب القبائل العربية , وتأمين طرق المواصلات دعوياً وتجارياً .

وبصدد هذه السياسة سعى النبي صلى الله عليه وسلم بصورة مستمرة لكسب قبائل قُضاعة من بُلَيّ و عُذرة و بَلقين وغيرها على امتداد طريق الشام ، واتصل في هذه الغزوة بالذات ببطون وعشائر متعددة من هذه القبائل وغيرها كسعد و هُذيل وطيء .

إلا أن أهم إنجازات غزوة تبوك تتمثل في إقامة علاقات وطيدة مع عدد من المراكز الاستراتيجية في جنوب الشام , ومنها كتب الصلح ، وهي دُومة الجندل و أَيْلة و مَقْنا وأَذْرُح .

فقد بعث النبي صلى الله عليه وسلم أثناء إقامته في تبوك خالد بن الوليد إلى أُكَيْدَر بن عبد الملك صاحب دُومَة الجندل ، وكان نصرانياً فأخذه خالد أسيراً [26] فصالح المسلمين على حيازتهم للسلاح والخيل ، ولهم أشجار النخيل التي معهم في المصر ، وموارد المياه الظاهرة مثل العيون .

وفكرة نزع السلاح من مثل هذه المجموعة التي كانت على اتصال بالبيزنطيين ، ولا يطمئن المسلمون إلى ولائها تبدو مسألة طبيعية ؛ إذ كان من أهم الأهداف التي سعى النبي صلى الله عليه وسلم لتنفيذها من زحفه لتبوك ، هو تأمين حدوده الشمالية ضد أي تحركات عدوانية من قِبَل الروم أو الدويلات الخاضعة لهم على الحدود ، وقد يكون نزع السلاح إحدى الوسائل لتحقيق هذا الهدف ، علماً بأن دُومة الجندل ستصبح قاعدة هامة للانطلاق في المرحلة التالية من فتح الشام .
أما أَيْلة فهي موقع هام على ساحل البحر الأحمر مما يلي الشام في اتجاه العقبة ، وقد كاتب النبي صلى الله عليه وسلم أهل أيلة يدعوهم إلى قبول الإسلام أو دفع الجزية ، فجاءه ملك أيلة يوحنا بن رؤبة متحدثاً باسم بلدته أيلة ، فكتب له الرسول صلى الله عليه وسلم كتاب الصلح ؛ يدفع بموجبه أهل أيلة الجزية ، ويتعهد لهم المسلمون بالحماية .

وفي هذا إشارة واضحة إلى أن المسلمين هم سادة الموقف في المنطقة الممتدة حتى خليج العقبة .

ويظهر من كتاب الصلح مع أيلة التركيز على النواحي الدعوية : « فإني رسول الله بالحق » والاستراتيجية : « فإن أردتم أن يأمن البحر والبحر ، فأطع الله ورسوله » ، والاقتصادية : « ورسل رسوله أكرمهم واكسهم كسوة حسنة » .

وللإشارة فإن موقف الرسول صلى الله عليه وسلم كان يتسم بالحلم والمعاملة الحرة الكريمة ، حتى يمكن وصف صلحه مع أيلة بأنه تحرير لها : « ويمنع عنكم كل حق كان للعرب والعجم إلا حق الله وحق رسوله » .

كما أن قول الرسول صلى الله عليه وسلم ليوحنا بن رؤبة عندما انحنى له هذا الأخير : « ارفع رأسك » ، لهو قول ذو دلالة بالغة من الناحية الدينية ، ولا شك أن ذلك كان له أثر في نفوس نصارى العرب في الشام ، وفي موقفهم من العرب المسلمين فيما بعد إبّان الفتوح .

أثر الخطة النبوية في فتح بلاد الشام :

ويتضح من شروط الصلح مع هذه المراكز وغيرها مثل أَذْرح ومَقْنا الحرص على الحصول على السلاح والكُراع والمال والعون فيما يتعلق بالمواصلات والأخبار ، وتأمين طرق المواصلات للمسلمين ، وكل هذه الأمور هامة لمستقبل فتح الشام .

وستتضح عناصر هذه الخطة في الغزوات التالية ؛ ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن نظم شؤون المسلمين في شبه الجزيرة العربية ، ورتّب أعمال الصدقات ، وأوضح للناس أمور دينهم في حجة الوداع ، وجّه همّه بعد ذلك إلى إرسال جيش كبير إلى الشام مرة أخرى ، وهو الجيش المعروف بجيش أسامة .

وليس من قبيل المصادفة أن يصر النبي صلى الله عليه وسلم على إنفاذ جيش أسامة وهو على فراش الموت ، وأن أبا بكر رضي الله عنه لم يخالجه أدنى شك في وجوب إنفاذ ذلك الجيش إلى الشام رغم الأخطار التي سببتها ردّة بعض القبائل العربية .
ومرجع ذلك أن جيش أسامة ما هو إلا حلقة في سلسلة من الغزوات والسرايا الموجهة إلى الشام نتيجة خطّة بعيدة المدى قائمة على فهم عميق للظروف الراهنة ، سواء أكانت إقليمية ( قبلية ) أو دولية ( بيزنطية ) .

ومن المعلوم أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان قد كتب إلى ملوك وأمراء عصره ، ومنهم هرقل ملك الروم الذي راسله مرتين ؛ المرة الأولى بعد الحديبية ، والثانية أثناء مقامه بتبوك .

ويشير المؤرخ سيبيوس الأرمني الذي عاش في النصف الأول من القرن الأول الهجري / السابع الميلادي إلى مراسلة الرسول صلى الله عليه وسلم لهرقل ، ويضيف أن محمداً صلى الله عليه وسلم وأصحابه طلبوا من الروم التخلي عن أراضي العرب وميراث أبيهم إبراهيم عليه الصلاة والسلام بالشام .

ولا شك أن حادثة مؤتة تركت صداها عند البيزنطيين ؛ حيث شعروا بقوة المسلمين فعلاً منذ تلك الوقعة ، ومنذ غزوة تبوك بالذات وبعث أسامة رضي الله عنه ، وليس منذ أيام أبي بكر رضي الله عنه فقط , وأنهم اعتبروا أن فتح الشام قد بدأ فعلاً أيام الرسول صلى الله عليه وسلم .
وهذا ما تؤيده الدراسة المتأنية للمصادر الإسلامية ، ولخطط الرسول صلى الله عليه وسلم تجاه الشام بشكل عام ، مما ينبئ أن فتح الشام لم يبدأ مصادفة في عهد أبي بكر رضي الله عنه ، وإنما بدأ منذ أيام النبي صلى الله عليه وسلم ، واكتمل بعد ذلك في عهد أبي بكر وعمر رضي الله عنهما .

وبهذا يتقرر أنّ ما تربى عليه المسلمون من عالمية هذا الدين منذ العهد المكي ، لم يكن مجرد فكرة ، وإنما هو من سمات هذه الدعوة وخصائصها ، لا بد من تحقيقها على أرض الواقع ، ولم يلتحق الرسول صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى حتى كان العرب جميعاً قد دانوا بالإسلام ، وحتى وضعت الدعوة خطوات ثابتة ومدروسة في طريق التبليغ العالمي .

 

 

من مواضيع mesoo في المنتدى

mesoo غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس

قديم 02-10-2011, 09:29 PM   #17
آخشآكـ يآ قدريـ
 
الصورة الرمزية mesoo
 
تاريخ التسجيل: Aug 2010
الدولة: فلسطين
المشاركات: 6,559
mesoo is on a distinguished road
افتراضي



تطور الخيانة اليهودية في عصر النبوة
نزح اليهودمن بلاد الشام إلى مهاجر نبي آخر الزمان ؛ انتظارا لقدومه ، كما تخبرهم التوراةالتي حرفوا الكثير منها ، وكانوا يستفتحون على قبيلتي الأوس والخزرج بمجيء نبي آخرالزمان الذي سيتبعونه ، ويقاتلون به كل من يقف ضدهم ، وكانت تصوراتهم أنه لابد أنيكون هذا النبي من نسل يعقوبعليه السلام، بحجة أنه الدم الخالص الذي لم يختلطبدماء أخرى ، وليس مثل دم إسماعيلعليه السلام الذي اختلط بدماء الجراهمة العرب ..
فلما جاء النبي الخاتم من نسل إسماعيل عليه السلامكفروا به ، فلعنة الله علىالكافرين ، ولن نخوض في هذه القضية إلا بالقدر اليسير الذي نؤكد به أن اختلاطالدماء يعطي إشارة إلى عدم الأنانية ، وعدم العنصرية ، بل يشير إلى العالمية التي تمتع بها الدين الإسلامي الحنيف.
لقد بدأت الخيانة اليهودية للإسلام ورسولهالكريمصلى الله عليه وسلممنذ أول لحظة وطئت فيها قدميه الشريفتين أرض ( يثرب ) المدينةالمنورة بقدوم الحبيب صلى الله عليه وسلم إليها ، وتتمثل هذه الخيانة في موقف حييبن أخطب الذي ترويه ابنته صفية التي أصبحت فيما بعد أم المؤمنين رضي الله عنها قالت : " كنت أحب ولد أبي إليه وإلى عمي أبي ياسر ، لم ألقهما قط مع ولد لهما إلا أخذاني دونه ..



فلما قدم رسول اللهصلى الله عليه وسلمالمدينة ، ونزل قباء في بني عمرو بن عوف غداعليه أبي " حيي بن أخطب " وعمي " أبو ياسر بن أخطب " مغلسين ، فلم يرجعا حتى كانا معغروب الشمس ، فأتيا كالين كسلانين ساقطين ، يمشيان الهوينى ، فهششت إليهما كماكنت أصنع ، فوالله ما التفت إلي واحد منهما ، مع ما بهما من الغم ، وسمعت عمي أباياسر وهو يقول لأبي " حيي بن أخطب " أهو هو؟ قال : نعم والله !! قال : أتعرفه وتثبته ؟ قال: نعم ، قال : فما في نفسك منه ؟ قال : عداوته والله ما بقيت.


ويعلق ابن إسحاق علىشخصية حيي بن أخطب وأخيه أبي ياسر فيقول : "وكان حيي بن أخطب وأخوه أبو ياسر بنأخطب من أشد يهود للعرب حسدا ، إذ خصهم الله تعالى برسوله صلى الله عليه وسلم ، وكاناجاهدين في رد الناس بما استطاعا ، فأنزل الله تعالى فيهما " ود كثير من أهل الكتاب لويردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فاعفواواصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن الله على كل شيء قدير" .
هذه العداوة التي تكمنفي قلب يهود ، ويمثلهم سيدهم حيي بن أخطب كانت بداية الخيانة اليهودية ، منذ أول لحظةلوصول القائد إلى المدينة المنورة ، ولهذا لم تفلح معهم كل محاولات السلم والرحمةوالعهود التي أبرمها معهم نبي الرحمة محمدصلى الله عليه وسلم .
واستمر مسلسل الخيانةبعد أن أبرم النبي الكريم صلى الله عليه وسلمعهدا أعطاهم فيه كامل الحرية الدينية ،وعدهم ضمن رعايا الدولة الجديدة ، لهم الحماية مثل غيرهم ، وطالبهم بحماية المدينة، كعناصر سكنتها ، ووضع بينهم وبين المسلمين المواثيق التي تضمن لهم حقوقهم ، ومعذلك بدأت سلسلة الغدر اليهودي الفاجر.
ولنبدأ بيهود بني قينقاع ؛لأنهم أول من خان وغدر ، ونقض العهد وفجر ، فقد كانوا يسكنون وسط المدينة المنورة ،ولهم سوق يتاجرون فيه بالسلاح والذهب ، وهما عدة اليهود دائما ، فالسلاح ليكون أداةتدمير الرجال ، والذهب لإغراء النساء ، ولعلك ـ أخي القارئ ـ تقرأ من بين السطور ماأريد الوصول إليه.


ففي السنة الثانية من الهجرة ، عقب عودة الرسولصلى الله عليه وسلممن غزوة بدر الكبرى التي عرفت بيوم الفرقان ، والتي وافقت شهر رمضانالمبارك ، وانتصر فيها المسلمون انتصارا ساحقا على مشركي قريش ، جمع رسول اللهصلى الله عليه وسلميهود بني قينقاع في سوقهم ، ثم قال : " يا معشر يهود ، احذروا منالله مثل ما نزل بقريش من النقمة ، وأسلموا ، فإنكم قد عرفتم أني نبي مرسل ، تجدونذلك في كتابكم ، وعهد الله إليكم !.
قالوا : يا محمد ، إنك ترى أنا كقومك ! لايغرنك أنك لقيت قوما لا علم لهم بالحرب ، فأصبت منهم فرصة ، إنا والله لئن حاربناكلتعلمن أنا نحن الناس ، وهذا يشير إلى أنهم يعلنون حربا على الإسلام والمسلمين ،ويظهرون الحقد ، ويستهينون بانتصار المسلمين ، ويسخرون من قوتهم ، ويطالبون بلا خجلمناجزة المسلمين ، ويستفزونهم على المواجهة ، ولذلك قال ابن عباس رضي الله عنهما : ما أنزل هؤلاء الآيات إلا فيهم : " قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئسالمهاد قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهممثليهم رأي العين والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار"(سورة آل : عمران 12 ، 13)
ومع ذلك حفظ رسول الله صلى الله عليه وسلمموقفهم هذاوتركهم ، حتى لا يدخل في مواجهة معهم ما دام ما نطقوا بهم مجرد قول ساخر ، لم يرق إلىدرجة الفعل ، فكظم النبي صلى الله عليه وسلمالذي وهبه الله سعة صدر وصبر وحلم كبير ، كظم غيظه ، وسكتعنهم ، غير أن بني قينقاع لم يقفوا عند هذا الحد ، بل تجاوزوه إلى فعل شنيع ، وهوالسخرية من امرأة عربية مسلمة ، كانت قد " قدمت بجلب لها فباعته بسوق قينقاع ،وجلست إلى صائغ بها، فجعلوا يريدونها على كشف وجهها ، فأبت ، فعمد الصائغ إلى طرفثوبها فعقده إلى ظهرها ..
فلما قامت انكشفت سوءتها ، فضحكوا بها فصاحت ، فوثب رجلمن المسلمين على الصائغ فقتله، وكان يهوديا ، فشدت اليهود على المسلم فقتلوه،فاستصرخ أهل المسلم المسلمين على اليهود ، فأغضب المسلمون ، فوقع الشر بينهم وبين بنيقينقاع ، فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلمحتى نزلوا على حكمه ، فقام إليه عبد الله بن أبي بن سلولحين أمكنه الله منهم فقال : يا محمد أحسن في موالي ، وكانوا حلفاء الخزرج ، فأبطأ عليهرسول الله صلى الله عليه وسلمفقال : يا محمد أحسن في موالي ، فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلمفأدخل يدهفي جيب درع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له : أرسلني ، وغضب حتىرأوا لوجهه ظللا ثم قال : ويحك أرسلني !! قال : لا والله لا أرسلك حتى تحسن في موالي ، أربعمائة حاسر وثلاثمائة دارع قد منعوني من الأحمر والأسود تحصدهم في غداةواحدة ! إني والله امرؤ أخشى الدوائر !! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هم لك . .
ولماحاربت بنو قينقاع تشبث عبد الله بن أبي بأمرهم ، وقام دونهم فمشى عبادة بنالصامت ، وكان أحد بني عوف ، لهم من حلفه مثل الذي لهم من عبد الله بن أبي إلى رسولالله ، فخلعهم إليه ، وتبرأ إلى الله وإلى رسوله من حلفهم ، وقال : يا رسول الله !! أتولى اللهورسوله والمؤمنين ، وأبرأ من حلف هؤلاء الكفار وولايتهم ، ففيه وفي عبد الله بن أبينزلت هذه القصة من المائدة " يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياءبعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين فترىالذين في قلوبهم مرض " يريد عبد الله بن أبي " يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنادائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهمنادمين " إلى قوله " إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاةويؤتون الزكاة وهم راكعون " ..
وذلك لتولي عبادة بن الصامت الله ورسوله والذين آمنوا، وتبرئه من بني قينقاع وحلفهم وولايتهم "ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإنحزب الله هم الغالبون " (المائدة 51 : 52).
وخلاصة موقف بني قينقاع أنهم بدأوابالاستهانة بالمسلمين ، واستفزازهم ، ثم اعتدوا على عرض امرأة مسلمة ، فكان عقابهمالجلاء ما داموا قد خانوا عهدهم الذي أخذوه على أنفسهم مع رسول الله صلى الله عليهوسلم حين دخل المدينة.


ثم تطورت الخيانةوالغدر اليهودي من الاستهزاء وهتكالأعراض ، إلى أمر أكثر خطورة ، وهو التهجم على قائد الأمة كلها حيثقرر يهود بني النضير قتل رسول اللهصلى الله عليه وسلم، وفضح الله تعالى أمرهم ، وأجلاهم عن المدينة ، ونزلت فيهم سورة الحشر.
وفي تطور أشد وأنكى من سابقه ، قام يهودبني قريظة بنقض عهدهم مع رسول اللهصلى الله عليه وسلم، وقرروا فتح ثغرة للمشركين الذينتحزبوا واجتمعوا على مشارف المدينة ، وقد حجزهم الخندق ، فلم يتمكنوا من دخولالمدينة والإغارة على المسلمين ..
وكان غرض يهود بني قريظة الذين عاهدوا رسول اللهصلى الله عليه وسلمعلى حماية المدينة ، أن يستأصلوا شأفة المسلمين ، وذلك بفتح طريقللمشركين من جانبهم ، يتوجه المشركون من خلاله إلى نساء المسلمين وأطفالهم وعجائزهم، فيقتلونهم ، ثم ينقلبون بعدها إلى قتال المسلمين المرابطين عند الخندق ، يضربونهم من ظهورهم ، وبهذا يتمكنون من التخلص من جميع المسلمين ، ومعهم الرسولصلى الله عليه وسلمفي وقت واحد ..

وقد خاب ظنهم ، وبطل سعيهم ، وخذلهم الله تعالى بمسلمواحد هو نعيم بن مسعودالذي استطاع بمفرده أن يوقع بين يهود وبينالمشركين ، ويفسد عليهم خطتهم الماكرة " ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين ."

وقد كان حكم الله العدل فيهم الذي نطق به سعد بن معاذ رضي الله عنه أن تقتلمقاتلتهم وتسبى ذراريرهم ونساؤهم ، وهذا الحكم أرفق بكثير من حكمهم الذي كانوا قدأبرموه ضد المسلمين ، وهو منتهى العدل ، مع كمال الرحمة . .

ولما لم تفلح كلمحاولات الخيانة والغدر التي قرر يهود أن يقترفوها بأيديهم استخدموا أسلوبا آخر ،ضلع فيه يهود خيبر ، وهو التحريض ضد المسلمين ، فقد حرض يهود خيبر المشركين ضدالمسلمين ، وحسنوا لهم ضرورة مواجهة الرسول صلى الله عليه وسلموالقضاء عليه وعلى دعوته ،وزاد من تجبرهم ، ادعاؤهم الكاذب بأن دين المشركين خير من دين الإسلام ، وكتمواالحق وهم يعلمون ، ومن عجيب أن كبير يهود خيبر (حيي بن أخطب) كان يتولى كبر هذهالفرية ، وهو يدرك يقينا أن دين الإسلام هو الدين الحق ، وأن نبي الإسلام هو النبيالحق ، ومع ذلك ادعى أن عبادة الأصنام أفضل ، وهذا يؤكد مقولته التي صدرنا بها هذاالحديث : "عداوته والله ما بقيت".
ولكن كلمة الله هي العليا ، فمهما ارتفعالباطل فلابد أن يقع ، ويبقى الحق خفاقة أعلامه ، مرتفعة رايته ، ويرجع الباطلمنكسة أعلامه ، مخذولا أدعياؤه ، ولذلك كان قدر الله تعالى أن يدخل المسلمون خيبرفاتحين لها ، ويرتفع النداء الإلهي االخالد : الله أكبر الله أكبر ، لا إله إلاالله ، وترفع راية الإسلام في جزيرة العرب ، ويعلن النداء النبوي الكريم : " لايجتمع في جزيرة العرب دينان"

ونحن اليوم نرى بأم أعيننا تطور الخيانةاليهودية ، وتشكل صورها ، فقد بدأت بإغراء الفلسطينيين بالمال والذهب ؛ ليخرجوهم منأراضيهم ، فدافعوا دون عرضهم وأرضهم ، فانتقل يهود إلى سياسة الطرد والتشريد ، ثمإلى القتل والتعذيب ، ثم إلى محاول استئصال تام ، دون رحمة أو شفقة على الأبرياء ،وما مقتل محمد الدرة وأقرانه منا ببعيد ، وما قتل النساء والشيوخ الزمنى والشبابالذين في ريعان شبابهم بخاف عنا ، وكل هذا على مرأى ومسمع من عالم يظن أنه متحضر ،ويرعى حقوق الإنسان ، ويتشدق بالديمقراطية ، ويحسب لقتل هرة ألف حساب ، ولا يعنيه سحقالمسلمين في فلسطين في شيء ، فالدم الإسلامي في نظرهم أقل من دم هرة صدمتها سيارة ،وتزداد ضراوة الخيانة والغدر حين يعلن يهود بعد قتل الأبرياء أن هؤلاء المساكينكانوا يريدون الوقوف أمام حقوقهم ، ويرهبونهم ، ويضايقونهم.

فأين دعاة الرحمة، وحماة العدل ، وأدعياء السلام ، ورفقاء الطريق ، ورعاة حقوق الإنسان ، وحماةالفضيلة ، والسعاة إلى عالم لايعرف الشر فيه مكانا في ظل عولمة لا معنى لها ولاضمير !!!!!!!.

ومع هذا أقول : والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لايعلمون ،وسيأتي فجر جديد يندحر فيه الباطل وأهله ، ويعلو صوت الحق ، وتعود الدنيا صالحةتحكم بمنهاج النبوة ، ويسودها العدل والخير والسلام ، فمتى سيكون ذلك ؟؟ قل عسى أنيكون قريبا
دروس وعبر من موقف اليهود من المسلمين:

من أبرز الدروس منجلاء بني قينقاع :

ـ أن عداوة اليهود لأديان غيرهم وفي مقدمتها الإسلام مستمرة ، فإنأمكنت الفرصة وثبوا .

ـ وأن تطهير الداخل من الخونة ، وتأمين الظهر مقدم على حرب العدوالخارجي الواضح .

ـ وأن صدق الإيمان يحتم التبرئ من حليف خان الله ورسوله ، وتولي اللهورسوله والاعتزاز بذلك ، كعبادة بن الصامت الذي نزلت فيه " ومن يتولى الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون" .

أما العبر التي يمكن أخذها من غزوةبني النضير : فأولها أنه على الباغي تدور الدوائر ، فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ، وعاقبة الغدر وخيمة ، وأن الصداقة بين الكفار ظاهرة ، وكل يبغي مصالح فردية "تحسبهمجميعاً وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون."

-لا يجوز تمكين العدو فيانسحابه من استصحاب سلاحه كسراً لشوكته.

أما الفوائد التي بمكن تحصيلها منغزوة بني قريظة فمنها :

ـ أن خيانة الوطن جزاؤها القتل سريعاً . وأن ترك الحزم ساعةالحرج ضياع كما حدث من تخاذل بني قريظة إزاء عرض زعيمهم كعب بن أسد . ـ أما أبرزالدروس من خيبر فهي : أن أثرة اليهود وحرصهم على مصالحهم الذاتية تجعلهم ينتهزونالفرص لنقض العهود دون حياء أو خجل.

ـ وأنه لا يجوز العبث بالوثائق والكتب التي تحصلفي يد المسلمين ، ولو كانت لأعدائهم .

ـ كما لا يجوز إمهال العدو بلا عقوبة عند التمكن؛ لئلا يستشرى خطره وتزول مهابة المسلمين في نظر من يهابونهم .

ـ وأن الاستهانة بالمعصيةمهما كانت تافهة تهلك صاحبها ، نظراً لعظمة المُعصى سبحانه وتعالى ، ونية السوء واحدة، بغض النظر عن مظاهرها

 

 

من مواضيع mesoo في المنتدى

mesoo غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس

قديم 02-10-2011, 09:32 PM   #18
آخشآكـ يآ قدريـ
 
الصورة الرمزية mesoo
 
تاريخ التسجيل: Aug 2010
الدولة: فلسطين
المشاركات: 6,559
mesoo is on a distinguished road
افتراضي



دستور المدينة.. مفخرة الحضارة الإسلامية
فور هجرة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى المدينة المنورة كتب دستورًا تاريخيًا، وقد أطنب فيه المؤرخون والمستشرقون على مدار التاريخ الإسلامي، واعتبره الكثيرون مفخرة من مفاخر الحضارة الإسلامية، ومَعلَمًا من معالم مجدها السياسي والإنساني..
إن هذا الدستور يهدف بالأساس إلى تنظيم العلاقة بين جميع طوائف وجماعات المدينة، وعلى رأسها المهاجرين والأنصار والفصائل اليهودية وغيرهم، يتصدى بمقتضاه المسلمون واليهود وجميع الفصائل لأي عدوان خارجي على المدينة..

وبإبرام هذا الدستور –وإقرار جميع الفصائل بما فيه- صارت المدينة دولة وفاقية رئيسها الرسول-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وصارت المرجعية العليا للشريعة الإسلامية، وصارت جميع الحقوق الإنسانية مكفولة، كحق حرية الاعتقاد وممارسة الشعائر، والمساواة والعدل..
يقول المستشرق الروماني جيورجيو: "حوى هذا الدستور اثنين وخمسين بندا، كلها من رأي رسول الله. خمسة وعشرون منها خاصة بأمور المسلمين، وسبعة وعشرون مرتبطة بالعلاقة بين المسلمين وأصحاب الأديان الأخرى، ولاسيما اليهود وعبدة الأوثان.



وقد دُون هذا الدستور بشكل يسمح لأصحاب الأديان الأخرى بالعيش مع المسلمين بحرية، ولهم أن يقيموا شعائرهم حسب رغبتهم، ومن غير أن يتضايق أحد الفرقاء. وضع هذا الدستور في السنة الأولى للهجرة، أي عام 623م. ولكن في حال مهاجمة المدينة من قبل عدو عليهم أن يتحدوا لمجابهته وطرده".
ومن ثم تعالوا نقف وقفات سريعة على أهم معالم القيم الحضارية التي نراها جلية في هذا الدستور:
أولاً: الأمة الإسلامية فوق القبلية:
قال الدستور في ذلك: "إنهم [أي الشعب المسلم] أمة واحدة من دون الناس".
وبهذا البند اندمج المسلمون على اختلاف قبائلهم وأنسابهم إلى جماعة الإسلام، فالانتماء للإسلام فوق الانتماء للقبيلة أو العائلة، وبهذا نقل رسول الله العرب من مستوى القبيلة إلى مستوى الأمة.


ثانيًا: التكافل الاجتماعي بين فصائل الشعب:
وفي هذه القيمة كُتبت البنود التالية:
"المهاجرون من قريش على ربعتهم يتعاقلون بينهم وهم يفدون عانيهم بالمعروف والقسط بين المؤمنين".
"وبنو عوف على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين".
"وبنو سَاعِدَةَ على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف، والقسط بين المؤمنين...
"وبنو جُشَمٍ على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف، والقسط بين المؤمنين..


"بنو النبيت على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف، والقسط بين المؤمنين..
"وَبَنُو الْأَوْسِ عَلَى رِبْعَتِهِمْ يَتَعَاقَلُونَ مَعَاقِلَهُمْ الْأُولَى ، وَكُلّ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ تَفْدِي عَانِيَهَا بِالْمَعْرُوفِ وَالْقِسْطِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ ..
"وَإِنّ الْمُؤْمِنِينَ لَا يَتْرُكُونَ مُفْرَحًا بَيْنَهُمْ أَنْ يُعْطُوهُ بِالْمَعْرُوفِ فِي فِدَاءٍ أَوْ عَقْلٍ".


ثالثاً: ردع الخائنين للعهود :
وفي هذا الحق كُتب البند التالي:
"وإن المؤمنين المتقين (أيديهم) على (كل) من بغى منهم أو ابتغى دسيعة ظلم أو إثما أو عدوانا أو فسادا بين المؤمنين، وإن أيديهم عليه جميعا، ولو كان ولد أحدهم".
وهذا نص في جواز حمل السلاح على أي فصيل من فصائل المدينة إذا اعتدى على المسلمين..
وبموجب هذا النص حُكم بالإعدام على مجرمي قريظة – بعد معركة الأحزاب (في ذي القعدة 5 هـ/إبريل 627 م ) - ، لما تحالفوا مع جيوش الأحزاب الغازية للمدينة، وبغوا وخانوا بقية الفصائل، على الرغم من أنهم أبناء وطن واحد!


رابعا: احترام أمان المسلم:
وجاء في هذا الأصل الأخلاقي البند التالي:"وإن ذمة الله واحدة، يجير عليهم أدناهم، وإن المؤمنين بعضهم موالي بعض دون الناس." ..
فلأي مسلم الحق في منح الأمان لأي إنسان، ومن ثم يجب على جميع أفراد الدولة أن تحترم هذا الأمان، وأن تجير من أجار المسلمُ، ولو كان المجير أحقرهم.
فيُجير على المسلمين أدناهم، بما في ذلك النساء، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لأم هانئ: " أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمّ هَانِئٍ ".


خامسا: حماية أهل الذمة والأقليات غير الإسلامية:
وجاء في هذا الأصل:"وإنه من تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة، غير مظلومين ولا متناصر عليهم".
وهو أصل أصيل في رعاية أهل الذمة، والمعاهدين، أو الأقليات غير الإسلامية التي تخضع لسيادة الدولة وسلطان المسلمين .. فلهم –إذا خضعوا للدولة– حق النصرة على من رامهم أو اعتدى عليهم بغير حق سواء من المسلمين أو من غير المسلمين، من داخل الدولة أو من خارجها..


سادسا: الأمن الاجتماعي وضمان الديات:
وجاء في هذا الأصل: "وإنه من اعتبطمؤمنا قتلا عن بينة فإنه قود به إلا أن يرضى ولي المقتول (بالعقل)، وإن المؤمنين عليه كافة، ولا يحل لهم إلا قيام عليه".
وبهذا أقر الدستور الأمن الاجتماعي، وضمنه بضمان الديات لأهل القتيل، وفي ذلك إبطال لعادة الثأر الجاهلية، وبين النص أن على المسلمين أن يكونوا جميعًا ضد المعتدي الظالم حتى يحكم عليه بحكم الشريعة..
"ولا شك أن تطبيق هذا الحكم ينتج عنه استتباب الأمن في المجتمع الإسلامي منذ أن طبق المسلمون هذا الحكم".


سابعا: المرجعية في الحكم إلى الشريعة الإسلامية:
وجاء في هذا الأصل:"وإنكم مهما اختلفتم فيه من شيء فإن مرده إلى الله –عز وجل- وإلى محمد...
"وإنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده فإن مردَّه إلى الله، وإلى محمد رسول الله، وإن الله على أتقى ما في هذه الصحيفة وأبره".


ثامنا: حرية الاعتقاد وممارسة الشعائر مكفولة لكل فصائل الشعب:
وجاء في هذا الأصل: "وإن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم، ومواليهم وأنفسهم إلا من ظلم نفسه وأَثِم فإنه لا يوتغ إلا نفسه وأهل بيته" .


تاسعا: الدعم المالي للدفاع عن الدولة مسؤلية الجميع:
وجاء في هذا الأصل: "وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين".
فعلى كل الفصائل بما فيها اليهود أن يدعموا الجيش ماليًا وبالعدة والعتاد من أجل الدفاع عن الدولة، فكما أن المدينة وطن لكل الفصائل، كان على هذه الفصائل أن تشترك جميعها في تحمل جميع الأعباء المالية للحرب.


عاشرا: الاستقلال المالي لكل طائفة:
وجاء في هذا الأصل: "وإن على اليهود نفقتهم، وعلى المسلمين نفقتهم".
فمع وجوب التعاون المالي بين جميع طوائف الدولة لرد أي عدوان خارجي، فإن لكل طائفة استقلالها المالي عن غيرها من الطوائف.


الحادي عشر: وجوب الدفاع المشترك ضد أي عدوان :
وجاء في هذا الأصل : "وإن بينهم النصر على من دهم يثرب ".
"وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة".
وفي هذا النص دليل صريح على وجوب الدفاع المشترك، ضد أي عدوان على مبادئ هذه الوثيقة.


الثاني عشر: النصح والبر بين المسلمين وأهل الكتاب:
وجاء في هذا الأصل: "وإن بينهم النصح والنصيحة والبر دون الإثم".
فالأصل في العلاقة بين جميع طوائف الدولة –مهما اختلفت معتقداتهم– هو النصح المتبادل، والنصيحة التي تنفع البلاد والعباد، والبر والخير والصلة بين هذه الطوائف.
وقد اشتمل الدستور على قيم حضارية أخرى منها:


الثالث عشر: حرية كل فصيل في عقد الأحلاف التي لا تضر الدولة:
وجاء في هذا الأصل: "وإنه لا يأثم امرؤ بحليفه".


الرابع عشر: ووجوب نصرة المظلوم:
وجاء في هذا الأصل : "وإن النصر للمظلوم."


الخامس عشر: وحق الأمن لكل مواطن:
"إنه من خرج آمن ومن قعد آمن بالمدينة، إلا من ظلم وأثم، وإن الله جار لمن بر واتقى، ومحمد رسول".
هذه بعض معالم الحضارة الإسلامية في دستور المدينة، تبين لك – كما رأيت – كيف سبق النظامُ الإسلامي جميع الأنظمة في إعلاء قيم التسامح والتكافل والحرية ونصرة المظلوم .. وغيرها من القيم الحضارية التي يتغنى بها العالم في الوقت الراهن دون تفعيل جاد أو تطبيق فاعل.

 

 

من مواضيع mesoo في المنتدى

mesoo غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس

قديم 02-10-2011, 09:35 PM   #19
آخشآكـ يآ قدريـ
 
الصورة الرمزية mesoo
 
تاريخ التسجيل: Aug 2010
الدولة: فلسطين
المشاركات: 6,559
mesoo is on a distinguished road
افتراضي





﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (الأحزاب: 21 ).


الحمد لله العليم الحكيم، نحمدك اللهم أعظم الحمد على ما هديتنا به من إيمان صادق، ونبي بالحكمة ناطق، هديت به الأمة، وكشفت به الغمة، ومحَوت به الظلمة.


فاق الورى بكمالــــــه * سبق الورى بجماله


عظــمت جميع خصاله * صلوا عليه وآلـــــه


وأشهد أن لا اله إلا الله، وحده لا شريك له، أنقذنا بالإسلاممن كل كرْبٍ وضيق وهدانا بالنبي محمد إلى أعظم طريق، صلِّ اللهم على هذا النبيالتقي النقي، صلاةً تليق بجودك العظيم، وبمقامه الكريم فقد فضَّلته على سائرالنبيين، فاللهم ارض عنَّا بالصلاة عليه ، واجعلنا من خير الواصلينإليه.

موضوعنا هو (جوانب من العظمة في حياة الرسول القدوة) ولاشكَّ أننا في حاجة ماسَّة لمدارسة هذا الموضوع من حياة الرسول، وأننا في حياتنا لابد لنا أن نتمثَّل هذه العظمة لنقتدي به صلى الله عليه وسلم.

الواقع أن قلوبنا تمتلئ روعةً كلما تلونا قول الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌلِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (21) (الأحزاب) ومن هنا نطرح سؤالاً:

ما شروط القدوة الحسنة؟
هناك شروط لا بد من توافرها فيمن نتخذه قدوةوهي:

1 ـأن يحمل الأخلاق الفاضلة العالية التي تؤهلهلذلك.


2ـ أن يمكن تمثل جميع الطبقات به؛ بحيث لا تعجز طبقة منطبقات المجتمع عن وجود الأسوة فيه.


3ـ أن يكون هذا الشخص يملك منهاجًا صالحًا موفقًا يستطيع أنيأخذ بيد من يقتدي به إلى سبل الخير والرشاد.


وقد اجتمعت وتحققت هذه الشروط في حياة رسول اللهوشخصه.

الشرط الأول :

فحدث ولا حرج، فالحبيب محمد- صلى الله عليه وسلم- جمع مكارمالأخلاق كلها، وقال فيما يحفظ كل منا "إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق".. ربنا عزوجل يمدحه- صلى الله عليه وسلم- بمدح لم يصل إليه أحدٌ في الأرض من قبل ولا من بعدفيقول﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾(القلم : 4 ) .


سيدي يا رسول الله، مهما قال القائلون فلن يبلغوا فيك قولربك: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4)(القلم: 4)الخلق العظيم شيمة الحبيب محمد- صلى الله عليه وسلم- ولهذا وصفه كل من رآه بمجامعالأخلاق الحميدة، حتى وصفه الأعداء بما وصفه به الأصدقاء قديمًا أوحديثًا.

الشرط الثاني :

أن يكون هذا الشخص الذي يُقتدى به محلاًّ لأن يقتدي بهالناس، وهذا هو السر في الآية الكريمة﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيرَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾)الأحزاب من الآية 21)؛ حيث نجد هنا أنالأسوة قيِّدت بالوصف، وعندما تُقيد الكلمة بالوصف يُدل هذا على زيادة في المعنى،شمول القدوة لكل الناس وفي كل الأحوال، وقد قال العلماء هنا: إن كلمة "حسنةً" معناها أنكم يا أيها الناس تستطيعون أن تقتدوا برسولكم في كل أحوالكم وعلى اختلافطبقاتكم، فالكل يجد قدوته في رسول الله قائدًا سياسيًّا محنكًا يعرف كيف يُدير شئونأمته وكيف يخاطب الملوك، وكيف يتعامل مع الأعداء، وكيف تكون سياسته سياسةً راشدةً،تدفع بالأمة إلى الهداية والنصر والتمكين.


نعم كان رسول الله قائدًا سياسيًّا محنكًا يعطي القدوةَالطيبةَ لكل حاكم تجده يبعث السفراء إلى ملوك العالم يخاطبهم فيها بلغة دبلوماسية،يخاطب الملوك على أقدارهم ويدعوهم منها إلى الإسلام بطريقة تناسب مكانتهم ويأخذبأيديهم إلى طريق الله بالكلام الموجز الدقيق.


أين قوَّاد الأمة اليوم من تمثل شخصية الرسول؟!


أين مخاطبتهم لرؤساء العالم ودعوتهم إلىالإسلام؟!

إنك تجد الإسلام آخر اهتماماتهم، بل قد يسيء بعضهم بمواقفهإلى الإسلام حين يقف بموقف المتخاذل ، ويرضى الدنية في دينه ودنياه.

تأسَّى الخلفاء الراشدون برسول الله- صلى الله عليه وسلم- انظر كيف تمثل الخلفاء الراشدون ومن بعدهم شخصية الرسول السياسية، وخاطبوا الدنياكلها ، وتعاملوا مع الناس بالسياسة الشرعية الحكيمة؛ لذا ترى الدنيا كلها تدين لدولةالإسلام العظيمة وتعرف قدر الإسلام.


وسنأخذ مثالاً واحدًا لنرى عزة الخلفاء حينما تمثَّلوا شخصيةالحبيب- صلى الله عليه وسلم-: لقد أرسل ملك الروم خطابًا شديد اللهجة يمتلئبالتهديد والوعيد لعبد الملك بن مروان خليفة المسلمين، والسبب في ذلك أن عبد الملكأرسل خطابًا لملك الروم كتب في أوله (لا اله إلا الله محمد رسول الله) فغضب ملكالروم غضبًا شديدًا ، وأرسل خطابًا لعبد الملك بن مروان وقال له: يا خليفة المسلمينتكتب في أول خطابك لا اله إلا الله محمد رسول الله؟ لأنْ عدت إليها لنفعلن ولنفعلنولننقشن على الدنانير التي في أيديكم سبًّا لنبيكم.

المسلمون في ذلك الوقت لم يكن لهم دينار يتعاملون بهويتعاملون بالدينار الرومي، وامتلأ عبد الملك همًّا وغمًّا، وجمع علماء المسلمينوأهل الشورى الذين تم اختيارهم بالحرية الكاملة وعلى أساس الفضل والعلم ، وليسوا منأصحاب العقول المثقوبة والأكفّ العريضة التي لا تصلح إلا للتصفيق، والبطون التيامتلأت من حرام ، وأكلت قوت الشعب كانوا يختارون على أساس صحيح لذلك سعدت بهمشعوبهم.

عرض عبد الملك الأمر على العلماء وأهل الشورى فقالوا: لاتغتمَّ يا أمير المؤمنين.. أعطنا شهرًا واحدًا، وسوف نجمع العمال وأهل الاختصاص، ونقيم المعامل لنصكَّ أول دينار إسلامي، وبالفعل شمرَّ علماء الأمة عن ساعد الجدوبعد شهرٍ واحدٍ صكُّوا دينارًا إسلاميًّا منقوشًا على وجهيه (لا اله إلا الله محمدرسول الله ).

فرح عبد الملك فرحًا شديدًا وكتب خطابًا لملك الروم يقول له: "من عبد الملك بن مروان خليفة المسلمين إلى كلب الروم، سببتَنا وآذيتنا وعيَّرتنا،اذهب بدنانيرك فقد جعلنا لنا دينارًا " وضرب اقتصاده في الصميم.. لم يبكِ عبد الملك،ولم يرسل له من يتفاوض معه ويقول له : نحن أبناء عمومة، ولن نذكر اسم الله أبدًا فيأوراقنا، وسوف نحذف آيات القرآن من المقرَّرات ، ولن نمسَّكم بما يسيء إليكم، ولكنَّتمثُّلَ شخصيةِ الرسولِ في الناحية السياسية جَعَلَ الرجل في هذه العزةوالكرامة.
القدوة من حياة الرسول- صلى الله عليهوسلم- كقائد سياسي :

نجد كذلك القائد السياسي يحتاج إلى القدوة في حياة النبي؛حيث القيادة العادلة للأمة، فنجد الرسول يحكم فينشر العدل بين المحكومين، نجدالرسول يوزِّع الفيء على المسلمين توزيعًا عادلاً، ونراه يقيم الحق والعدل على جميعالمتحاكمين إليه لا يستثني من كلمة الشرع أحدًا.. نعلم جميعًا قصة أسامة بن زيدعندما جاء ليشفع في المرأة المخزومية التي سرقت حتى لا يقطع رسول الله يدها لأنهامن قوم شرفاء لهم وجاهة، فغضب رسول الله وقال: "أتشفع في حد منحدود الله يا أسامة؟، لقد أهلك من كان قبلكم أنهم إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذاسرق الضعيف أقاموا عليه الحد، والله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمديدها".

ونجده ينادي أهله بأن يكونوا تحت لواء الإسلام عاملين فيقول: " يا عباس يا ابن عبد المطلب، يا عم رسول الله، اعمل فإني لاأغني عنك من الله شيئًا، يا فاطمة اعملي فإن لا أغني عنك من الله شيئًا، إلا أن لكمرحمًا سأُجلُّها بجلالها"، قمة العدل والحرية.

وهذا عمر بن الخطاب يحكم حكمًا عادلاً تعرفونه جميعًا ويأمرالشباب من أهل الخبرة أن يكتبوا ديوان العطاء ويقول لهم: "اكتبوا الناس حسبمنازلهم" فبدأ الشباب بعمر وآل عمر، ففرح بنو عدي.. قوم عمر.. إذ أصبحوا في أولالديوان يأخذون العطايا العالية؛ وجاء الديوان إلى الفاروق فعجب وقال: "ما هذا؟! أتقدمون عمر وآله على آل رسول الله؟! والله لن يكون أبدًا.. اكتبوا آل رسول اللهأولاً، ثم اكتبوا العرب حسب منازلهم ، ودعوا آل عمر حيث شاء الله لهم أنيكونوا".


جاء بنو عدي يتذمَّرون: "يا عمر أيقدمنا الشباب وتؤخِّرناأنت؟"، فقال: "والله الذي لا إله غيره لن أجعل ظهري جسْرًا لجهنم، ولأضعكم حيثوضعكم الله، ووالله لأحُولن بينكم وبين جهنم بعدل الله" وسارت الأمة تحت لواءالعدل، حتى غير المسلمين، عاشوا تحت العدل، ها هو الفاروق، والدولة الإسلامية وصلتإلى اتساع عظيم، يمشي في المدينة يعسُّ ليلاً، ويمشي في النهار يتفقَّد أحوالالرعية، فيرى يهوديًّا من أهل الكتاب وقد انحنى ظهره، واشتعل رأسه شيبًا، ورسمالبؤس في وجهه خطوطًا طوليةً وعرضيةً، وكُفَّ بصره، وهو يسأل الناس إحسانًا، قال: "يا أمير المؤمنين، كُفَّ بصري، وضاعت قواي، ولا أستطيع دفع الجزية".

يقول الفاروق: "يا سبحان الله!! أكلناه في شبابه ونضيعه فيشيبه، انطلق إلى بيت مال المسلمين" وأصدر الفاروق أمرًا أن تُرفع الجزية عن هذاوأمثاله في شتى أنحاء الدولة الإسلامية، وأن يدبَّر له عطاءٌ شهريٌّ طالما كانحيًّا.

هكذا كان العدل عدلاًً يمدُّ بساطه على جميع أنحاء الأمة، فانتشرالخير ومُكِّنت الأمة في الأرض، وصدق ابن تيمية حين قال: "إن الله ينصر الدولةالعادلة وإن كانت كافرةً، ولا ينصر الدولة الظالمة ولو كانت مؤمنةً"، العدل قيمةعُليا، ومن هنا على القادة أن يأخذوا قدوتهم من رسول الله، فينشروا العدل والهدايةفي جميع أنحاء الأرض، ويعطوا أمتهم الحرية.

إن أمريكا اليوم تخرج علينا بمشروع لإصلاح المنطقة، ونشرالديمقراطية، وَوُضِعَ القواد في حيص بيص، ماذا يعملون؟! ماذا تعمل هذه الأنظمةالدكتاتورية التي كتمت على أنفاس مواطنيها؟ ولو كان الله يريد لهم الخير لرجعوا إلىأخذ القدوة من سيدنا رسول الله ولتصالحوا مع شعوبهم وأممهم ومع أئمة المسلمينوعلمائهم أن يرفعوا أصواتهم مطالبين القادة أن يعودوا إلى التمثُّل بسيدنا رسولالله، وأن ينشروا العدل والحرية في أنحاء الأرض.

دور العلماء أن يبرزوا مواطن القدوة للقوادفي حياة رسول الله :

تعالوا بنا ننتقل سريعًا إلى مكة المكرمة نطوي الزمانوالمكان طيًّا ونصل إلى الكعبة المشرفة، ونشاهد هذا المنظر لحاكم وعالم، حاكم يحكمبما أنزل الله، ينشر لواء الحق في الأمة يجاهد في سبيل الله عز وجل والنبي صلى اللهعليه وسلم يقول: "اثنان إذا صلحا صلح الناس، وإذا فسدا فسدالناس: العلماء والأمراء".


كان خليفة زمانه يحج بيت الله الحرام، وفي الكعبة دخل أحدعلماء الأمة من العلماء الأثبات العظام، فلما رأى خليفة زمانه يحجّ ويجلس في الكعبةقال العالم: "آن الأوان أن أعِظَ الخليفة وهذا واجب عليَّ، فتقدم حتى وصل المكانالذي يجلس فيه الخليفة، والخليفة يعرفه حقَّ المعرفة فألقى السلام على الخليفةوقال: "يا أمير المؤمنين إني ناصح لك فاسمع لي؟" فيا ترى ماذا كان يقول العلماء فيذلك الزمن؟ اسمعوا إلى الفقه السياسي عند علماء الأمة لنرى ما يجب أن يكون عليهالعالم البصير الرباني المؤدب الشجاع.


يقول: "يا أمير المؤمنين، ابسط رداء العدل على الأمة تستقملك رعيتك" كلام في منتهى الدقة، الحاكم العادل يجد أمةً مدافعةً عن الحق، تحميالعرض، وترفع الراية، أما الحاكم الظالم فهو حاكم غبيٌّ، يجد القلوب ممتلئةً بالحقدعليه، وحين تجيء ساعة تطلب حماية الأرض تجد شعبًا ذليلاً مهلهلاً.. "ابسط رداءالعدل تستقم لك رعيتك".

يا أمير المؤمنين انظر إلى هؤلاء الحجيج يملأون الكعبة كلواحد منهم مسئول عن نفسه فقط، أما أنت فمسئول عن هذه الأمة كلها.. يا أمير المؤمنينأعد الإجابة لثلاثة أسئلة: إذا وُضِعت في قبرك، وانصرف عنك الأهل والمال، وأصبحتوحيدًا فريدًا لا مال ينفع، ولا سلطان يدفع، ولا جاه يشفع، وسُئلت: من ربك؟ ومادينك؟ وما تقول في النبي المبعوث فيك؟ فهل أعددت الإجابة..؟

يا أمير المؤمنين، أَعِدَّ الزاد لليلةٍ صبحها يوم القيامة،وأنهى ذلك العالم كلمته فنظر إليه الخليفة وقد امتلأت خدوده بدموعه، وقال له: سمعتمقالتك، فسلني حاجتك.. كم من الألوف تطلب؟! فقال: يا أمير المؤمنين.. في بيت مننحن؟ قال: في بيت الله، قال: معاذ الله!! إني لأستحيي من الله أن أسأل غيره وأنا فيبيته.


فانتظر الخليفة حتى خرجوا من الكعبة ثم قال: أيها العالمخرجنا من بيت الله فسلني حاجتك، قال: أسألك من حاجات الدنيا أم من حاجات الآخرة؟! قال: أما حاجات الآخرة فلا أملكها.. سلني من حاجات الدنيا، فقال العالم: يا أميرالمؤمنين.. أنت حي سوف تموت أم أنك حي لن تموت؟! قال: أنا حي سوف أموت، قال: إذنأنا لا أسأل الحي الذي يموت، وإنما أسأل الحي الذي لا يموت.

القدوة في العدل- السياسة- الرحمة :

﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْأَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾( التوبة : 128 )


رسول الله يطلب من القادة أن يكونوا رحماء بشعوبهم ويقول- صلى الله عليه وسلم-: "إن أقربكم مني مجلسًا يوم القيامةأحاسنكم أخلاقًا، الموطأون أكنافًا الذين يألفون ويُؤلفون" الذين يتقربونلشعوبهم، قال صلى الله عليه وسلم: "إن الله يحب العبد الهيناللين السهل القريب" وفي نفس الوقت يتوعَّد صلى الله عليه وسلم كل قائد غليظعلى أمته، فيقول: "اللهم من ولي من أمر أمة محمد شيئًا فرفقبهم، فارفق به، ومن شقَّ عليهم فاشقق عليه"، ويقول في حديث آخر: "إن شر الرعاء الحطمة" أي الذي يحطِّم شعبه ويقسو عليه ويجعلالناس في كرب وهم وغم وضيق.


ومن ثم كانت القدوة في حياة رسول الله للقواد أن يكونوارحماء وكذلك يجب أن يكونوا أهل شجاعة وقوة وبأس وشدة يقين بالله، وأن يملأ قلوبَهمالخوف من الله وليس الخوف من البشر، النبي وضع القدوة العظيمة لكل الناس في القوةوالعظمة والعزة، يقول علي بن أبي طالب: "كنَّا إذا حمى الوطيس،واحمرت الحدق اتقينا برسول الله فما يكون أحد أقرب إلى العدو منه" وحينماارتجت المدينة ليلاً وخرج الناس يظنون عدوًا داهم المدينة وجدوا الرسول سبقهم، ركبفرسه وأخذ سيفه وقال لهم": لن تراعوا، لن تراعوا، لنتفزعوا.. " صلى الله عليه وآله وسلم.

القدوة في الثبات.. الشجاعة.. قول كلمةالحق.. اليقين بالرزاق المحيي المميت:

ولو أخذ الحكام القدوة منه في هذاالجانب لما رأيت هوانًا، ولما ذاق المحكومون هوانًا، ومن هنا وجدنا القدوة خير مثالفي حياة أصحاب رسول الله.


هذا أبو الحسن عليّ الذي امتلأ قلبه يقينًا بأن الرزاق هوالله وأن المحيي والمميت هو الله.. في غزوة الخندق لما أخرج المشركون آخر أسهمهموأتوا بابن عبد ودّ ليبارز واقتحم الخندق من مكان ضيق وأصبح في جانب المسلمين وأخذينادي: يا أيها المسلمون.. هل من مبارز؟، وتشاور النبي مع أصحابه من يخرج للمبارزة،واستبطأ ابن عبد ود المسلمين فأنشد شعرًا يهجو رسول الله والمسلمينيقول:

ولقد بُحِحْتُ من النداء لجمعهم: هل منمبارز؟

ووقفت إذ جبن الشجاعُ موقف القِرن المناجِز


إن الشجاعةَ في الفتى والجود؛ من خيرالغرائز


فقال علي: أنا أخرج إليه يا رسول الله فألبس رسول الله عليًّا بيديهخوذة الحرب، وأعطاه سيفه ودعا فقال: "اللهم إنك أخذت حمزة منييوم أُحد، فاستبق لي عليًّا اليوم"، وانطلق علي وابن عبد ود يرتجز ويقول: إنالشجاعة في الفتى والجود من خير الغرائز، فأعلى علي سيفه وقال:


لا تعجلن فقد أتاك مجيب صوتك غير عاجز


بشجاعة ونباهةٍ والصدقُ ينجي كل فائز


إني لأرجو أن أقيم عليك نائحة الجنائز


من ضربة نجلاء يبقى ذكرها عند الهزائز


يضرب عليٌّ ابنَ عبد ود ضربةً تفلق هامتَه فيخر صريعًا،وتنكشف سوءته فيدير عليًا وجهه عفةً وتكرمًا، ويكبروا فيسمع النبي التكبير، ويعلمأن عليًا قتله فيكبر النبي، ويمتليء المكان بالتكبير، ويجيء عليًا فيزف البشرى،فيقول له عمر بن الخطاب: هلا استلبته درعه وسيفه فما عند المسلمين درع وسيف مثله؟


قال له: جئت أستلبه درعه فوجدت سوأته مكشوفة فعففت عنه، نعمالعفة والكرامة والحياء، ومن هنا كان المسلمون على مر العصور مثالاً للشجاعة حتىالنساء، هذه الشجاعة العالية التي تجعل القواد والحكام والمحكومين على ثبات للحقوقيام بالصدق، وهنا تكون القدوة منقذةً لأمتنا في حاضرها وغدها.


وقفنا على بعض جوانب العظمة في حياة القدوة صلى الله عليهوسلم، إننا حينما نطرح شخصية رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لتكون قدوتنا جميعًاوحينما نملأ المنابر والخطب بالحديث عن القدوة العملية برسول الله فإنما نريد أننقول: إننا، في ظرفنا الحالي، حكامًا ومحكومين، في حاجة إلى العودة سريعًا إلى رسولالله وإلى تمثل القدوة سريعًا من رسول الله، فحل مشكلاتنا أن نعود لسيدنا رسول الله ونصحح نموذج القدوة


 

 

من مواضيع mesoo في المنتدى

mesoo غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس

قديم 02-10-2011, 09:38 PM   #20
آخشآكـ يآ قدريـ
 
الصورة الرمزية mesoo
 
تاريخ التسجيل: Aug 2010
الدولة: فلسطين
المشاركات: 6,559
mesoo is on a distinguished road
افتراضي



رحمة الرسول صلى الله عليه وسلم بالمسنين
يشهد العالم في السنوات الأخيرة اهتمامًا ملحوظًا بالمسنين، وقد شهد المجتمع الدولي أكثر من فعالية دولية، من مؤتمرات وندوات عالمية ؛ لتناول قضايا المسنين، وشهد عام 1982 أول إشارة من العالم المتحضر لرعاية المسنين، حيث أعلنت الأمم المتحدة في اجتماع لمندوبي 124 دولة أن العقد التاسع من القرن العشرين عقد المسنين، ورفعت منظمة الصحة العالمية عام 1983 شعار "فلنضف الحياة إلى سنين العمر"، وقد تبنى مؤتمر الأمم المتحدة الذي انعقد في مدريد عام 2002 خطة عمل لمعالجة مشاكل المسنين في مختلف بلدان العالم..


والحق أن هذه المؤتمرات كانت شبيهة بالملتقيات الفكرية النظرية، فلم يطبق لها قرار، ولم تُفعل لها خطة! .

وكان الأولى لهذه الفعاليات والمؤتمرات أن تقرأ في منهج نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم وتتعلم كيف رسم المنهج العملي في رعاية المسنين.


ولقد كان نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم سبّاقًا في هذا الميدان، ومرجعًا مهمًّا في هذا المضمار، ينبغي أن يُؤخذ به، لكل فعالية أو نشاط يهدف إلى رعاية المسنين.

وينطلق منهج رعاية المسنين -في الإسلام- من منطلق إنساني سامق، بعيدًا عن التمييز بين فئات المسنين على أساس الجنس أو اللون أو الدين ، فالإسلام لا يقرر قواعد الرعاية للمسنين من منطلق عنصري أو عرقي كما هو الحال في بعض دول العالم "المتحضر" في الوقت الراهن.

فيا ليت هذا العالم "المتحضر" ينظر إلى منهج نبي الإسلام مع المسنين، كل المسنين، البيض والسود، العرب وغير العرب، المسلمين وغير المسلمين! .

وإليكم بعض تعاليمه صلى الله عليه وسلم في رعاية المسنين..

أولاً: مناشدة الشباب لإكرام المسنين:

فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ:قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "مَا أَكْرَمَ شَابٌّ شَيْخًا لِسِنِّهِ إِلَّا قَيَّضَ اللَّهُ لَهُ مَنْ يُكْرِمُهُ عِنْدَ سِنِّهِ

وهكذا أوصى شباب المجتمع بشيوخه، وشباب اليوم هم شيوخ الغد، وتبقى الوصية المحمدية متواصلة ومتلاحقة مع حقب الزمن، توصي الأجيال بعضها ببعض، وفيه بشارة بطول العمر وبالقرين الصالح الذي يكرم من أكرم شيخًا، والجزاء من جنس العمل.

وانظر إلى هذا التعميم: "مَا أَكْرَمَ شَابٌّ شَيْخًا لِسِنِّهِ".. أي شيخ مسن، مهما كان لونه، ومهما كان دينه، فالمسلم مطالب بإكرام المسن دون النظر إلى عقيدته أو بلده أو لونه... كما في حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "والذي نفسي بيده، لا يضع الله رحمته إلا على رحيم"، قالوا يا رسول الله: كلنا يرحم، قال: "ليس برحمة أحدكم صاحبه.. يرحم الناس كافة.. فالمسلم يرحم الناس كافة، والأطفال كافة، والمسنين كافة، بعجرهم وبجرهم، مسلمهم وغير مسلمهم.


ثانيًا: إكرام المسن من إجلال الله:

فعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رضي الله عنه أن رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال: "إِنَّ مِنْ إِجْلالِ اللَّهِ إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ، وَحَامِلِ الْقُرْآنِ غَيْرِ الْغَالِي فِيهِ وَالْجَافِي عَنْهُ، وَإِكْرَامَ ذِي السُّلْطَانِ الْمُقْسِطِ.

فجعل إكرام المسنين من إجلال الله.. وربَط بين توقير الخالق وتوقير المخلوق، وإجلال القوي سبحانه وإجلال المسن الضعيف، وذكر علامة، يُكرم بها صاحبها، هي الشيب، فكان حقًّا على كل من رأى هذه العلامة في إنسان أن يكرمه ويجله.

ثم انظر كيف جمع بين المسن وحامل القرآن والسلطان، وقدّم المسن، كأنه يقول لك وقِّرْ المسن كما توقر السلطان والرئيس والحاكم، وعظِّم المسن كما تعظم حامل القرآن الحاذق.

وتحت لفظ "إكرام ذي الشيبة المسلم"، تأتي كل صور الرعاية والإكرام للمسنين، كالرعاية الصحية، والرعاية النفسية، والرعاية الاجتماعية والاقتصادية، ومحو الأمية، والتعليم والتثقيف، وغيرها من صور العناية التي ينادي بها المجتمع الدولي الآن.

ثالثًا: ليس من المسلمين من لا يوقر المسن:

فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه: أن رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال: "لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا ويُوَقِّرْ كَبِيرَنَا.

فجعل من الذين لا يوقرون الكبراء والمسنين عناصر شاذة في مجتمع المسلمين، بل تبرأ منهم! إذ ليس من المسلمين من لا يحترم كبيرهم، وليس من المجتمع من لم يوقر مشايخه وأكابره من المسنين ، ولنتأمل لفظة النبي "يوقر كبيرنا"، ولم يقل "يوقر الكبير"؛ ليقرر أن الاعتداء على الكبير بالقول أو الفعل أو الإشارة هو اعتداء على جناب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي نسب المسن إليه وانتسب إليه، بقوله.. "كبيرنا".

رابعًا: تسليم الصغير على الكبير:

فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "يُسَلِّمُ الصَّغِيرُ عَلَى الْكَبِيرِ، وَالْمَارُّ عَلَى الْقَاعِدِ، وَالْقَلِيلُ عَلَى الْكَثِيرِ.

فقرر النماذج العملية البسيطة، فيما يتعلق بجوانب الذوقيات الاجتماعية العامة، وبدأ بأهم هذه المظاهر الأخلاقية والذوقية، وهو مظهر توقير الكبير واحترام المسن، فهو البند الأول في "الإتيكيت الإسلامي".. ولما كان الصغير هو المبادر في مثل هذه الأحوال، كان عليه فيما دون ذلك، فيبدأ بالمساعدة، ويبدأ بالملاطفة، ويبدأ بالزيارة، ويبدأ بالنصيحة، ويبدأ بالاتصال... إلخ.

خامسًا: تقديم المسن في وجوه الإكرام عامة:

فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أمرني جبريل أن أقدم الأكابر" ..

وهذه قاعدة عامة في تقديم الكبير والمسن في وجوه الإكرام والتشريف عامة..

وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يُبدأ الكبير بتقديم الشراب ونحوه للأكابر.. فقال: "ابدءوا بالكبراء -أو قال- بالأكابر"

ولقد مارس هذا الخلق عمليًّا، فتقول عائشة: "كان صلى الله عليه وسلم يستن وعنده رجلان، فأُوحي إليه: أن أعط السواك أكبرهما!"

وعن عبد الله بن كعب: "كان صلى الله عليه وسلم إذا استن أعطى السواك الأكبر، وإذا شرب أعطى الذي عن يمينه"



قال ابن بطال: فيه تقديم ذي السن في السواك، و يلتحق به الطعام والشراب والمشي والكلام ، ومن ثَم كل وجوه الإكرام.

كما أمر صلى الله عليه وسلم بتقديم المسن في الإمامة:

ففي الصحيح من حديث مالك بْنِ الْحُوَيْرِثِ أن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قال: ".. فَإِذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ

وهو لا يتعارض مع تصريح النبي صلى الله عليه وسلم بتقديم الأحفظ لكتاب الله.

وقد جمع بينهما في حديث أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ حين قَال رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ وَأَقْدَمُهُمْ قِرَاءَة،ً فَإِنْ كَانَتْ قِرَاءَتُهُمْ سَوَاءً فَلْيَؤُمَّهُمْ أَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً، فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً فَلْيَؤُمَّهُمْ أَكْبَرُهُمْ سِنًّا..."

كما أن الكبير -في الهدي النبوي- أحق بالمبادأة في الكلام، والحوار، فعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ وَسَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ وَمُحَيِّصَةَ بْنَ مَسْعُودٍ أَتَيَا خَيْبَرَ فَتَفَرَّقَا فِي النَّخْل،ِ فَقُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلٍ فَجَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ وَحُوَيِّصَةُ وَمُحَيِّصَةُ ابْنَا مَسْعُودٍ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَتَكَلَّمُوا فِي أَمْرِ صَاحِبِهِم،ْ فَبَدَأَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَكَانَ أَصْغَرَ الْقَوْمِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "كَبِّرْ الْكُبْرَ"..

قَالَ يَحْيَى يَعْنِي لِيَلِيَ الْكَلَامَ الْأَكْبَرُ.. الحديث

سادسًا: التخفيف عن المسنين في الأحكام الشرعية:

فالأحكام الشرعية في الإسلام دائمًا تأخذ في الاعتبار مبدأ التخفيف عن صاحب الحرج، كالمسن.. نرى ذلك بوضوح في جل التشريعات الإسلامية.. فقد خفف الشرع عن المسن في الكفارات والفرائض والواجبات..

أما التخفيف عن المسن في الكفارات، فقصة المجادلة (خولة بنت ثعلبة) -في القرآن- خير دليل، عندما وقع زوجها (أوس بن الصامت) -وهو الشيخ المسن- في جريمة الظهار، ونزل الحكم الشرعي العام: "وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (3) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (4)" [المجادلة: 3، 4]..

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لخولة المجادلة: "مُريه فليعتق رقبة"، فسألت التخفيف عن زوجها. فقال: "فليصم شهرين متتابعين". فقالت: والله إنه شيخ كبير، ما به من صيام. قال: "فليطعم ستين مسكينًا وسقًا من تَمر". فقلت: يا رسول الله، ما ذاك عنده! فقال نبي الرحمة: "فإنا سنعينه بعَرَقٍ من تمر"! ولم ينس الرسول الجليل والأب الرحيم أن يوصي المرأة الشابة بزوجها الشيخ فقال: "استوصي بابن عمك خيرًا.
وفي الفرائض: أجاز للمسن أن يفطر في نهار رمضان -ويطعم- إذا شق عليه الصيام، وأن يصلي جالسًا إذا شق عليه القيام، وأن يصلي راقدًا إذا شق عليه الجلوس.. وهكذا...

ولقد عنّف الرسول صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل، ذات يوم، لما صلّى إمامًا فأطال فشق على المأموم، قائلاً:

"يَا مُعَاذُ! أَفَتَّانٌ أَنْتَ! [ ثَلَاثَ مِرَارٍ]! فَلَوْلَا صَلَّيْتَ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى، فَإِنَّهُ يُصَلِّي وَرَاءَكَ الْكَبِيرُ وَالضَّعِيفُ وَذُو الْحَاجَةِ!

ورخص للمسن أن يرسل من يحج عنه إن لم يستطع أن يمتطى وسيلة النقل. فعَنْ الْفَضْلِ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ خَثْعَمَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَبِي شَيْخٌ كَبِيرٌ عَلَيْهِ فَرِيضَةُ اللَّهِ فِي الْحَجِّ، وَهُوَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْتَوِيَ عَلَى ظَهْرِ بَعِيرِهِ، فَقَالَ لها النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "فَحُجِّي عَنْهُ" .

سابعًا: تجنيب المسنين ويلات الحروب ومنع قتلهم :

وفي إشارة أخرى إلى أساس أخلاقي آخر من أسس الشريعة السمحاء كان النبي صلى الله عليه وسلم يوصي أصحابه وقائدي الجيش: "انطلقوا باسم الله، وبالله، وعلى ملة رسول الله. لا تقتلوا شيخًا فانيًا، ولا طفلاً ولا صغيرًا، ولا امرأة. ولا تغلوا، ، وأصلحوا وأحسنوا، فإن الله يحب المحسنين".

وهذا أمر من رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدم التعرض لكبار السن والنساء والأطفال باعتبارهم غير محاربين، ولا يقوون على حمل السلاح، فاعتبرهم من غير المشمولين بالحرب والقتل..

وهذا ما وصلت إليه الاتفاقيات الدولية وخاصة اتفاقية جنيف لحماية المدنيين في 12 أغسطس 1949 وهو كسابقه أصبح -حبرًا على ورق- لما نراه اليوم من تعرض المدنيين شيوخًا ونساءً وأطفالاً إلى القتل والدمار وبكافة أنواع الأسلحة، وحتى المحرمة دوليًّا، كالأسلحة السمية، كيماوية وبيولوجية، ناهيك عن أسلحة الدمار الشامل.. فتراهم من جهة يصرحون باتفاق معين لخدمة البشرية والسلام، ومن جهة أخرى يتغاضون عن أفعالهم أو أفعال بعضهم في تدمير المجتمعات بوسائل أكثر وحشية.

نماذج رحمته صلى الله عليه وسلم للمسنين:

وهذه نماذج عملية من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ، تبين كيف كان تعامله مع المسنين.. فنراه ينصت لشيخ مشرك بكل ذوق وأدب، ويسعى لفك أسر شيخ كبير أسرته قريش، ويتنازل عن بعض حقوقه لإطلاق هذا الأسير، ونراه يكرم المسن ويتلطف معه ويأمر بتغيير هيئته إلى هيئة حسنة طيبة.

أولاً: إنصاته لعتبة وتلطفه معه:

جاء عتبة بن ربيعة -أحد شيوخ المشركين أيام مكة- يتحدث إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، بحديث طويل يريد أن يثنيه عن دعوته، وكان من بين ما قال: أنت خير أم عبد الله؟ أنت خير أم عبد المطلب؟ فسكت النبي، تأدبًا وإعراضًا عن الجاهلين!

فواصل عتبة قائلاً: إن كنت تزعم أن هؤلاء خير منك فقد عبدوا الآلهة التي عبت، وإن كنت تزعم أنك خير منهم فقل يسمع لقولك، لقد أفضحتنا في العرب حتى طار فيهم أن في قريش ساحرًا، وأن في قريش كاهنًا، ما تريد إلا أن يقوم بعضنا لبعض بالسيوف حتى نتفانى ..

فلما عاين عتبةُ هذا الأدب الجم من رسول الله، خفف من حدة الحديث، وقال: يا ابن أخي.. إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً، وإن كنت تريد به شرفًا سودناك علينا حتى لا نقطع أمرًا دونك، وإن كنت تريد به ملكًا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيًا [يعني جنون أو مس] تراه لا تستطيع رده عن نفسك؛ طلبنا لك الطب وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه، فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يتداوى منه.

وما زال عتبة يتحدث إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، بهذا الحديث الذي لا يخلو من التعريض أو من التجريح، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في إنصات واستماع بكل احترام للشيخ..

حتى إذا فرغ عتبة، قال له النبي صلى الله عليه وسلم -في أدب ورفق-: "أفرغت يا أبا الوليد؟" قال: نعم.

قال: "اسمع مني".

قال: افعل.

فقرأ عليه النبي أول سورة فصلت .

ثانيًا: سعيه لفك أسر شيخ كبير:

فلما أُسر عمرو بن أبي سفيان بن حرب، في معركة بدر، ووقع أسيرًا في يد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل لأبي سفيان: افدِ عمرًا ابنك! قال: أيجمع علي دمي ومالي، قتلوا حنظلة وأفدي عمرًا، دعوه في أيديهم يمسكوه ما بدا لهم.

فبينا هو كذلك محبوس بالمدينة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ إذ خرج شيخ كبير مسلم إلى مكة لأداء العمرة، وكان اسمه سعد بن النعمان بن أكال -أخو بني عمرو بن عوف- فخرج معتمرًا، رغم أن الظروف السياسية عصيبة، لا سيما بعد بدر.. ولم يظن أنه يحبس بمكة، وقد كان عهد أن قريشًا لا يعرضون لأحد جاء حاجًّا أو معتمرًا إلا بخير، فعدا عليه أبو سفيان بن حرب بمكة، فحبسه بابنه عمرو..

ومشى بنو عمرو بن عوف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروا خبره، وسألوه أن يعطيهم عمرو بن أبي سفيان، فيفكوا به الشيخ، ففعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأفرج عن ابن أبي سفيان على الفور، دون فداء، فبعثوا به إلى أبي سفيان فخلى سبيل الشيخ).

ثالثًا: رفقه بأبي قحافة وتوقيره له:

لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة فاتحًا (في رمضان 8هـ/ يناير 630م)، ودخل المسجد الحرام، أتى أبو بكر بأبيه يقوده إلى حضرة النبي صلى الله عليه وسلم ، ليبايع ويسلم. فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال صاحب الخلق العظيم:

"هلا تركت الشيخ في بيته حتى أكون أنا آتيه فيه؟!"

قال أبو بكر رضي الله عنه: يا رسول الله، هو أحق أن يمشى إليك من أن تمشى أنت إليه!!

فأجلسه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بين يديه، وأكرمه، ثم مسح على صدره، ثم قال: "أسلم" فأسلم.

ودخل به أبو بكر وكان رأسه كالثغامة [20] بياضًا من شدة الشيب.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم -في تلطف جم وذوق رفيع-: "غيّروا هذا من شعره

وإذا كان الشرع الإسلامي السمح قد أخذ على كاهله مهمة الرعاية للمسنين، والتخفيف عن المسن، كما رأيت، كان على القوانين والدساتير في المجتمعات والدول أن تحذو هذا الحذو، وأن ترتشف من نبع هذا النهج، فلا قيمة لدساتير أو قوانين لا تتكفل بحقوق المسنين ورعايتهم، وهل تنصر المجتمعات والشعوب إلا بضعفائهم ومشايخهم؟!

وأخيرًا، يمكن أن نجمل الهدي النبوي في التعامل مع المسنين في عدة نقاط هي:

1- مسئولية المجتمع بكامله -خاصة الشباب- عن شيوخه ومسنيه، علمًا بأن رعاية المسنين واجب عيني على الأنظمة والحكومات والشعوب ، ويتمدد الواجب إلى حشد الجهود الفردية والجماعية والرسمية وغير الرسمية لرعاية المسنين.


2- الرعاية الكاملة والشاملة للمسن، صحيًّا ونفسيًّا وعقليًّا واجتماعيًّا، وغيرها من صور العناية، وقد جمعها اللفظ النبوي في جملة "إكرام ذي الشيبة"..


3- توقير المسنين في المعاملات الاجتماعية اليومية المختلفة.


4- تقديم المسنين في وجوه الإكرام عامة، كالإمامة والطعام والشراب.


5- التخفيف عن المسنين في الأحكام الشرعية، ومراعاة الفتوى الشرعية لهم

 

 

من مواضيع mesoo في المنتدى

mesoo غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس

إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
تاريخ العالم الاسلامي>> (السيرة العطره المشرفه{جوانب العظمة في حياة الرسول القدوة)نهر الحب

جديد قسم منتدى نهر الاسلامي

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are معطلة
Pingbacks are معطلة
Refbacks are معطلة



الساعة الآن 04:28 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.8
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO 3.6.1
:: جميع الحقوق محفوظة لمنتديات نهر الحب ::

Security team

 

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92 93 94 95 96 97 98 99 100 101 102 103 104 105 106 107 108 109 110 111 112 113 114 115 116 117 118 119 120 121 122 123 124 125 126 127 128 129 130 131 132 133 134 135 136 137 138 139 140 141 142 143 144 145 146 147 148 149 150 151 152 153 154 155 156 157 158 159 160 161 162 163 164 165 166 167 168 169 170 171 172 173 174 175 176 177 178 179 180 181 182 183 184 185 186 187 188 189 190 191 192 193 194 195 196 197 198 199 200 201 202 203 204 205 206 207 208 209 210 211 212 213 214 215 216 217 218 219 220 221 222 223 224 225 226 227 228 229 230 231 232 233 234 235 236 237 238 239 240 241 242 243 244 245 246 247 248 249 250 251 252 253 254 255 256 257 258 259 260 261 262 263 264 265 266 267 268 269 270 271 272 273 274 275 276 277 278 279 280 281 282 283 284 285 286 287 288